كيف كان فيلم "الحاسة السادسة" نعمة ونقمة على مخرجه إم نايت شيامالان

في ذكرى مرور 20 عاماً على الإنجاز العظيم لإم نايت شيامالان، تزعم ألكسندرا بولارد أن هذا الفيلم قد خلق الحياة المهنية وقضى عليها بالنسبة للمخرج الذي كان حينها بعمر الثامنة والعشرين

صورة من فيلم"الحاسة السادسة" (غيتي)

تحتوي هذه المقالة على بعض التسريبات والتلميحات التي تفُسد متعة الأعمال الفنية، لكن قد لا يكون هناك لزوم لهذا التحذير، بالنظر إلى أن إم نايت شيامالان - مخرج فيلم ’الحاسة السادسة‘ الذي اُصدر عام (1999)، وفيلم ’القرية‘ (2004) و فيلم ’الحَدَث‘ (2008) -  بات اسمه مرتبطاً بالحبكات الدرامية المتمعجة. مثلاً  قد يكون الجدّان مريضين عقليين هاربين من المصحة. أو أن تقوم الأشجار بالقتل انتقاماً. هذه هي أميركا المعاصرة في الواقع. أو أن البطل كان ميتاً طوال الفيلم. لقد قدّم شيامالان نفسه خلال مسيرته المهنية الممتدة على مدى 25 سنة على أنه ملك لَيِّ الحبكات. ويمكننا القول إن هذه الميزة كانت  سبب تدهوره أيضاً.

بدأ الأمر برمته في يوم الثلاثاء قبل عشرين عاماً، مع إصدار فيلم ’الحاسة السادسة‘. كان شيامالان يبلغ من العمر حينها 28 عاماً فقط عندما كتب وأخرج الفيلم الذي كوّن مسيرته المهنية، ولكنه بطريقة غير مباشرة، قضى عليها أيضاً.

الفيلم الذي لعبت بطولته الممثلة الأسترالية توني كوليت والفنان الأميركي بروس ويليس (الذي كان حتى ذلك الحين معروفاً بدور النجم المحطِّم والمدمِّر في سلسلة أفلام ’داي هارد‘ (عناد) ، والطفل البالغ من العمر 11 عاماً هيلي جويل أوسمنت، كان  فيلم رعب فريداً من نوعه. كان أشبه بصوت آلة كمان نشاز وانحراف مثير للأعصاب عن كونه دراما عائلية مؤثرة. كان الأمر مُحكماً لدرجة أن الفنانة كوليت، التي تلعب دور والدة صبي صغير مقتنع بأنه قادر على رؤية الموتى، لم تدرك أنه كان فيلم رعب إلا بعد إصداره.

هذا ما يجعل فيلم ’الحاسة السادسة‘ ناجحاً للغاية. لقد كان تحفة فنية حتى بدون كشف التحريفة النهائية في حبكة الفيلم - وهي أن بروس ويليس في دور الاختصاصي النفسي ’مالكوم كرو‘ الذي كان يعالج طفلاً صغيراً يدعى ’كول‘ من أمور يتهيأ له أنه يراها، كان هو نفسه ميتاً (لقد حذرتكم بشكل مسبق). هناك جهد كبير مبذول في صياغة العمل التي تبني التوتر تدريجياً لدى المشاهد، والديناميكية في علاقات أبطاله، والشعور الخفي فيه بالرهبة، والإحساس بأن التحريفة في الحبكة بمثابة لمسة جمالية نهائية، وليست محوراً رئيسياً سينهار العمل برمته بدونها.

من المحتمل أن ينكر شيامالان ذلك، لكن يبدو أن المخرج قد تجرع السم في كأس نجاح ’الحاسة السادسة‘ - الذي حصل على تقييمات هائلة وجنى أكثر من 670 مليون دولار رغم أن ميزانيته كانت تبلغ 40 مليون دولار فقط - إذ أنه أمضى العقود التالية وهو يحاول ويذرع في فشله بتقديم حبكة مماثلة. صحيح أن أفلاماً مثل ’غير قابل للكسر‘ و ’إشارات‘ و’القرية‘، التي أنتجت جميعها خلال السنوات الخمس التالية، قد لاقت استحساناً إلى حد ما، مع تمعجات لا بأس بها - ولكن قد بدأ الصبر بالنفاد للتو.

