لبنان يدخل الأضحى بعيد المصارحة المالية والسياسية

توّج الرؤساء الثلاثة يوماً طويلاً بمصالحة بين وليد جنبلاط وطلال إرسلان

الرئيس اللبناني ميشال عون (في الوسط) مستضيفاً لقاء "المصارحة والمصالحة" بين وليد جنبلاط (إلى اليمين) وطلال إرسلان (إلى اليسار) بحضور كل من رئيسي مجلس النواب نبيه بري (يمين عون) ومجلس الوزراء سعد الحريري (يسار عون) في القصر الجمهوري (دالاتي ونهرا)

وفي ربع الساعة الأخير، تسارعت الأجواء الإيجابية في لبنان وأفضت إلى لقاء "مصارحة فمصالحة" بين الزعيم الدرزي وليد جنبلاط ورئيس الحزب الديمقراطي الأمير طلال إرسلان في القصر الجمهوري، الجمعة، بعد "واقعة الجبل" التي وترت الأجواء السياسية وعطّلت انعقاد الحكومة لأكثر من شهر. اللقاء الذي استضافه رئيس الجمهورية ميشال عون، في قصر بعبدا، ضمّ أيضاً رئيسي مجلس النواب نبيه بري والحكومة سعد الحريري، وأدّى إلى سلوك ملف "قبرشمون" طريق القضاء العسكري وعودة انعقاد مجلس الوزراء.

وكالة "المركزية" اللبنانية نقلت عن مصادر سياسية مراقبة أن أهل الحكم كلهم شعروا بـ"السخن" جراء تحذيرات دولية اتسمت بجدّية غير مسبوقة، وصلتهم كثيفة في الأيام والساعات الماضية، من عواصم القرار كلّها، من أوروبا وأميركا، ونبّهتهم إلى أن استمرار الكباش السياسي، وشلل مجلس الوزراء معطوفاً على محاولات جرّ لبنان إلى محور من محاور الصراع الإقليمي عبر "تطويق" جهات سياسية معينة في البلاد، ستدفع ببلدانهم إلى قرارات "كبرى" تقودهم إلى "التخلي" عن مساعدة لبنان ودعم مؤسساته و"إجهاض" مؤتمر "سيدر" ومقرراته.

الحريري يستقبل السفيرة الأميركية

هذه اللقاءات جاءت بعد مشاورات قادها المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم. اليوم اللبناني كان بدأ صباحاً باجتماع في منزل الرئيس الحريري، المعروف بـ"بيت الوسط"، ضمّ وزير المال علي حسن خليل وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، نوقشت فيه المستجدات الاقتصادية تمهيداً للاجتماع الموسّع الذي عُقد لاحقاً في القصر الرئاسي.

واستقبل الحريري كذلك، في السراي الحكومي، سفيرة الولايات المتحدة في لبنان أليزابيث ريتشارد، وعرض معها آخر المستجدات والعلاقات الثنائية بين البلدين. وجاء هذا اللقاء بعد يومين على بيان السفارة الأميركية التحذيري، يوم الأربعاء، الذي نبّه من "أي محاولة لاستغلال" حادثة قبرشمون "بهدف تعزيز أهداف سياسية".  

الوضع المالي "توب"

في بعبدا، انطلق بعد الظهر الاجتماع الاقتصادي- المالي بحضور عون وبري والحريري، إضافة إلى وزراء المال علي حسن خليل وشؤون رئاسة الجمهورية سليم جريصاتي والاقتصاد منصور بطيش، ورئيس لجنة المال والموازنة النائب إبراهيم كنعان، وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، ورئيس جمعية المصارف سليم صفير والمدير العام لرئاسة الجمهورية أنطوان شقير.

وعند انتهاء الاجتماع، غادر بعبدا كل من لا علاقة له بلقاء "المصالحة". وأثناء خروجه من القصر الرئاسي، أبدى حاكم مصرف لبنان ارتياحه للوضع المالي، قائلاً في إجابة على سؤال في هذا الشأن إن الوضع "توب (top)".

دخلا متخاصمين وخرجا متصالحين

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لقاء "المصارحة والمصالحة"، دخل قاعته جنبلاط وإرسلان كل من غرفة، بعدما كان الأخير قال، في وقت سابق من يوم الجمعة في تغريدة، إن "ما يحكى عن لقاء في بعبدا هو لقاء مصارحة ورسم خريطة طريق وليس مصالحة حتى الساعة، ويرتكز على الأمن والقضاء والعدالة. من الممكن أن يتحوّل لقاء المصارحة إلى مصالحة إذا تمّ الأخذ بالمبادرات المطروحة سابقاً".

