Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أضاحي دون طقوس... لمن استطاع إلى "الوجاهة" سبيلا

رياح التغيير ضربت سوق التضحية الموسمي... تارة تحت راية التطوير وأخرى بسبب تصاعد نسبة الجيوب الفارغة... وثالثة بحكم الجمعيات الخيرية المتنافسة

أطفال يلعبون مع الخراف في إحدى ساحات بيع الأضحية بالقاهرة (حسام علي. إندبندنت عربية)

يقول العنوان الرئيس المستنسخ بالبنط العريض "هدية الحكومة للمواطنين في العيد: لحوم الأضاحي بأسعار عشرة في المئة أقل من عام 2018". وتستهل فقرات مراجعات الصحف المتطابقة أخبارها بـ"بشرى حكومية سارة للمصريين: لحوم العيد متوّفرة في المنافذ بأسعار في متناول الجميع". أما نشرات الأخبار، فتبرز أخبارها عن اللحوم وتوفرها في ربوع المحروسة، فيما يركض الشريط الخبري أسفل الشاشات حاملاً أسعار الخراف الحيّة البلدية والمستوردة. أما الفقرات التحليلية الخبرية، فمنها ما يدور حول جهود الدولة لتوفير اللحوم، أو مجهود الجمعيات لتوزيع الصكوك، أو نصائح للأفراد الراغبين في الذبح والممسكين بتلابيب التوزيع على باب العِمارة أو في عرض الشارع.

أما الشوارع فعامرة بخراف، لكن دون "مأمأة" تُذكر، مع قليل من الخوار صادر عن أبقار لمن استطاع إلى شرائها سبيلاً، وبعض من الثغاء حيث يتم عرض "الماعز". رياح التغيير التي هبّت على مصر لم تستثنِ الأضاحي أو تعفِ المضحين أو تغضّ الطرف عن المستحقين. التغيير ضرب الجميع، ليس في مقتل بالضرورة، ولكن في تغيير وتعديل، تارة تحت راية التطوير، وأخرى بسبب تصاعد نسبة الجيوب الفارغة، وثالثة بحكم الجمعيات الخيرية المتنافسة.

دون وجع دماغ

التنافس وصل درجة محتدمة هذه الآونة. الممر الواسع في أحد النوادي الرياضية الشهيرة لم يعد كذلك، بل تحوّل إلى ما يشبه السوق الشعبية، حيث "أكشاك" تتنافس على جذب الأعضاء. جمعيات عريقة، وأخرى تحمل عبقا شبه رسمي، وثالثة لم يسمع عنها أحد، تقدّم خدمة التضحية "دون دماء ووجع دماغ". "أحمد" المسؤول عن أحد هذه الأكشاك يقول بنبرة أقرب ما تكون إلى الروبوت "فرحتك ضعفها خير. سعر الصكّ 3300 جنيه فقط لا غير (نحو 200 دولار). ضحِّ بـ27 كيلو غرام لحم بلدي صافٍ، واضمن وصولها لعائلات كثيرة في محافظات مصر المختلفة. ومن حقك أيضاً 9 كيلوغرامات لحم صافٍ". جمل يرددها مئات المرات على مدار اليوم. ينجح حيناً في تحرير الأوارق المطلوبة للصكّ ويخفق حيناً، حيث المنافسة محتدمة.

الاحتدام يظهر واضحاً جلياً في مطاردة الزبائن من المضحين. كشك مجاور يقدم خدمة "كاجوال"، حيث توفيق رأسين أو ثلاثة من المضحين في "عِجْل" واحد. "مروة" المسؤولة عن بيع الصكوك في كشك مجاور لصالح إحدى الجميعات الخيرية المعروفة تروّج لصكوكها للأعضاء والعضوات من المتقاعدين والمتقاعدات، وهي الفئة الأكثر حضورا في النادي أثناء النهار، لتقديم خدمة اقتسام الصك بين أكثر من شخص. تقول "كثيرون يودون التضحية، لكن مبلغ 3500 جنيه مصري (نحو 211 دولار) للصك ليس في متناول البعض. لذا أعرض على كل اثنين أو ثلاثة وربما أربعة أشخاص التشارك في الصك. أما فترة المساء، فيكون الإقبال من الأعضاء الأصغر سناً، والذين ما زالوا في سن العمل، ونسبة كبيرة منهم ذات مستوى مادي مرتفع حتى أن البعض يشتري أكثر من صك".

صكوك تشاركية

لكن صكوك النوادي الرياضية الشهيرة ليست مقياساً لما يجري خارج بواباتها. صرعة الصكوك انتشرت في مصر انتشار النار في الهشيم خلال سنوات قليلة، وما زالت تتصاعد وتتوغل. من وجهة نظر اقتصادية، يقول المحلل الاقتصادي، محمد ماهر، إن "الصكوك جاءت بمثابة طوق نجاة لفئتين رئيستين: الأولى هي الراغبون في التضحية لكن موجات الغلاء المتلاحقة وإجراءات الإصلاح الاقتصادي التي أفقرت كثيرين حالت دون التعاقد على خروف، كما كان العرف بين كثيرين حتى سنوات قليلة مضت. هذه الفئة التي هبطت في اتجاه قاعدة الهرم الاقتصادي، لكن لم ترتطم بعد بالقاع. لذا تيسر لها الصكوك إمكانية الاقتسام مع آخرين. والثانية هي توفير إمكانية التضحية دون الطقوس المرتبطة بها والتي تزعج البعض مثل الذبح في محيط البيت والتعامل مع الدماء، أو لا يجد البعض الآخر الوقت الكافي أو لا يملك الخبرة المطلوبة لتقسيم وتوزيع اللحوم.

