سياسة واشنطن المشوشة في الخليج تضمن مناعة إيران من العقاب

فشل في منع طهران من انتهاك العقوبات واختطافها لناقلات النفط

الرئيس الأميركي دونالد ترمب وإلى جانبه من اليمين وزير الخارجية مايك بومبيو وعلى يساره وزير الدفاع مارك إسبر في اجتماع للإدارة الأميركية (غيتي)

الإعلان الذي نشرته صحيفة نيويورك تايمز، في عددها الصادر يوم 2 أغسطس (آب) 2019،  عن قيام إيران باختطاف آخر لناقلة نفط، زعمت أنها كانت تهرّب النفط، يؤكد عجز الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط. فهذا الخبر يضعنا وجها لوجه أمام هذه الحقيقة، في الوقت الذي تستمر الصين وعدد من البلدان الأخرى بما فيها تركيا في شراء النفط من الناقلات الإيرانية تحديا للعقوبات الأميركية.  

وتأتي هذه المستجدات وسط تقارير مثل تلك التي نشرتها وكالة رويترز يوم 5 أغسطس 2019 من أنه في الوقت الذي ستشارك المملكة المتحدة في قوة عمل بحرية دولية لحماية ناقلات النفط في الخليج، ذكرت محطة "دويتشه فيله" الألمانية يوم 31 يوليو (تموز) 2019،  أن ألمانيا التي لها مصلحة أقل في الخليج لأنها تشتري النفط بوسائل أخرى، لن تقوم بذلك، وتشاركها في هذا الموقف الرافض للمشاركة في قوة العمل البحرية في الخليج اليابان، حسبما أشارت إليه نشرة "مارين لينك"  الأميركية المعنية بأخبار النقل البحري، فألمانيا التي تشهد تنامي أحزاب أقصى اليمين الشعبوية الانعزالية، سيؤدي تدخلها في مضيق هرمز ربما إلى طريق مغلق، وهذا بسبب مخاوفها من الانجرار إلى حرب طويلة الأمد مع إيران، وجاء الرد الحاد ضد الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون الذي كتبه الصحافي كريستيان أف تريبه في عموده المنشور على موقع محطة دويتشه فيله يوم 31 يوليو 2019 موضحا للموقف الألماني هذا.

ونتيجة لذلك، يبدو، وبشكل متزايد، أنه على الرغم من أن تحالف الولايات المتحدة مع دول غربية أخرى في حالة تفتت، وعلى أقل تقدير في حالة ضعف متزايد، كما ذكر ليونيد برشيدسكي على موقع بلومبرغ المعني بأخبار الأعمال (البِزنِس) يوم 31 يوليو الماضي، فإن البلبلة الناجمة عن الاتصالات التي جرت مؤخرا حول دعوة السيناتور راند بول لوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف للقدوم إلى البيت الأبيض لغرض إجراء محادثات اللحظة الأخيرة، لم يتم تنسيقها مع البيت الأبيض، إذ أن الأخير شَمل بعدها بفترة قصيرة ظريف بالعقوبات لتورطه في الإرهاب، فحسب وصف آدم كريدوف لهذه المبادرة، في صحيفة "واشنطن فري بيكون" يوم 5 أغسطس 2019، بأنها تعزز الانطباع المتنامي من أن السياسة الأميركية بخصوص إيران هي إما غير واضحة حتى بالنسبة إلى المسؤولين عنها، أو معرضة للاهتزاز عشوائيا على يد لاعبين مستقلين.

كذلك، فإن الانعكاسات الاقتصادية المترتبة على ذلك كبيرة للغاية، فمع استمرار إيران وحلفائها في كسب المال من بيع النفط، تجد دول الخليج المعارضة لإيران نفسها مضطرة لمواجهة أمور ومخاوف أمنية إضافية تتعلق بثقة المستثمرين من عدم تعرضهم لمخاطر جدية.

