جماعة الحوثي تحتكر تجارة المشتقات النفطية وتفرض إتاوات

افتعلت أزمات خانقة في الوقود وأنعشت السوق السوداء وفرضت زيادات غير قانونية

تهمش جماعة الحوثي شركة النفط اليمنية (أ. ف. ب)

منذ قرار اللجنة الثورية الحوثية تحرير سوق المشتقات النفطية، الذي همش دور شركة النفط اليمنية وأطلق يد الشركات التي تمتلكها قيادات حوثية، شهد قطاع تجارة المشتقات النفطية تلاعباً كبيراً وفساداً بمئات مليارات الريالات، يتحمل مضاعفاتها المواطنون على شكل زيادات سعرية.

في قرار تحرير سوق المشتقات النفطية نفسه، أقرت الجماعة الحوثية جبايات وإتاوات على كل لتر بنزين أو ديزل بمسميات عدة، مثل بناء رصيف نفطي أو بناء محطة كهربائية، لكنها في حقيقة الأمر كانت تعود إلى خزائن الجماعة والتي تشرف عبر لجنتها النفطية المتفرعة من اللجنة الاقتصادية للجماعة على تجارة المشتقات وتنظيمها، وهي المسؤولة عن الفوضى والزيادات السعرية التي شهدت ارتفاعات خيالية، حيث وصلت في بعض الأوقات قيمة جالون البنزين إلى 20 ألف ريال (حوالي 80 دولار )ارتفاعاً من 5500 ريال، وهو السعر الرسمي الذي حددته لجنة حكومية منبثقة من مجلس وزراء سلطة صنعاء.

وحرصت جماعة الحوثي على تهميش دور شركة النفط بموجب قرار إنشائها وقانونه، وحوّلتها إلى محلّل تشرعن عبره التسعيرة التي تضعها الجماعة للمشتقات النفطية واعتمادها آلية خاصة بتوزيع البنزين والديزل على عدد من المحطات بسعر تجاري تجاوز 8500 ريال (حوالي 34 دولار ) للجالون الواحد سعة 20 لتراً، قفزاً عن الآلية الحكومية التي أقرتها لجنة حكومية برئاسة رئيس حكومة صنعاء عبد العزيز بن حبتور، التي حددت السعر بـ 5500 ريال.

وتفتقد الآلية التي يتم تطبيقها إلى أي رؤية اقتصادية، بالإضافة إلى كونها فاقمت من ظاهرة الاحتكار وعززت السوق السوداء. كما أنها لم تراعِ الأوضاع المعيشية الصعبة للمواطنين وتبعات هذه الزيادة على بقية السلع الاستهلاكية.

وثيقة

وتعمد جماعة الحوثي إلى افتعال الأزمات المتكررة والخانقة في سوق المشتقات النفطية. إذ منعت تفريغ عدد من سفن المشتقات النفطية في ميناء الحديدة، إضافة إلى احتجاز عدد من السفن أشهراً عدة، وكذا احتجزت شاحنات ومقطورات تحمل مشتقات نفطية كانت في طريقها من الحديدة إلى صنعاء، في وقت كانت تشهد العاصمة صنعاء أزمة خانقة في المشتقات النفطية. ما ضاعف منها وتسبب في إنعاش السوق السوداء، التي تُتهم الجماعة بأنها تعمل على تعزيزها، لأنها تدر على خزائنها أموالاً كثيرة.

وحصلت "اندبندنت عربية" على وثيقة تثبت أن جماعة الحوثي كانت تحتجز شاحنات النفط، بهدف مفاقمة أزمة المشتقات النفطية وارتفاع أسعارها في السوق السوداء، في وقت احتكرت الجماعة وعبر أجهزة رديفة للمؤسسات الحكومية قرار تجارة الوقود، وهمشت دور وزارة النفط وشركة توزيع المنتجات النفطية.

مصدر مسؤول في وزارة النفط والمعادن أكد لـ "اندبندنت عربية" أن الوزارة لم تعد لها أي صلة أو صلاحية في عملية توزيع المشتقات النفطية أو الرقابة على المحطات في العاصمة صنعاء والمحافظات التابعة لسلطة صنعاء، خصوصاً بعد تعيين قيادات جديدة لشركة النفط وفروعها في المحافظات من دون التنسيق مع الوزارة أو التشاور، بالإضافة إلى العمل خارج قانون إنشاء الشركات واللائحة التنظيمية لشركة توزيع المنتجات النفطية.

ونوّه المصدر إلى أن رفع أسعار المشتقات النفطية من دون الرجوع إلى وزارة النفط وسحب صلاحياتها رافقهما إيقاف منشآت شركة النفط في الحديدة وإيقاف تحميل المقطورات واحتجازها في سلوك يدفع باتجاه حدوث أزمات في تأمين المشتقات النفطية.

تقرير

ورفعت هيئة مكافحة الفساد تقريراً إلى رئيس المجلس السياسي، وهي السلطة الأعلى في مناطق الحوثيين، تضمن ملاحظات عدة حول أداء شركة النفط. وأكد التقرير أن دور الشركة تم إضعافه بعد إغراقها في الديون والغرامات المالية الكبيرة، ناهيك بخصخصتها بشكل غير رسمي واستبدال دورها بتجار القطاع الخاص وإطلاق يدهم لتسعير المشتقات النفطية واحتكارها.

تقرير هيئة مكافحة الفساد الذي اطلعت "اندبندنت عربية" على محتواه، سجل مخالفات جسيمة تتعلق ببنود تكاليف مواد البنزين والديزل والكيروسين. إذ أظهر إضافة 100 ريال على كل جالون بنزين، إضافة إلى خمسة ريالات على كل لتر بنزين تحت اسم إنشاء المحطة الكهربائية وزيادة 75 فلساً على كل لتر تحت اسم رصيف نفطي بموجب قرار اللجنة الثورية الحوثية المتخذ في يوليو (تموز) 2015.

