هل تمهد الأزمة السورية لتدهور النظام الإيراني على مثال "قلعة تاجيك" بالنسبة للسوفيات؟

طهران تعيش مأزقاً اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً داخلياً بسبب تدخلها في سوريا

إخراج ميليشيات إيرانية وإنهاء الوجود العسكري الإيراني شرط لأي عملية سلام سورية برعاية واشنطن وموسكو (رويترز)

في واحدة من أكثر القصص "دراماتيكية" حول مرحلة انهيار الاتحاد السوفياتي، يروي المؤرخون الروس المعاصرون حكاية "قلعة تاجيك"، التي كانت مقر الرئاسة الأفغانية في سبعينيات القرن المنصرم. ففي أواخر عام 1979، خاض المئات من عناصر القوات الخاصة السوفياتية حول أسوار القصر الرئاسي الأفغاني، أقصر معركة في تاريخ "امبراطورتيهم السوفياتية". ويقول هؤلاء المؤرخون إن المعركة لم تطل أكثر من ساعة واحدة، احتلت على أثرها القوات السوفياتية القصر، منهيةً حُكم الرئيس الأفغاني آنذاك حفظ الله أمين، وسيطرت بالتالي على أفغانستان، التي باتت تدور في فلك الهيمنة الشيوعية. واعتبر السوفيات النصر السريع في تلك العملية، بمثابة اثبات لتفوقهم في الحرب الباردة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يورد المؤرخون تلك الحادثة، ليسردوا الجانب الدراماتيكي الذي تلاها، فسقوط "قلعة تاجيك" بات مع مرور الأيام، يشكل "المقدمة الموضوعية" لتخبط السوفيات في "الوحول" الأفغانية السياسية والاقتصادية والأيديولوجية والعسكرية. إذ تحولت تلك البلاد ذات الطبيعة القاسية إلى "خاصرة رخوة" بالنسبة للسوفيات، حيث تلقوا هزائم قاسية تتالت خلال عقد كامل، لتشكل الظرف التاريخي الذي قصم ظهر الاتحاد السوفياتي، الذي سقط بعد أقل من ثلاث سنوات على انسحاب القوات السوفياتية "الذليل" من أفغانستان.

تتشارك تلك "الدراما السوفياتية" بأوجه شبهٍ عدة مع مشهد الحضور الإيراني في سوريا. فمع اندلاع الثورة السورية، اعتبرت إيران أن هيمنتها على سوريا، الكيان العربي والشرق أوسطي المركزي والفعال، تشكل مؤشراً واضحاً على نفوذها في محيطها السياسي والجغرافي والعسكري، وأنها أصبحت "الدولة المهيمِنة" في كل الشرق الأوسط.

لكن الأحوال ما لبثت أن تحولت، وأثبتت أن إيران تعيش مأزقاً اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً داخلياً، ناتج عن دورها في الداخل السوري. ويُتوقع أن تبقى "الديناميكية السورية" فعّالة في الأفق المنظور، وأن تحمل قول فصل في الملامح المستقبلية لنظام الحكم في طهران، مثلما أثرت الظاهرة الأفغانية في عقد الثمانينيات بالاتحاد السوفياتي.
 

تحولات الشراكة
 

بدأت ملامح الارتباط المصيري بين النظامين السوري والإيراني منذ الاشهر الأولى التي تلت عودة روح الله الخميني في ربيع عام 1979. فطوال السنة ونصف السنة التي فصلت بين تثبيت الخميني لسلطته على إيران، إثر الثورة الشعبية التي أسقطت نظام الشاه في فبراير (شباط) 1979، وبدء الحرب الإيرانية - العراقية في سبتمبر (أيلول) 1980، اعتمد النظام الإيراني الجديد استراتيجية "تحطيم الأنظمة والكيانات الإقليمية"، وتحديداً في العراق ودول الخليج العربي، وجعلها شغله الشاغل، عبر بث مبدأ "تصدير الثورة"، في حين كان ينسج علاقة عميقة مع النظام السوري.