الإدارة الأميركية ليس لها حل لمشكلة الحوثيين  

كذلك فإن عدم اتخاذ قرار بخصوص اللاعبين المارقين المدعومين من إيران يستمر في تقويض التحالف الذي جمع الولايات المتحدة والمربع المناهض للإرهاب، حيث كانت قوته، في بداية تشكله، واضحة للعيان. ففي ساعة مبكرة من صباح يوم الاثنين 5 أغسطس، هاجم الحوثيون المدعومون من إيران مطارات ومواقع عسكرية سعودية، كما أفادت وكالة رويترز يوم 5 أغسطس 2019، لكنه لم يَؤل إلى القيام بإجراء ما ضدهم، وضد مدربيهم من حزب الله، أو مموليهم في طهران. ولزيادة الطين بلة، طالب الحوثيون أيضا بمنحهم فدية قدرها 80 مليون دولار لمنع وقوع كارثة بيئية محتملة قد تنجم عن تسرب مليون برميل نفط من  ناقلات نفط عالقة في مضيق هرمز.

يكتب آدم كريدو في "واشنطن فري بيكون" أنه من دون التمكن من الوصول إلى الناقلة، ليس هناك أي طريقة لمنع وقوع كارثة بيئية محتملة. ولن يساعد على مواجهة هذا الوضع موقف الإعلام وأعضاء من الكونغرس المعارض للرئيس ترمب، فهو مهتم فقط بانتهاكات حقوق الإنسان وقضايا أمنية حين تكون السعودية طرفا. فعلى سبيل المثال، يقول كريدو في نفس المقالة إنه "خلال أوائل هذا الأسبوع، حين ضربت صواريخ سوقا في شمال اليمن، عزا عدد من المقالات الإخبارية الهجوم إلى الائتلاف السعودي في قتاله مع الحوثيين. وتلك القصص أثارت شكاوى رسمية من شخص واحد على الأقل في الكونغرس، يرأس لجنة برلمانية، وقد أخبر شخص على اطلاع بالمراسَلة صحيفة "واشنطن فري بيكون" بذلك... غير أن الائتلاف الذي تقوده السعودية والحكومة اليمنية طعنا في صحة تقديرات الإعلام وأصرا على أن حالات الموت وقعت بعد إطلاق الحوثيين صواريخ كاتيوشا على سوق، وهذا ما جعل رئيس اللجنة البرلمانية (في الكونغرس) يفقد اهتمامه بالموضوع، حسبما أشارت مصادر مطلعة. كذلك هبط اهتمام الإعلام، وتراجع خبر موت ما لا يقل عن 14 شخصا من مصادر الأخبار البارزة".

يمكن القول إن فقدان الاهتمام في الرد على أعمال مختلفة قام بها الحوثيون يقوض سياسة الإدارة في فرض أقصى الضغط على إيران، مما يجعل حتى أشد المناصرين لرد كهذا متشككين في موقف البيت الأبيض من القضية. هذا الرد الفاتر يعكس موقف الإدارة الأميركية غير الحاسم في أفغانستان، حيث تلعب إيران دورا  مهما في دعم طالبان وإجبار الولايات المتحدة على الخروج من العملية السياسية وإجبار القوات الأفغانية على الخروج أكثر فأكثر من الأراضي التي تحت سيطرتها.

انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان والعراق يقوي إيران والمنظمات الإرهابية المحلية

 في كلا البلدين أفغانستان والعراق حيث تواجه الولايات المتحدة تحديا من إيران ولاعبين متنوعين غير حكوميين، تختار الولايات المتحدة تقليص حضورها الديبلوماسي، إذ أفيد عن سحب معظم موظفي السفارة الأميركية في بغداد، حسبما كتب روبي غرامر في مجلة "فورن بولِسي" يوم 5 أبريل (نيسان) 2019، وبالتالي الإشارة إلى التخلي بشكل جوهري عن أي رد ديبلوماسي على هذه القضايا الإقليمية. وحتى بافتراض أن هؤلاء الديبلوماسيين المسحوبين هو من أجل جعلهم متفرغين للرد على الصين وروسيا، الذي تعتبره الإدارة الأميركية من بين الأسبقيات الأمنية الوطنية، لكن كلا البلدين لهما مصالح في أفغانستان والعراق وتخفيض عدد الموظفين من دون حل القضايا ذات الأمد الطويل التي جلبت الولايات المتحدة إلى تلك المنطقتين سيكلفها من حيث المصداقية والرصيد السياسي لتنفيذ عملياتها ذات الأولوية في أماكن أخرى.