وذكر تقرير هيئة مكافحة الفساد أن العقود تجاوزت في فترة من الفترات سعر البورصة + 220 دولاراً للبرميل، والذي حدد بسعر البورصة + 75 دولاراً للحد من أي تلاعب وارتكاب جريمة فساد. غير أن اللجنة النفطية الحوثية تجاوزت كل الاعتبارات القانونية وضاعفت أسعار المشتقات النفطية. ما أسهم في ضخ أموال هائلة لا تذهب إلى خزينة الدولة ولا حتى إلى شركة النفط، إنما إلى مصلحة عدد من كبار التجار (موالين للجماعة).

ووفق التقرير فقد استخدمت هذه الأموال في الصرف لدى كل جهات الدولة، من رئيس المجلس السياسي الأعلى إلى المحافظين ووكلاء المحافظات والمشرفين والمشايخ.

إتاوات

وعلى الرغم من تظلّم تجار ومستوردي المشتقات النفطية من الإتاوات والجبايات المفروضة من قبل جماعة الحوثي، إلا أن الجماعة ورغبتها في تحصيل مزيد من الموارد كانت أكبر من إنصاف هؤلاء، الذين هددتهم الجماعة مع أسرهم بالتصفية والاعتقال أو توقيف أنشطتهم التجارية.

الزيادات المفروضة على تجار المشتقات النفطية كان يفترض دفعها إلى القيادي الحوثي أسامة الخطيب، الذي يشغل منصب مدير منشأة الحديدة التابعة لفرع شركة النفط اليمنية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إضافة إلى الزيادات في أسعار المشتقات النفطية والفرق بينها وبين السعر الرسمي المحدد من قبل اللجنة الحكومية، فإن الجماعة الحوثية تحصل على موارد كبيرة جداً من فوارق أسعار الصرف لتجار المشتقات النفطية بين السوق السوداء للصرافة وسعر البنك المركزي للدولار، التي بلغت خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 نحو 190 ملياراً و332 مليون ريال.( حوالي 759 مليون دولار ).

وقدّرت مصادر اقتصادية أن يفوق الفارق في أسعار الصرف للمشتقات النفطية 454 مليار ريال(حوالي 1ز8 مليار دولار )، على اعتبار أن الحد الأدنى لتغطية فاتورة الاستيراد من السلع الأساسية، إضافة إلى المشتقات النفطية، يصل إلى 365 مليون دولار شهرياً.

وأكدت المصادر أن المضاربة بسعر الصرف في السوق السوداء تعود إلى خزائن الحوثي بمليارات الريالات. وهذه العملية تتم تحت إشراف اللجنة النفطية المتفرعة من اللجنة الاقتصادية لجماعة الحوثيين، التي يتولى إدارتها عبد الكريم الحوثي.

سفينة صافر

وكانت جماعة الحوثي قد اقتحمت منشأة نفطية تابعة لشركة صافر في محافظة ريمة ونهبت محتوياتها وشفطت أنبوب تصدير النفط من صافر إلى ميناء رأس عيسى، ما يهدّد بتلف الأنبوب. كما أنها تمنع فرق الصيانة من الوصول إلى السفينة العائمة صافر وتعرقلها، التي تحمل على متنها أكثر من مليون برميل من النفط الخام.

وهدّد القيادي الحوثي ورئيس "اللجنة الثورية العليا" محمد علي الحوثي بتفريغ نحو مليون برميل نفط خام في مياه البحر الأحمر، في تغريدة عبر حسابه على "تويتر". وزعم أنَّ كمية النفط المخزنة في سفينة صافر بدأت بالتسرُّب. وقال إنَّ المسؤولية ستتحملها الحكومة والتحالف العربي لعدم سماحهما للميليشيات ببيع النفط المخزن وتحويله إلى جزء مما يسميه "المجهود الحربي" للميليشيات.

ويحمل هذا التهديد الحوثي مخاوف من كارثة بيئية مروّعة في البحر الأحمر ستكون لها تبعاتها على الأحياء البحرية لسنوات بسبب التلوث الذي سينجم عن ذلك.

معونات إيرانية

تحصل جماعة الحوثي على كميات من النفط الإيراني على شكل معونات لدعم الجماعة في حربها التي تخوضها منذ أكثر من أربع سنوات. وكشف تقريرٌ للجنة خبراء في الأمم المتحدة، أنَّ وقوداً تمّ تحميله في مرافئ إيران درّ عائدات سمحت للميليشيات الحوثية بتمويل جهود الحرب.

وقالت اللجنة الأممية المعنية بالعقوبات في تقريرها الأخير لعام 2018، إنّها كشفت عدداً قليلاً من الشركات داخل اليمن وخارجه تعمل كواجهة لهذه العمليات، مستخدمة وثائق مزورة تؤكد أن كميات الوقود هي تبرعات.

وأضافت اللجنة في تقريرها، الذي يقع في 85 صفحة وأرسل إلى مجلس الأمن الدولي، أن الوقود كان لحساب شخص مدرج على اللائحة، في إشارة إلى قائمة الأمم المتحدة للعقوبات، مشيرةً إلى أنّ عائدات بيع هذا الوقود استخدمت لتمويل الجهود الحربية للحوثيين.

وسعت إندبندنت عربية إلى الحصول على تعليق من الحوثيين فيما يتعلق بتعاملاتهم النفطية والاتهامات الواردة ضدهم لكنهم رفضوا الحديث. 

المزيد من اقتصاد