وشكّلت سنوات الحرب الإيرانية -العراقية في عقد الثمانينيات، الظرف الموضوعي لتعمق تلك العلاقة لتصل إلى المستوى الاستراتيجي، فالنظام السوري في حينه كان يعتبر أن نظيره الإيراني الجديد، قادر أن يكون قوة التوازن المناهضة لـ"شقيقه اللدود"، حزب البعث العراقي. كما أن النظام الإيراني رأى في النظام السوري أداته وشرفته على المشهد العربي والإقليمي، خصوصاً أن هذا النظام كان ضالعاً في كل الملفات الشائكة، الفلسطينية واللبنانية والعراقية بالذات.

وبقي التوازن سمة الشراكة الأبرز بين الطرفين منذ ذلك الوقت وحتى قرابة نهاية عهد حافظ الأسد، إلا أنه خلال السنوات الأخيرة من حكم الأخير، كان نظامه يخسر بالتقادم أدواته الإقليمية، ويصبح بالتالي أكثر حاجة إلى إيران لتثبيت استقراره وحضوره في المشهد الإقليمي. فمع تنازل سوريا عن زعيم "حزب العمال الكردستاني" عبد الله أوجلان لصالح تركيا، وتوقيع اتفاقية أضنة معها في عام 1998، بات واضحاً أن لأنقرة سطوة على الجار السوري، بعدما كان العكس صحيحاً من قبل. ومع خروج جيش الاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان في عام 2000، بات حزب الله شريكاً لسوريا في حكم هذا البلد، الأمر الذي تطور عام 2005 حين أحكم حزب الله سيطرته على المشهد اللبناني، عقب خروج النظام السوري "المُذل" من لبنان. وقال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله في خطاب الوداع للجيش السوري: "شكراً سوريا"، بمعنى أن لبنان أصبح ساحة كاملة لنفوذ حزبه، وبالتالي النفوذ الإيراني. كما كانت القضية الفلسطينية تحررت من سطوة الأسد بعد اتفاق أوسلو.

ويمكن رصد عشرات الأمثلة طوال عهد حكم بشار الأسد، التي كان النظام السوري عبرها كلها يتحول من شريك للنظام الإيراني إلى أداة في يده، مثله مثل بقية الأدوات الحزبية والميليشيوية الإيرانية في دول عدة في المنطقة.

هذا الأمر الذي تطور بعد عام 2011 ليصبح "احتلالاً مستتراً"، إذ إن إيران باتت تتدخل في كل تفاصيل الحياة العامة السورية، الاقتصادية والعسكرية والأمنية وحتى الثقافية، لكن دورة الاحتلال هذه أثبتت أنها لا تصب بالضرورة لمصلحة استقرار النظام الإيراني والحفاظ على هيمنته الاقليمية، وأنها يمكن أن تؤثر في الأحوال الإيرانية كما فعلت أفغانستان بالسوفيات.

الوحل السوري

يمكن رسم لوحة مؤلفة من ثلاث صور ومراحل لتدخل النظام الإيراني في المشهد السوري بعد عام 2011، تبدأ بتقديم الاستشارات والمساندة المعنوية في الأشهر الأولى للانتفاضة السورية، ثم تمر بالإمداد العسكري والمالي المباشر مع بدء السنة الثانية للأحداث، وتنتهي بالحضور والجهد القتالي المباشر عبر قواتها وميليشياتها في الحرب السورية، مباشرةً بعد صيف عام 2012.

وشكلت خبرة قمع "الثورة الخضراء" أولى "مساهمات" النظام الإيراني في دعم نظيره السوري، فمع اندلاع الثورة السورية، اندفع مئات المستشارين الأمنيين الإيرانيين إلى سوريا، ساعين لنقل خبرتهم في استخدام القمع المفرط للانتفاضة الشعبية التي اندلعت في طهران عام 2009 احتجاجاً على تزوير الانتخابات الرئاسية لمصلحة الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد على حساب منافسه الإصلاحي مير حسين موسوي.

كانت النصيحة الإيرانية الأساسية للنظام السوري هي عدم التهاون أو تقديم أي تنازل، وإعادة التجربة الإيرانية بحذافيرها. فإلى جانب المستشارين، تدفقت أدوات ومعدات وتقنيات مكافحة الاحتجاجات الإيرانية على الأجهزة الأمنية السورية، من عصي كهربائية وأدوات مراقبة الهواتف النقالة، مروراً بأدوات التعذيب وسترات الحماية وأجهزة تشويش البث التلفزيوني واختلاق الخطابات الإعلامية والسياسية المُضادة للثورة.

