خطوات أميركية استباقية قبل أي مفاوضات محتملة مع إيران

لم يتخل وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو عن الشروط الـ12 التي سبق له أن وضعها أمام القيادة الإيرانية من أجل البدء بعملية تفاوضية جديدة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير خارجيته مايك بومبيو في البيت الأبيض (أ.ف.ب)

ماذا يعني قرار وزارة الخزانة الأميركية تغيير تعريف لائحة العقوبات المالية ضد إيران، بأن تعمد إلى إدراج جزء من العقوبات المفروضة ضد النظام الإيراني تحت عنوان "نقض حقوق الإنسان".

ففي البيان الصادر عن الوزارة، الذي نشر على موقعها الإلكتروني، كشفت أن إدارة الرقابة على الأملاك الأجنبية في الوزارة (OFAC) قامت بتغيير تسمية لائحة "عقوبات ضد نقض حقوق الإنسان الإيرانية" إلى لائحة "قسم إيران ونقض حقوق الإنسان"، وأنها قامت بإدراج شراء معادن النحاس والفولاذ والحديد والألمنيوم من وإلى إيران على هذه اللائحة.

من المعروف أن الولايات المتحدة الأميركية سبق لها في 8 مايو (أيار) 2019 أن أدرجت هذه المعادن على لائحة المواد التي يمنع بيعها إلى إيران بذريعة استخدامها من قبل طهران في تطوير البرنامج الصاروخي وذلك في إطار سياسة تشديد العقوبات، التي أعلنها البيت الأبيض لإجبار إيران على العودة إلى طاولة المفاوضات والتوصل إلى اتفاق جديد حول برنامجيها النووي والصاروخي والنفوذ الإقليمي. بالتالي، فإن هذه المواد وبناء على القرار التنفيذي الصادر عن وزارة الخزانة الأميركية رقم 13871 باتت مدرجة تحت بند "نقض حقوق الإنسان". وأن هذا القرار دخل حيز التنفيذ والتطبيق منذ 7 أغسطس (آب) 2019.

آلية العقوبات

وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في مقالته التي نشرها في صحيفة "يو أس تودي USToday" في 7 أغسطس، بالتزامن مع دخول قرار الخزانة الأميركية حيز التنفيذ، لم يتخل عن الشروط الـ12 التي سبق له أن وضعها أمام القيادة الإيرانية من أجل البدء بعملية تفاوضية جديدة، بل حاول تلخيصها في ثلاثة مواضيع أساسية، هي السلاح النووي وتطوير وإنتاج الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي. لكن اللافت في مواقف بومبيو الجديدة هو التركيز على موضوع قد يمهد الطريق أمام إبقاء شبح العقوبات قائماً فوق النظام في طهران، ويتعلق بالمواطنين الأميركيين المعتقلين لدى الأجهزة الإيرانية بذرائع تدور حول اتهامهم بالتعاون مع الاستخبارات الأميركية للنيل من النظام.

إعادة توصيف آلية العقوبات الأميركية من قبل وزارة الخزانة، وكلام بومبيو حول التعامل الإيراني مع المواطنين الأميركيين واعتقالهم، يدفعان إلى الاعتقاد بأن المرحلة المقبلة قد تشهد انفراجاً جزئياً في الأزمة المتصاعدة بين واشنطن وطهران، وأن الجهود الفرنسية التي يبذلها الرئيس إيمانويل ماكرون مع نظيره الإيراني حسن روحاني وحجم الاتصالات الهاتفية التي تجري بينهما، التي وصلت إلى خمس مرات خلال الأسابيع الماضية، تكشف عن إمكان أن تشكل مخرجاً يسمح لطرفي الأزمة بالعودة للجلوس إلى طاولة المفاوضات، من خلال الوعود التي قدمها ماكرون لروحاني بضخ ما قيمته 15 مليار دولار في آلية التعامل المالي مع إيران "اينستكس" مقابل أن تقوم طهران بتجميد خطوات تقليص التزاماتها بالاتفاق النووي، وأن تعمد واشنطن للتخفيف من القيود التي وضعتها على الدول الأخرى في تعاملها التجاري والاقتصادي مع إيران بما يسمح لها بالعودة إلى بيع جزء من نفطها والحصول على عائداته.