غير أنه عند انتهاء الاجتماع، تصاعد الدخان الأبيض من بعبدا، حين أعلن الحريري إتمام المصالحة، بعدما أعلن، أثناء تلاوته بيان الاجتماع المالي، عن "الاتفاق على جملة من الخطوات الأساسية التي سنعمل على تطبيقها في المرحلة المقبلة وتسهم في تفعيل الاقتصاد وتعزيز وضع المالية العامة، ومنها إقرار موازنة عام 2020 في مواعيدها الدستورية والتطبيق الدقيق لموازنة 2019". وأضاف الحريري أن المجتمعين شدّدوا على "ضرورة الالتزام بالتطبيق الكامل لخطة الكهرباء وإقرار جملة من القوانين الإصلاحية"، وعبّروا "عن ارتياحهم لجهة تنقية الأجواء السياسية والمصارحة والمصالحة".

قضاء عسكري من ثم قرار حكومي

أمّا بيان المصالحة، فجاء فيه على لسان الحريري "عقد اجتماع مصارحة ومصالحة في قصر بعبدا، واستنكر المجتمعون الحادثة المؤسفة التي وقعت وسقط نتيجتها ضحيتان وعدد من الجرحى، والتي باتت في عهدة القضاء العسكري الذي يتولّى التحقيق في ملابساتها".

وأوضح الحريري أن مجلس الوزراء سيعود ويتخّذ القرار المناسب بشأن هذه القضية، "استناداً إلى القوانين وفي ضوء نتائج التحقيقات"، داعياً في ختام مؤتمره الصحافي إلى عقد جلسة لمجلس الوزراء السبت، 10 أغسطس (آب)، عند الحادية عشرة قبل الظهر في قصر بعبدا، بعدما عطّل ملف قبرشمون اجتماعات الحكومة لأكثر من شهر. وختم الحريري كلامه قائلاً "من الآن وصاعداً، نفتح صفحة جديدة فيها كل الخير لمصلحة المواطن".

وبعد أسابيع من الكباش السياسي والأمني المستفحل في لبنان، خرج إرسلان من لقاء "المصارحة والمصالحة" مبتسماً من دون الإجابة على أسئلة الصحافيين، بعدما تخلّى عن إصراره على إحالة حادثة قبرشمون إلى المجلس العدلي، بينما اكتفى جنبلاط بالإيماء برأسه إيجاباً رداً على سؤال حول إذا ما كان المخرج مرضياً، بعدما تراجع عن رفضه السير بالقضاء العسكري. أمّا رئيس مجلس النواب، أحد حائكي هذا المخرج، فعلّق قائلاً "ما تمّ إنجاز".

ارتفاع السندات الدولارية اللبنانية

هذه التحرّكات المفاجئة انعكست سريعاً وإيجاباً على الوضع الاقتصادي، إذ بمجرّد الحديث عن اجتماعي بعبدا، ارتفعت السندات الدولارية اللبنانية، إصدار 2030، إلى أعلى مستوى لها في أسبوع. غير أن محطة الـ"أم تي في" اللبنانية أشارت إلى أن أكثر من محاولة جرت مع وكالة "ستاندرد آند بورز" لفرملة إعادة تصنيف لبنان إلى الوراء، لكن المساعي فشلت والتصنيف سيكون سلبياً. وبناءً عليه، جاء الاجتماع الاقتصادي- المالي الذي اتفق خلاله المجتمعون على اتخاذ قرارات إيجابية من شأنها تحسين الوضعين المالي والاقتصادي وتعزيز الثقة بالاقتصاد اللبناني، لا سيّما لجهة موازنتي 2019 و2020. وفي هذا السياق، قال وزير المالية علي حسن خليل، من بعبدا، "ألا استقرار اقتصادياً من دون استقرار سياسي. الاجتماعان مترابطان، ولاحظنا ارتفاع السندات الدولية قبيل الاجتماع".

وعلى هامش هذين اللقاءين، سجّل نائب رئيس الحكومة الوزير غسان حاصباني، المنتمي إلى حزب القوات اللبنانية، اعتراضاً على استبعاده عن الاجتماع المالي. وقال في بيان "في الحقيقة لم أجد مبرراً لاستبعاد نائب رئيس مجلس الوزراء عن اجتماع من هذا النوع، خصوصاً أن لنا ولمن نمثل مقاربات واضحة بما يخدم الحكومة والمصلحة العليا للبنان. ولا حاجة للتذكير بالدور الذي قمنا ونقوم به في هذا المجال، من وضعنا طروحات للخروج من الأزمة إلى السعي مع دول صديقة لتعزيز الودائع في مصرف لبنان والتي قد تتبلور قريباً".

المزيد من العالم العربي