"الخُلّيف والقيس" يحولان الحرم المكي إلى مكان خاص بالنساء

عادة تاريخية تقسم المكيين إلى رجال يخدمون الحجاج ونساء يحرسن قلب مكة

خلقت أنشطة الحج الموسمية عادات ثقافية لا تزال تمارس إلى يومنا الحالي رغم اختلاف ظروفها (واس)

يعد موسم الحج موسماً استثنائياً بالنسبة للمسلمين في مختلف بقاع العالم الإسلامي، سواءً أدى مناسك الحج أو اكتفى بمتابعته، إلا أنه لا يمكن أن يمر عليهم مروراً عادياً لمكانته الروحانية في الشريعة الإسلامية، إلا أن الأمر مختلف تماماً بالنسبة لأهالي وسكان مكة، إذ تبلغ استثنائية الموسم بالنسبة لهم مبلغاً يضرب جذوره في أعماق تاريخ الممارسات الإنسانية والثقافية بالنسبة إليهم.

وخلقت أنشطة الحج الموسمية عادات ثقافية لا تزال تمارس إلى يومنا الحالي رغم اختلاف ظروفها، إذ تتسابق الأسر والبيوت المكية بمختلف أعمارهم في المجالات التي تخلقها قطاعات الحج من خلال خدمة الحجاج في السقاية والإطعام والطوافة وخدمة الحجاج، أو حتى الاستفادة التجارية من التجمع البشري في المشاعر المقدسة وما حولها من مناطق، الأمر الذي قسّم الأسر بين رجالٍ يرابطون في المشاعر ونساء ينزلن إلى الحرم المكي.

"الخُليف" يكسي الحرم المكي بالسواد

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في اللحظة التي يؤدي الرجل فضيلة خدمة الحجاج، تلعب المرأة دورها في حراسة هذه الفضيلة، حيث يفرغ قلب مكة من الرجال الذين يتوجهون لأطرافها لاستقبال الحجاج وخدمتهم في المشاعر المقدسة، في حين تتولى النساء مهمة مراقبة المتخلفين من الرجال عن الحج أو خدمة الحجاج ويوبخنهم أمام الناس لتخلفهم عن هذه الفضيلة التي يرى أهل مكة وجوبها على كل من جاور الحرم، ومنها اشتق مصطلح "الخُليف". إضافةُ إلى أدوار أخرى مرتبطة بحراسة المنطقة المركزية التي كانت تشكل النطاق الكامل للمدينة المقدسة سابقاً من محاولات السرقة التي قد تطال بعض أنحائها لغياب الرجال عنها.

وتحافظ نساء مكة على هذه العادة رغم اختلاف الدور الذي يلعبنه، ففي يوم عرفة تبقى الأحياء المتاخمة للحرم خالية تماماً من الحجيج بحكم وجودهم في المشاعر، في حين تنزل النساء إلى الحرم المكي للصيام فيه وتوزيع الإفطار على المصلين، فتحرص الكثير منهن على حضور طقوس تغيير كسوة الكعبة، في الوقت الذي تؤجل بعضهن النزول للحرم إلى ما قبل الإفطار، اللحظة التي يكتظ فيها الحرم المكي بالسواد لغالبية النساء اللواتي نزلن الحرم، في الوقت الذي خلى فيه البيت العتيق وبيوت مكة من الرجال الذي يؤدون دورهم التاريخي في المشاعر المقدسة.

"القيس" اسم آخر للعادة نفسها

تحمل عادة الخُليف اسماً آخر، إذ يطلق البعض عليه اسم "القيس" وهو اسم مأخوذ من أهزوجة شهيرة يرددنها النساء في حال وجدن رجلاً متخلفاً عن خدمة الحجاج على سبيل التوبيخ، وتقول كلماتها "يا قيسنا يا قيس، الناس حجت، وانتا هنا قاعد ليش؟ الليلة نفرة، قوم روّح لبيتك، قوم أخبز العيش"، فلا يسلم الرجل "الخُليف" من ألسنتهن، إذ لم يكن من المقبول أن يتخلف أحد من الرجال عن النزول للمشاعر إلا كبار السن العاجزين أو المرضى، وهذا يجعل من ليلة عرفة ليلة استثنائية بالنسبة للمكيين.

المزيد من العالم العربي