مفاوضات غير مباشرة

من المحتمل في حال تم التوافق على هذه الآلية بين ماكرون وروحاني، أن تمهد الطريق إلى فتح الطريق أمام مفاوضات بين واشنطن وطهران في إطار مجموعة 5+1 أو بشكل مباشر يتخلى فيها الطرفان عن بعض مواقفهما المتشددة، خصوصاً الشرط الإيراني بإلغاء جميع العقوبات الأميركية مقابل التفاوض.

ويبدو أن الجهود الفرنسية تترافق مع إمكان عودة رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي لاستئناف دور الوساطة بين واشنطن وطهران، وذلك بانتظار اللقاء الذي سيجمعه مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب على هامش قمة مجموعة الدول السبعة G7، الذي ستستضيفه فرنسا هذا الشهر. وهناك معلومات عن مساعٍ تبذل لعقد لقاء جديد بين الوزير الياباني والرئيس الإيراني في سبتمبر (أيلول) المقبل على هامش الجمعية العمومية للأمم المتحدة. وهو ما يرجح الموقف المتريث الذي اتخذته طوكيو من الدعوة الأميركية عبر وزير الدفاع مارك إسبر للانضمام إلى التحالف البحري الدولي لتأمين سلامة إمدادات النفط والتجارة في مضيق هرمز على الرغم من أن اليابان تعتبر من الدول المعنية بتوفير هذا الأمن لجهة أن غالبية النفط الذي تحتاجه يأتي من منطقة الخليج.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي ظل الإجراء الأميركي بفرض عقوبات على رأس الدبلوماسية الإيرانية محمد جواد ظريف، الجهة المفترضة في أي مفاوضات قد تجرى بين الطرفين، يبدو أن البيت الأبيض يدفع باتجاه أن تكون المفاوضات هذه المرة بين الرئيسين مباشرة، أي بين ترمب وروحاني، لاعتبارات معقدة ومتعددة لعل أبرزها رغبة ترمب في تسجيل هذا الإنجاز باسمه، إضافة إلى الاعتقاد بأن هذا الأمر سيعطي أي تفاهم أو اتفاق طابع الديمومة والاستمرار، لأنه لن يكون مقتصراً على البعد النووي، بل سيؤسس لحل جميع المسائل العالقة بين إيران والمجتمع الدولي، خصوصاً الولايات المتحدة، في ما يتعلق بالبرنامج الصاروخي والنفوذ الإقليمي وأمن المنطقة واستقرارها.

من هنا تأتي الخطوة الأميركية بتغيير توصيف العقوبات الأميركية ضد إيران إلى عقوبات بسبب نقض حقوق الإنسان كخطوة استباقية لأي مفاوضات محتملة. ما يسمح لواشنطن بهامش مناورة واسع في حال اضطرت إلى التراجع عن بعض العقوبات، خصوصاً أن العقوبات المستهدفة في الاتفاق النووي التي تم الاتفاق على إلغائها هي العقوبات التي فرضت بسبب البرنامج النووي ولا علاقة للعقوبات الأخرى التي فرضت بسبب الإرهاب وحقوق الإنسان بما تم التوافق حوله. عليه، فإن واشنطن في حال وافقت على الجلوس إلى طاولة المفاوضات والتخلي عن العقوبات تكون قد أعطت إيران بيد وأخذت منها باليد الأخرى، أي أنها تكون قد هربت العقوبات إلى سياق إنساني بحاجة إلى آلية أخرى وعملية تفاوض جديدة تحاول طهران استبعاد كأسها على مدى السنوات الماضية. كما أن إلغاءها يجب أن يمر في واشنطن عبر آلية معقدة يملك الكونغرس فيها الرأي النهائي والأخير.

المزيد من تحلیل