إضافة إلى ذلك، فإن الرئيس ترمب أعلن أنه يريد سحب كل القوات الأميركية من أفغانستان قبل حلول انتخابات عام 2020 الرئاسية، كما أشارت قناة "أن بي سي" التلفزيونية يوم 2 أغسطس 2019، في إيماءة لقاعدته الشعبية الانعزالية.

غير أن هذا الانسحاب، الذي يبدو متعجلا، سيرسل إشارة بالضعف لكل طرف معني بالعملية، بما فيها الدوحة وطالبان وباكستان، والمخابرات الباكستانية التي لعبت دورا مهما في تمويل ودعم طالبان، إضافة إلى إيران وروسيا والصين. بالتأكيد، ستترجَم هذه البادرة بأن الولايات المتحدة تهرب مرة أخرى وذيلها بين ساقيها بعد عقود من السياسات غير الحازمة والمشوشة، التي تكد من أجل دعم وضع راهن لا يرضى الجميع به، بدلا من السعي لتحقيق أهدافها وإنجاز انتصار سياسي وعسكري كامل على القوى المزعزعة للاستقرار. فبعد حضور للولايات المتحدة امتد 18 سنة، لا تبدو أفغانستان  اليوم في حال أفضل مما كانت عليه تحت حكم طالبان، إذ أن الأخيرة تحتل اليوم ما يقرب من 70 في المائة من أراضي أفغانستان وهي مسؤولة عن الهجمات المتزايدة ضد القوات العسكرية والقوى المدنية الأفغانية.  

وهذا الانسحاب لن يحل أي مشكلة، بدلا عن ذلك فإنه سيفتح الباب لجبهة أخرى لإيران كي تشن حروبا أخرى عبر وكلائها في المنطقة، وللمنظمات الإرهابية كي تتغذى على الفتات الناجم عن الانسحاب. في الوقت نفسه، سيُترك حلفاؤها في الشرق الأوسط أساسا مع دعم رمزي ، ومن دون استراتيجية واضحة لمواجهة إيران وتهديدات أخرى، مع عدد من المشاكل الداخلية والخارجية التي تتطلب وسطاء محايدين ودعما لحلها بأي مقياس للنجاح.

كذلك فإن خطاب الإدارة الأميركية بما يخص المخاوف المباشرة الأخرى الناجمة عن الأزمة التي تسببت إيران فيها في الخليج يقوض فرضية أن البيت الأبيض يدرك مدى التهديد الذي تمثله إيران والانعاكاسات  الجيو-سياسية الناجمة عن تزايد تدخلها في المنطقة.  وقد استمر البيت الأبيض في التشكي من تكاليف العمليات المتنوعة وبعث بإشارات إلى أن أن مهمته البحرية الجديدة في المنطقة هي لإزاحة العبئ عن لاعبين آخرين. يرى أنصار الرئيس ترمب السياسيون في الولايات المتحدة يؤمنون بأن الولايات المتحدة ما عادت في حاجة إلى الاعتماد على بترودولارات الشرق الأوسط ويمكنها أن تسترخي وتراقب ما يحدث. وهذا يكشف سذاجة سياسية، إن لم تكن جهلا كاملا بالوضع.

السياسات الانعزالية تتجاهل مصالح الولايات المتحدة في الأمن الإقليمي للشرق الأوسط

على الرغم من إدعاء الرئيس ترمب بالعكس، فإن للولايات المتحدة مصلحة راسخة في ضمان أمن مضيق هرمز والمناطق القريبة منه. ففي الوقت الذي من المنطقي السعي للحصول على دعم مالي ولوجيستي من الحلفاء، فإن الإعلان عن أن الولايات المتحدة ليس مفروضا عليها المشاركة في كل دورية حماية غير منطقي حاله حال الادعاء بأن الولايات المتحدة هي البلد الوحيد الذي عليه القيام بهذه المهمة على ضوء التهديدات العامة. فالولايات المتحدة ليست، على عكس التصورات الخاطئة، مستقلة تماما في احتياجاتها إلى الطاقة، حسبما ذكر أنتوني كوردسمان على موقع "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" يوم 13 يونيو(حزيران) 2019، وتعتمد بالخصوص على بلدان آسيوية، بما فيها كوريا الجنوبية واليابان في دخلها من الطاقة التي تصل إلى 30 في المائة مما تصدره لها.

