الأحزاب الجزائرية تنسحب من صناعة الحلول والسلطة بين "انتهازية" الإسلاميين وتشدد العلمانيين

كشف البرلمان عن تحالفات غير معتادة

هيئة الحوار والوساطة الجزائرية تعد لقاءات مع شباب الحراك (أ. ب)

تراجعت مواقف الأحزاب الجزائرية، التي حاولت في بدايات الحراك شغل المشهد السياسي، إزاء الحوار الذي تقوده هيئة مستقلة، ولم يعد لتلك الأحزاب صوت منذ اجتماعها في ندوة الحوار الوطني في السادس يوليو (تموز) الماضي، بعدما شعرت بـ "عدم حاجة" الرئاسة إلى أدوارها في المرحلة الراهنة.

ولم يعد لتكتل "قوى التغيير من أجل نصرة الحراك الشعبي" أي نشاط منذ قرابة الشهرين، على الرغم من أنه صنع المشهد السياسي الحزبي منذ بداية الحراك، في فترة تشهد نفوراً واسعاً لدى الجزائريين تجاه الظاهرة الحزبية. وإذا كان "التيار الديمقراطي" قد انسحب لأسباب واضحة تتعلق برفضه الخيارات الدستورية الحالية، فإن انسحاب قوى التغيير لم يُفسّر. وترافق هذا الغموض مع تردد معلومات عن "انفراط" التوافق بينها وبين الرئاسة المؤقتة بقيادة عبد القادر بن صالح.

الأحزاب ستبدي الرأي فحسب

وإن كانت رئاسة الدولة قد تفادت التعليق على ندوة الحوار الوطني التي قادتها أحزاب "قوى التغيير"، فإنها سارعت لمباركة أرضية قدمتها فعاليات مدنية "منتدى التغيير المدني". ما فُهم على أنه ترجمة لموقف الرئاسة بمباركة من المؤسسة العسكرية.

وتتألف أحزاب "قوى التغيير" من ثماني تشكيلات زائد إثنتين، بعد لحاق كل من "جيل جديد" و"عهد 54"، والتكتل في الأصل هو تحالف هجين بين أحزاب إسلامية وأخرى من التيار الوطني، وكان قدم أرضية لـ"الانتقال الديمقراطي" تمر عبر رئاسيات شفافة ونزيهة.

لكن، عقد تلك الأحزاب التي اجتمعت مطلع يوليو (حزيران) الماضي، انفرط بمجرد إغلاق القاعة التي احتضنت تلك الندوة، وكال عضو إسلامي بارز في "جبهة العدالة والتنمية" وجه اتهامات لمنسق الندوة، عبد العزيز رحابي، بمحاولة "الفرار بنتائج المؤتمر"، في إشارة ربما إلى "صفقة" يقودها علي بن فليس مع جهة ما في السلطة. وبن فليس هو رئيس حزب "طلائع الحريات" الذي شارك بقوة في تلك الندوة ومخرجاتها.

"من لا يؤتمن جانبه"

ولعل ذلك المشهد دفع بالرئاسة الجزائرية إلى "اجتناب" خيار الأحزاب قاطبة، بما أنها قدمت نفسها بمظهر "مَن لا يؤتمن جانبه"، وهو ما دفع بها إلى تغيير البوصلة نحو تيار مدني مرتبط بشكل أو آخر بالسلطة، لكنه يقدم نفسه مستقلاً بشكل كامل من دون طموح سياسي.

وقال منسق هيئة الحوار والوساطة، كريم يونس، السبت 10 أغسطس (آب)، إن الهيئة بصدد إعداد روزنامة لقاءات متواصلة مع شباب الحراك، كما ستشرع في الاتصال بشخصيات حزبية بعد عيد الأضحى. ومعنى ذلك أن دور الأحزاب المعتمدة سيكون "استشارياً" و"على انفراد".

وأوضح كريم يونس أن من مهمات الندوة الوطنية المزمع انعقادها مستقبلاً، الجمع بين الشركاء السياسيين والاجتماعيين. وأكد أن الندوة الوطنية هي التي ستحدد تاريخ الانتخابات الرئاسية وإعداد نص السلطة السياسية التي ستنظم الرئاسيات.

يونس يغازل "التيار الديمقراطي"

تدريجاً، اتضحت أسباب اختيار كريم يونس منسقاً لهيئة الوساطة والحوار، قياساً بعلاقات الرجل مع شخصيات من "التيار الديمقراطي"، الذي يتشدد في رفض مخرجات دستورية للأزمة الراهنة ويعلن "قطيعة" مع خيارات المؤسسة العسكرية في التعاطي مع الحراك الشعبي في الأسابيع الماضية.

على الرغم من علاقات يونس بشخصيات محسوبة على هذا التيار، فإن الأخير يرفض اللحاق بالهيئة و"يتهكم" على اللجنة بحجة "تعيينها من جانب سلطة فاقدة للشرعية". ويكثف يونس لقاءاته بشخصيات علمانية قد تستجيب "مستقلة" لدعوته تعويضاً عن غياب أكيد لطَيف كبير من السياسيين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ورداً على محاولة يونس استمالة موقف حزب جبهة القوى الاشتراكية، حزب المعارضة التقليدي، فإن الأخير جدّد "التزامه بالحوار الجاد والحقيقي الحر والمستقل عن جدول أعمال السلطة الذي تكون غايته الوحيدة الاستجابة لمطالب الشعب الجزائري".

وشدّد الحزب في بيان له على ضرورة أن "يكون هذا الحوار شاملاً ومخلصاً، وفي حال تحقق ذلك سيجد كامل قوته وفعاليته إذا تم اتخاذ تدابير تيسيرية لاستعادة الثقة والجدية غير المتوافرتين اليوم".

تقاليد السلطة

ويقول الكاتب الصحافي ياسين بن مبروك، في هذه الثنائية التي تخص المشهد الحزبي، "السلطة وجدت نفسها بين انتهازية الإسلاميين وتشدد العلمانيين". ويرى أن السلطة "عادت إلى تقاليدها بعدم الثقة في أحزاب المعارضة التي ما زالت تتحرك بانتهازية لشعورها بأنه غير مرغوب في دورها".

ويتغذى هذا الشعور من خطوات تقودها أحزاب التحالف الأربعة، إذ ذهبت مكرهة إلى تغيير قادتها، بعد سجن زعمائها على أمل تطبيع وضعها. وهي خطوات لم تعترض عليها السلطة قانوناً. بمعنى أن الأخيرة تشتغل على استعادة دورها تدريجاً، مستفيدة من انقسام الحراك وتراجع وهجه، وبالتالي تراجع حدة المطالبات بحلها وإلغائها من المشهد.

ويقول بن مبروك "فترة ستة أشهر منذ بداية الحراك الشعبي، كانت كافية أن يجرب كل طرف تحالفات محتملة مع أطراف جديدة". ويعتبر أن "البرلمان من كشف عن تحالفات غير معتادة بوصول شخصية إسلامية إلى قيادته، فإن مواقف السلطة تشير إلى اعتمادها على المنظومة السابقة مع تغيير واجهتها وخطابها".

المزيد من العالم العربي