وبدءاً من فبراير (شباط) 2012، وبعد مصادرة تركيا شحنة أسلحة إيرانية موجهة للنظام السوري، تحتوي على رشاشات آلية وقذائف هاون وبنادق قنص، بات واضحاً أن إيران دخلت مرحلة الدعم العسكري المباشر، وأن السلطات العراقية التي غضت النظر عن عبور الطائرات الإيرانية في أجوائها، تشكل الممر المثالي لهذا الدعم.

في تلك الفترة، كشفت صحف اقتصادية أوروبية، عن أن النظام السوري يتلقى دعماً مالياً واضحاُ من إيران، قُدّر خلال عامه الأول بحوالى 10 مليارات دولار، إذ حرص الطرفان على إبقاء الأحوال الاقتصادية السورية سليمة إلى حد ما، كي لا تؤثر في توسع رقعة الاحتجاجات، خلال السنة الأولى من الثورة.

استمر الدعم المالي طوال السنوات التالية، وإن بحجم أقل مما كان عليه في سنته الاولى، لكنه يُقدَّر في مجموعه بحوالى 50 مليار دولار. وكانت أشكال الصرف الإيرانية على النظام السوري متعددة الأوجه بدءاً من شراء الأسلحة وتقديم الهبات المالية المباشرة والعينية عبر بواخر المشتقات النفطية، وانتهاءً بالصرف على الدعاية الداخلية وتدريب عشرات الفرق الميليشيوية الطائفية اللبنانية والأفغانية والعراقية، لتكون جاهزة للانخراط في الحرب السورية.

وعلى الرغم من أن الدعاية الرسمية الإيرانية تقول للداخل الإيراني إنها تستطيع أن تعوّض الأموال التي صُرفت على النظام السوري، لكن ذلك مستبعد للغاية، فسوريا لا تملك ثروة باطنية أو استثمارية كبيرة قادرة على تعويض ولو جزء بسيط من الرقم المهول الذي صرفته طهران على نظام الحكم في دمشق.

وخلال صيف عام 2012، ومع تزايد قوة المنتفضين السوريين وخروج عدد كبير من المناطق عن سلطة النظام، دخلت المساهمة الإيرانية مرحلتها الأكثر خطورة، عبر تجهيز ميليشيات طائفية موالية لها، لتدخل في الحرب إلى جانب النظام، يرافقها مئات الضباط والعسكريين الإيرانيين، الذين كانت تُطلق عليهم رسمياً تسمية "مستشارين عسكريين"، لكنهم فعلياً كانوا قادة التخطيط العسكري الميداني في غالبية الجبهات. الحدث التراجيدي الذي جرى في أوائل عام 2013 كان دليلاً دامغاً على أن النظامين الإيراني والسوري هما فعلياً قوة احتلال ضد الشعب السوري، فمقابل إطلاق فصيل سوري معارض 48 إيرانياً كان احتجزهم في إحدى مناطق دمشق، أطلق النظام سراح أكثر من ألفي معتقل سياسي سوري.

وخلال هذه الفترة، تعددت الأدوات الإيرانية في الداخل السوري من خلال جهات استخباراتية في "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري الإيراني، ووحدات من قوات الباسيج "الخاصة"، وتكثفت بدخول ميليشيات حزب الله في معركة مدينة القصير، في صيف عام 2013.

الأدوات الأربع

بناء على ذلك، اعتمدت إيران على أربع أدوات للتدخل في تفاصيل الشأن السوري، فلطهران قوة عسكرية مباشرة على الأرض السورية، سواء عبر فصائل عسكرية نظامية إيرانية، مثل كتائب المدفعية وكتيبة "الأكرم كرمنشان" و"القدس جيلان"، وعشرات غيرها من كتائب "الحرس الثوري"، أو عبر الميليشيات الطائفية، مثل "حركة النجباء" و"أبو فضل العباس" و"عصائب أهل الحق" العراقية، أو "حزب الله" اللبناني، أو حتى فصائل مثل "زينبيون" الباكستانية و"فاطميون" الأفغانية.