التوزيع العادل للحوم في مصر أمر بعيد المنال، وذلك لأسباب عدة تتراوح بين المكانة الاجتماعية الرفيعة التي تحظى بها البروتينات الحيوانية لدى الفئات المجتمعية المتواضعة، والأسعار المرتفعة جداً لها، إذ تتراوح أسعار اللحوم البلدية غير المستوردة بين 150 و230 جنيها مصريا بحسب النوع (نحو 9- 14 دولارا). لذلك فإن هيمنة طبق من اللحوم على مائدة عيد الأضحى تعد من الأولويات المحببة لملايين المصريين ممن تتعذر وصول اللحوم إلى موائدهم بقية العام.

مشروع صكوك الأضاحي ابتكرته الحكومة المصرية ضمن مبادرة "حياة كريمة"، التي أطلقها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وتنفذه وزارة الأوقاف بالتعاون مع عدد من الوزارات. وتصفه الوزارة بأنه "نموذج للتطبيق الواعي لوصول الخير إلى مستحقيه، بالإضافة لكونه يرفع جانباً من العبء الاقتصادي الكبير الملقى على عاتق الكثيرين". وأعلنت وزارة الأوقاف أن إجمالي ما تم بيعه من صكوك تابعة لها بلغ نحو 28 مليون جنيه مصري (نحو 1.7 مليون دولار) حتى أول أغسطس (آب) الحالي.

اللعب مع "البهائم"

حرارة أغسطس القاسية ورطوبته الخانقة لم تقفا عائقاً دون توجّه الصغار للعب مع "البهائم" التي تصل تباعاً إلى أحد محلات الجزارة في شارع جانبي في حي العجوزة في الجيزة. اعتاد صاحب المحل، الحاج أحمد حسين، أن يستضيف "بهائمه" قبل عيد الأضحى كل عام في قطعة أرض خاوية أمام محله، انتظاراً لبيعها. وبينما الصبية العاملون في المحل ينهرون الصغار عن مضايقة البهائم والخراف المنتظرة قدرها، يمر المارة من أمام "الشادر" مرور الكرام ما يثير حزن الحاج أحمد. على وقع أنفاس شيشته المرصوصة يلتقط نفساً بين النفس والآخر، ويقول "الغلاء منع الناس من التضحية. هل يرضي ربنا ذلك؟ حرام". لكن الأسعار المبالغ فيها للحوم الحية لا تندرج في عرف الحاج أحمد تحت بند "الحُرمانية"، بل هي حلال حلال.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقد حلّت في منطقة "ميدان الجامع" التجارية الشعبية في حي مصر الجديدة عشرات من شوادر الخراف والبهائم في الأسبوعين السابقين لعيد الأضحى المبارك. وقد بدت علامات الراحة النفسية والسكينة على وجوه الخراف والماعز والأبقار والجاموس والجمال التي ملأت المكان روثاً رغم أنف التعليمات. وكانت تعليمات "صارمة" قد صدرت من محافظ القاهرة، اللواء خالد عبد العال، قبل أيام لرؤساء الأحياء بعدم نصب الشوادر في الميادين العامة والشوارع الرئيسة، على أن يسمح بها في الأماكن المتطرفة والشوارع الداخلية شرط الحصول عى ترخيص من الحي، مع تحرير المحاضر البيئية اللازمة للمخالفين.

لكن المخالفين آمنون مطمئنون لا خوف عليهم إلا من قلة حركة البيع والشراء، ومنافسة الصكوك التي باتت تحمل شعار "ضحي من غير ما تضحي". ويبدو أن الحالة الاقتصادية وتطوّر مفهوم الأضحية لم يؤثرا  فقط على نوعيات الأضاحي وتحول الدفّة نحو الصكوك، لكن أثّرت كذلك على متلقي الأضحية أيضاً. أحد النادلين الذين يحظون بشعبية ومحبة بين الأعضاء في نادٍ رياضي شهير عبّر عن رغبته وزملائه وزميلاته في تلقي أموال بدلاً من لحوم الأضاحي لمن يودّ التضحية.

وبعيداً عن الرأي الشرعي في ذلك وعدم جواز إحلال التضحية بالمال، فإن ذلك يعكس تغيرات اقتصادية واجتماعية تحدث في المجتمع المصري. همس النادل للعضو قائلاً "سيادتك ستعطيني لحماً نأكله أول يوم العيد، ثم نمضي بقية العيد على فيض الكريم. لو لديّ الاختيار أفضّل قدراً من المال أكمل عليه من راتبي وأشتري احتياجات للبيت والأولاد مع عمل طبق فتة كبير أغلبه أرز وقطعتان أو ثلاثة لحم من اللحوم المستوردة المدعمة التي توفّرها الحكومة في سيارات تجوب الميادين وذلك على سبيل التمويه".