من بين الانتقادات التي وجّهت إلى فيلم ’القرية‘ الذي لعبت بطولته الممثلة برايس دالاس هوارد بدور امرأة عمياء توجّب عليها أن تشق طريقها عبر غابة يبدو أن الوحوش اجتاحتها، كان ما كتبه الناقد القدير روجر إيبرت: "إن وصف الخاتمة بالهابطة، لن يكون إهانة للنهاية فقط بل للبداية أيضاً."

بحلول الوقت الذي أُنتج فيه فيلم ’امرأة في الماء‘ بعد عامين، كان إيبرت قد فقد صبره تماماً. وقال إن أفلام شيامالان كانت ’ألعاباً مخادعة‘، وأن هذا العمل هو "قصة كُتبت بشكل سيء، وأُخرجت بتصنّع، ومهينة للجمهور وليس لها أي هدف".

كان فيلم ’امرأة في الماء‘ بمثابة بداية الركود لشيامالان، إن لم يكن على صعيد نجاحه في شباك التذاكر، ففي سمعته بكل تأكيد. مع ’الحاسة السادسة‘ لقد حصر نفسه في زاوية معينة،  والأفلام العديدة التي صورها بعد عام 2004 – ’امرأة في الماء‘، ’الحدَث‘، ’ذا لاست إيربندر‘، ’بعد الأرض‘ - لم تكن جيدة بما يكفي لتبرير التحولات في حبكاتها. كان فيلم ’الحدث‘ مستهجَناً على وجه الخصوص، ويعود الفضل في ذلك إلى حد كبير إلى المشهد الذي يتحدث فيه مارك والبرغ مع نبتة بلاستيكية على انفراد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

والأسوأ من هذا، أن تلك الأعمال فتحت المجال أمام مجموعة من الأفلام الأقل شأناً الطامحة بالتربح من خلال الاستفادة من توقنا لعنصر المفاجأة - ويمكننا القول إن أسوأها جاء هذا العام مع فيلم ’سيرينتي‘ (صفاء) الذي تدور قصته حول سمكة تونة غارقة في غبائها الخاص.

ليس الأمر كما لو أن موهبة شيامالان تقتصر على تكتيكات الصدمة - ففي نفس العام الذي صدر فيه ’الحاسة السادسة‘، شارك في كتابة سيناريو فيلم ’ستيوارت ليتل‘، وهو فيلم عائلي سخيف ولكنه لطيف عن فأر مُتبنى، ويُزعم أن شيامالان (هو صاحب الادعاء) قام بصياغة فيلم ’إنها كل ذلك‘، وهو عمل كوميدي لليافعين بارع ومثير. وقال شيامالان ذات مرة عن صيته الذائع بلَي الحبكات: "ليس الأمر كحركة راقصة ... إنه ليس مثل حركة مشية القمر. لو كان الأمر كذلك، فسيصبح عبئاً ... حسناً، متى سيقوم بمشية القمر؟" لكن هذا هو بالضبط الشعور الذي ينتاب الناس عندما يذهبون لحضور أحد أفلامه.

ولا بد أنه يعرف ذلك، وإلا لما تراجع عن خطته المزمعة لتقديم رواية ’حياة باي‘ للمؤلف ’يان مارتيل’ - التي أخرجها ’آنغ لي’ بدلاً منه في عام 2012.

وقال شايمالان: "أنا أحب هذا الكتاب ... لكنني كنت متردداً لأنه يحتوي على تحوّل في نهايته. وكنت قلقاً من أن مجرد وضع اسمي في الفيلم، سيجعل تجربة كل شخص مختلفة. في حين لو أن أحداً غيري أخرجه، فسيكون مُرضياً أكثر بكثير، على ما أعتقد."

لكن يبدو أن الأمور تتحسن على أية حال. مع الأعمال المقدمة حديثاً مثل ’الزيارة’ عام 2015 و ’الانفصال‘ عام 2016،  بدأ شيامالان في العودة إلى ما استطاع تقديمه بشكل جميل في ’الحاسة السادسة’- وهو خلق عمل فني جيد بدون نهاية صادمة. الحمد لله - لقد بدأت أقلق من أن وحش النجاح قد ابتلعه، لكن ربما لم يكن الوحش حياً في الأساس.

© The Independent

المزيد من تلفزيون وإذاعة