كذلك، تبقى السعودية عاملا أساسيا. فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تهدف إلى أن تكون البلد المصدر الأول للنفط، فإنها تستمر في استيراده. إضافة إلى ذلك، فنحن إذا تركنا كل هذه الأفكار الخاطئة جانبا، يمكننا القول إن الولايات المتحدة ليست محصنة من تقلبات الأسعار في الأسواق، التي ستعقب بالتأكيد أي اختلال في إمدادات النفط الدولية. في الوقت نفسه، يبقى مضيق هرمز الدرب الوحيد الصالح لشحن  النفط بطريقة آمنة عبر الطرق البحرية الدولية لعدد من دول الخليج الحليفة، أما الطرق الأخرى عبر عُمان فهي محفوفة بالمخاطر خصوصا على ضوء التصعيد الإيراني الأخير في تلك المياه. والمحاولات لتجاوز الطريق البحري الأكثر أهمية على المستوى العالمي، كما تقول رويترز في تقريرها الصادر يوم 21 يوليو 2019 من خلال بناء خط أنابيب لم يحقق حتى الآن نجاحا مهما. إذ ما يزال حوالي خمس نفط العالم يمر عبر مضيق هرمز. 

علاوة على ذلك، وعلى الرغم من تعليقات الرئيس ترمب، فإن الاسطول البحري الخامس المتمركز في البحرين، مكلف بحماية النقل البحري في المنطقة. لذلك، فإن الادعاء بأن الولايات المتحدة ما عادت تضطلع بدرجة كبيرة في أي دور لتوفير الحماية يعني تعريض العلاقة التي تربطنا بالبحرين، ويترتب عليه سحب قواتنا المسؤولة عن العديد من العمليات الدفاعية من قاعدة صغيرة لكن حيوية، هي البحرين. فالتنصل عن معاهدات والتزامات قائمة مستبعد حدوثه من دون مراجعة الكونغرس له والمصادقة عليه؛ وتغيير في مسار السياسة بما يخص هذه المسألة لا يمكن أن يؤخذ على محمل الجد.

قضية اليمن وتوازن القوى بين الدول العربية

القضية الأخرى التي تثير المخاوف الحالية من عدوانية إيران تتحدد في نزاعين إقليميين كلاهما مرتبط بقوة بالمخاوف من إيران. النزاع الأول هو الحرب في اليمن، حيث الحوثيون الانفصاليون مدعومون من قبل إيران ومزودون بأسلحة متطورة منها ومدربون على يد حزب الله الذي يحتفظ بوجود مهم على الأرض. فالحرب في اليمن تمثل تحديا سياسيا مهما في الولايات المتحدة؛ وهي في الوقت نفسه تُشغل بعض الدول الصغيرة في "التحالف العربي".  فالإمارات على سبيل المثال سحبت قواتها مؤخرا بأعداد كبيرة،  وهذا  يعود جزئيا للاستعداد لهجوم مباشر محتمل على مواطنيها من قبل إيران.

غير أن السعودية تبقى مضطلعة بشكل كبير في اليمن، وقد ساعد العجز عن تسيير دوريات في المنطقة من دون الاصطدام بزوارق "فيلق الحرس الثوري الإيراني" أو السفن المتنكرة، على  تسهيل عمليات تهريب الأسلحة والمواد المحظورة الأخرى إلى اليمن. كذلك استخدم المهربون أراضي عمان لتنفيذ عملياتهم. وهذا ما يخلق إمكانية لتصعيد خطير، ويعطي مشروع الأمن للنقل البحري بعدا إضافيا. فلإيران حافز أقوى على مهاجمة وردع السفن التي تقترب من المنطقة حيث مصانعه أسلحتها الطافية تمد الحوثيين وأعضاء حزب الله على الأرض بالتجهيزات.