كذلك تعتمد إيران على الهبات والأدوات الاقتصادية للتأثير السياسي في النظام السوري، وباتت بالتالي تملك نفوذاً في الأجهزة الأمنية وفرق الجيش السوري، لا سيما الاستخبارات الجوية والفرقة الرابعة القوية التجهيز. وفي مقابل ذلك، استفادت إيران من عقد اتفاقيات واستحوذت على ممتلكات في الداخل السوري، مثل قطاع الهواتف النقالة والفوسفات.
 

الانعكاسات الصادمة
 

مع كل تلك الأدوات وأشكال الهيمنة، إلا أن النفوذ والدور الإيراني في الداخل السوري يبدوان راهناً في أضعف مراحلهما، فإيران مهددة بالخروج من الملف السوري، الذي سيشكّل في حال حدوثه ضربةً قاصمة لصورة وديناميكية عمل النظام الإيراني وبالتالي استقراره.

وثمة أربعة مؤشرات لذلك التراجع الإيراني، إذ تبدو القوى الدولية والإقليمية مختلفةً على كل شيء في سوريا، إلا أنها متفقة ومصرة على كبح جماح إيران وإخراجها من سوريا. فروسيا والولايات المتحدة، تعقدان اتفاقيات شبه معلنة في ذلك الإطار، وهما تغضان النظر وتدفعان إسرائيل لتوجيه ضربات موجعة للنفوذ العسكري الإيراني في الداخل السوري. ويُعد إخراج الميليشيات الإيرانية وإنهاء الوجود العسكري الإيراني في الداخل السوري، أحد شروط أي عملية سلام سورية برعاية هاتين الدولتين، وهو أمر في ما لو حصل، فإنه سيعني أن باقي الأدوات الإيرانية باتت هشة للغاية وغير قادرة على الصمود وحدها.

كما تواجه إيران سياسياً ما تواجهه عسكرياً، فمساحة النفوذ السياسي في سوريا، أو بالأحرى على النظام، تبدو وكأنها غير قابلة للقسمة على اثنين. لذلك، فإن الطرف الروسي يحاول إخراج إيران سياسياً من الملف السوري لمصلحته، ويستخدم في سبيل ذلك كل الأدوات، المستترة والمعلنة. وأثبتت تفاصيل الأحداث، منذ خريف عام 2015، القوة النسبية لروسيا في ما لو قُورنت بنظيرتها الإيرانية. وفي ضوء ما سبق، فإن إيران تلقت ضربة مركّزة لنفوذها في الأجهزة الأمنية السورية عبر التشكيلات الأمنية الأخيرة، التي قرأها مراقبون كتصفية شاملة لكل "رجالات" إيران في تلك الأجهزة، واستبدالهم بموالين لروسيا.

أخيراً، فإن الأحوال الاقتصادية السورية، وتأخر عملية إعادة الإعمار وعدم تدفق أموال المساعدات الإقليمية والدولية بسبب تعثر العملية السياسية، إنما توحي أن الأموال الإيرانية الطائلة التي صُرفت على الملف السوري ذهبت هباءً.

وفي إيران اليوم، أحوال كثيرة ضاغطة على النظام الحاكم، مثل سوء التخطيط الاقتصادي والعمراني، واستمرار عملية كبح الحريات السياسية والعامة، والتراجع المريع للأداء الحكومي والاقتصادي، كذلك فإن الاستراتيجية الأميركية والدولية تتجه إلى وضع حدٍ لسلوك إيران المقلق أمنياً وعسكرياً، وكذلك للأدوار التسلطية لنخبها الحاكمة ومراكمتها ثروات هائلة على حساب الطبقات الوسطى والفقيرة من الشعب الإيراني.

وضمن هذا المشهد، لا يُعرف بالضبط حجم ودور الانخراط الإيراني في سوريا، لكنه أحد أهم الأدوات والديناميكيات التي راكمت أزمات النظام الإيراني وعلاقته بشعبه. وبشهادة الشعب الإيراني نفسه، الذي يصدح في كل تظاهرة مناهضة للنظام، بعبارة واحدة وموحية "الموت لـ لا أحد"، في إشارة إلى قنوطه من سلوك نظامه الذي يوزع القتل وأدواته في مختلف دول المنطقة، وتحديداً في سوريا، "قلعة تاجيك" الإيرانية.

المزيد من آراء