الشعر يقاوم حال التهميش في زمن العولمة... وملف عن الإبداع السوداني في "براءات"

عالم تتم هندسته افتراضيا... وأصوات شابة تعبر عن أزمة مجتمع

الشعر والعولمة في مجلة "براءات" (اندبندنت عربية)

ما هو مصير الشعر في عصر العولمة؟ كيف يمكن الإبداع الشعري أن يواجه التحديات الكثيرة التي كرسها هذا العصر الذي احتلت فيه الثقافة الافتراضية والمعلوماتية معظم حقول المعرفة؟ هل استطاع الشعر حقاً أن يتآخى مع معطيات الثقافة الما بعد حداثية؟ هذه الأسئلة يحاول العدد الجديد من مجلة "براءات" الصادرة عن دار المتوسط في إيطاليا في طبعتين واحدة عربية وأخرى تصدر في فلسطين أن يجيب عنها. وقد خصت المجلة هذه القضية بملف رئيس عنوانه "الشعر والعولمة"، شارك فيه شعراء ونقاد عرب إضافة إلى ترجمات عدة تدور في هذا الميدان. في افتتاحيته للعدد الثاني، يكتب رئيس تحرير المجلة أحمد عبد الحسين تحت عنوان "شعر وعولمة - السّمُّ في قلب الكلمة"، ومما يقول: "أكثر من أيّ وقت مضى، يقف العالم اليوم بكامل عدته ضد الشعر، ضد كل كلام جوهري عميق. ليس للشعر ثمن، كانت هذه الجملة أنفس مقتنيات الشعر الدالة على غرابته وفرادته، لكنها الآن تكاد تعني أن لا قيمة للشعر". ليصل إلى التساؤل التالي: أَلزامٌ على الشعر أن يدفع ثمن وجوده في هذا العصر المعولم؟ أم عليه الأخذ بنصيحة دولوز "إن لم ترد أن تسلَّع، فكن صاعقة، الصاعقة لا تسلَّع".

في الملف، يكتب صبحي حديدي عن مدى ما بلغته الشعْرية العربية المعاصرة في ميدان استغلال أيقونة العولمة الكبرى، أي الشاشة الرقميّة وما تفرزه في سيرورات القراءة من مستويات إدراك وتفاعل وتنشيط حواسي، وكيف لهذه الصلة أن تتخذ تعبيرات مضامينية، سياسية وإيديولوجية وثقافية، وليست شكلية وطباعية فقط؛ لعل في طليعتها استكشاف العلاقة مع الآخر.

أما رائد وحش، الذي رسم لوحة الغلاف ولوحات العدد، فيكتب عن عودتنا إلى الكهف، في محاولة للمقارنة، ومقاربة أمثولة الكهف، بأسئلة من قبيل: هل منطق الإنسان "الأول" في رسم الحيوانات، ولاحقاً الرموز، في أعماق الكهوف، هو ذاته منطق الإنسان "الأخير" في وضع الوجوه الملونة الصفراء والملصقات على السوشيال ميديا؟
في حين يكتب لونيس بن علي عن الشعر في زمن عولمة الحروب، مستشهداً بأمثلة شعرية عن الفلسطينيّ الذي يُقتل مرتين في الوطن المحتل، في الوطن المسلوب الحرية، والمنفى ومناطق اللجوء، وما بينهما من احتمالات الحياة والموت والكتابة. وعن حضور مدينة نيويورك في الشعر العالمي والعربي قبل العولمة وما بعدها، وخصوصاً في ديوان "شاعر في نيويورك" يكتب عبده وازن مستعيداً ما كان يردده لوركا عن تجربة نيويورك التي اعتبرها من"'أكثر التجارب فائدة" في حياته.
ويترجم سعيد بن الهاني مقالة بحثية لـبول لويس بوير حول الشعر الفرنسي والعولمة يستهلها: "الشعر وبالأحرى الكتابة الشعرية هي واحدة من السبل المؤدية للروحانية. ومن ثم، فإنها يجب وعليها أن تكون، متاحة للجميع".
ويغلق هذا الباب من المجلة، محمد ناصر الدين بمقالة يترك فيها أبواباً أخرى مواربة للتساؤل عن واقع مؤلم حيث "تتم هندسة العالم اليوم أو "عولمته" كي لا يسمع الشعر، وليتم تحويله إلى حيادية لطيفة، ولكن، جبانة، أو إلى تشويش لا يضر ولا ينفع، أو إلى هامشية، لا يمكنها أن تنقذ الحياة من قبحها". وفي السياق نفسه تعقد الشاعرة وسكرتيرة التحرير مناهل السهوي ندوة بين خمسة شعراء وشاعرات من سورية، ليتحدثوا عن الشعر والعولمة.
تفرد المجلة في باب "يهيمون" المخصص عادة لنشر النصوص الشعرية العربية؛ مساحة لملف الكتابة الجديدة في السودان، فيفتتح حسام هلالي الملف الذي أعده في هذا الباب، بالاعتراف بأن العمل على جمع أنطولوجيا أو ملف لشعراء يضمهم وعاء ثقافي أو جغرافي معين هو مهمة محفوفة بالكثير من التحديات والمخاطر. ويضيف: "على ما نحمله فوق هواجسنا من واجب الانتصار على الألم بالكلمة، أو حتى مجرد الاعتراف بالهزيمة أمامه - بها أيضاً - ينفرد هنا "نفّاج" من الضوء يحفر في الأسوار المحيطة براهن الإنسان السوداني. وفي الملف مادة توثيقية لـ محفوظ بشرى، يضعنا من خلالها في قلب راهن الكتابة الجديدة في السودان، كأن يقول: "إنني أتحدث هنا عن شعراء، تتراوح أعمارهم اليوم بين الثلاثين والأربعين في أغلبهم، هم كثيرون حقاً ويصعب إحصاؤهم، يتباينون تباين مذاقات الماء، لكنني أحاول اقتفاء التيار الرئيس، الأول، الذي فتح المجرى على اتساعه سريعاً، فسرت وتسري فيه الكتابة المعنية حتى اليوم".
وفي باب "في كل واد" يكتب أنطوان جوكي مادة عن مينا لوي وتأثيرها الشعري في عدد كبير من شعراء عصرها الرواد: وهي التي حافظت طوال حياتها على تلك الوضعية التي يتلازم فيها الشعر والكينونة، ويتطابقان، وكتبت قصائد عثرت عبقرية اللغة فيها، منذ البداية، على صوتها، وتمكنت بالنظرة الباردة والساخرة التي ألقتها على عالمنا من تفجير قناعاتنا السطحية، وتمزيق أوهامنا، ومواجهتنا بأعمق مخاوفنا، قبل أن تختار العزلة خلال العقود الثلاثة الأخيرة من حياتها.
وتكتب وفاء شعراني عن التجربة الشعرية للشاعر اللبناني الشاب الراحل أخيراً غسان علم الدين، مؤكدة أنَّ "الجوهري في حداثة غسان علم الدين؛ هو الغرابة السحرية أو سحر الغرابة في مواجهة القلق والتوهان؛ والضغط على موقع الإنسان في نظام علاقته بالزمن والتاريخ".
وفي باب أخير يسمى (ختم) يقتفي الشاعر اللبناني عيسى مخلوف أثر القصيدة، ومنها يظهر أن بعض المجالات الإبداعية التي كانت أساسية في الثقافة الإنسانية عبر العصور، وفي مقدمها الشعر والفلسفة، قد أصبحت في موقع الهامش، لأنها غير قابلة للتسليع، ولا يمكن إخضاعها لمنطق العرض والطلب.

المزيد من ثقافة