في الوقت نفسه، عقّدت المواجهة القائمة ما بين قطر والرباعي المناهض للإرهاب الصورة، فهذا الانشقاق في صفوف "مجلس التعاون لدول الخليج العربية" وضع أمام إدارتها تحديا، يتمثل بإبقاء علاقات جيدة بين الطرفين، لكن قطر تتصرف بشكل متناغم مع إيران بطرائق مختلفة. فالبلَدان يتشاركان في حقل غاز؛ والتبادل التجاري بين إيران وقطر ظل يتنامى  بمرور السنين؛ كذلك تتشارك إيران وتركيا في عمليات تهريب مختلفة انطلاقا من الأراضي القطرية. وكان وفد من "فيلق الحرس الثوري الإيراني" قد زار قطر عام 2018.

هذه القضية مشحونة بخلافات برية ومائية وحصار للسفن القطرية، إضافة إلى تنامي الاتهامات حول تسليح قطر للحوثيين وجماعات متشددة وإرهابية أخرى مناهضة للسعوديين والإماراتيين.

كذلك عقّد هذا الإشكال المشهد الأمني لتلك المنطقة. فقطر عامل يجب أخذه بنظر الاعتبار كعضو محتمل للائتلاف، وهذا يعني أن بعضا من "حملة الأسهم" المرغوب بهم كثيرا، سيكونون بشكل تلقائي خارج نطاق التشغيل، ومشكلة محتملة إذا استمر الخلاف في مسار  العمل إذ يُنظر إليه كتهديد من قبل أعضاء التحالف الآخرين. 

تضارب محتمل في المصالح

كذلك فإنه ليس من الواضح كيف يمكن جلب قطر، التي تلعب دورا داعما مهما للعمليات الإيرانية، وبالتأكيد هي اصطفت مع إيران سياسيا (بما فيها معارضتها تسمية فيلق الحرس الثوري الإيراني  المسؤول عن الهجمات على ناقلات النفط منظمة إرهابية)، وهذا الوضع زاد من مسؤوليات الولايات المتحدة في البحرين وفي أماكن  أخرى.

وإذا كان الرئيس ترمب يسعى إلى تحرير البحرية الأميركية من أعبائها، فإن هذا المسألة يجب طرحها على الكونغرس وإثارة نقاش قوي حولها. وإلّا فإن تعليقات من هذا النوع تكشف عن عجز جوهري في فهم علاقات الولايات المتحدة والتزاماتها، التي مهما كانت أفكارنا مختلفة حول تحديد طبيعة الدور الأميركي في المنطقة،  فإنها تكشف عن موقف هواة (غير محترفين) سيدفع بالتأكيد أي خصم سواء كان دولة أو  طرفا متخارجا عن أي دولة على استغلاله. وهذه لن تكون المرة الأولى التي تكون ناقلات النفط فيها هدفا مركزيا لمواجهات عسكرية كبيرة. فخلال الحرب العراقية- الإيرانية بين 1980 و1988 سعى كلا البلدين تدمير إمدات الطرف الآخر . وقد ثبت أنها مدمَّرة لإيران، لكنها قوَّت صدام حسين أيضا، وكما يُزعم فإن ذلك ساعد على تحوله من رجل متحكم في نفسه على المستوى الإقليمي إلى ديكتاتور غاشم،  يقوم بغزو بلدان مجاورة وتهديد متغطرس أدى تبجحه في نهاية المطاف إلى دماره الذاتي وترك مجالا لإيران كي تعود بقوة إلى الميدان. إذا على الرغم من التدهور الكبير لإيران آنذاك، فإن النزاع وضع تجهيزات النفط العالمية في وضع خطر. لكن الوضع اليوم أكثر خطورة، إذ ليس صدام حسين هو المُعرَّض للهجوم بل حلفاء الولايات المتحدة الأصدقاء.

لذلك فإن بعث الإشارات بعدم الرغبة في لعب دور فعال في  تحقيق أمن المنطقة ينقصه فهم الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة تجاريا واقتصاديا، لا فقط عسكريا وسياسيا. وهذا يعني أيضا التضحية بالرصيد السياسي من أجل تسجيل نقاط سياسية مع قسم من الجمهور الذي أغلبه لم يتعامل يوما مع ذلك القطاع الاقتصادي بالذات.

كذلك فإنه في الوقت الذي تماطل الولايات المتحدة خلاله، تصبح إيران يوما بعد يوم أكثر وقاحة، حتى مع أوراقها الضعيفة والمهشمة وقوتها البحرية الضعيفة وتسليحها الثقيل. 

المزيد من سياسة