بعد عقوبات فرنسا على "غوغل"...هل تشتعل "حرب" المعلومات بين ضفتي الأطلسي؟

هل تؤدي عقوبات فرنسا على "غوغل" إلى "حرب" معلوماتية بين ضفتي الأطلسي؟ فرضت تلك العقوبات إثر جهود من الناشط الإلكتروني النمساوي ماكس شريمز الذي حرك "حرباً" مماثلة في 2015.

شريمز في مواجهة جديدة مع "غوغل" (فلوز)

الأرجح أن فرض فرنسا عقوبات على "غوغل" تتصل بالحقوق الإلكترونية للجمهور، يعيد إلى أذهان كثيرين أجواء التوتر المعلوماتي بين أوروبا والولايات المتحدة الأميركية في 2015، بتأثير جهود قادها آنذاك الناشط الإلكتروني النمساوي ماكس شريمز. فقد فرضت "المفوضية الوطنية لحماية المعلومات"، وهي هيئة فرنسيّة مختصة، غرامة على "غوغل" بقرابة 57 مليون دولار، بعدما حكمت لمصلحة شكوى تقدّم بها شريمز نفسه! وإذ تداول كثير من وسائل الإعلام أن العقوبة الفرنسية جاءت استجابة لدعوى رفعتها منظمة "نويب" NOYB المعنية بالدفاع عن الحقوق الإلكترونيّة للجمهور، يفوتها أن تلك المنظمة أسّسها شريمز نفسه في مستهل العام 2017. وينسج ذلك الأمر خيطاً أول في العلاقة بين ما حدث في 2015 ومجريات العقوبات الفرنسية في 2019.

ويتمثّل الخيط الآخر في معايير الحقوق الإلكترونية للأفراد في دول الاتحاد الأوروبي. إذ استندت العقوبات الفرنسية إلى المعايير المتضمنة في "القانون العام لحماية البيانات" [تُعرَف بإسمها المختصر "جي دي بي آر"] التي دخلت حيز التنفيذ الإجباري في دول الاتحاد كلها في مايو (أيار) 2018، وهي المرّة الأولى التي تفرض فيها تلك القوانين على شركة كبرى في المعلوماتية والاتصالات المتطورة. وفي سياق حكمها، أشارت المفوضيّة الفرنسيّة إلى أن شركة "غوغل" لم تلتزم تلك المعايير بل اتّسمَتْ علاقاتها مع الجمهور بـ"غياب الشفافية، وعدم إعطاء الجمهور معلومات كافية، وعدم الحصول على موافقة واضحة منه". وإيضاحاً، تفرض معايير "جي دي بي آر" أن يحصل الأفراد على معلومات كافية عن البيانات التي يجمعها "غوغل" عنهم، وكذلك الطريقة التي يتصرف فيها بتلك المعلومات بما في ذلك استخدامها في صنع إعلانات مُشَخصَنَةْ Personalized Advertisements، وهي إعلانات تُفصّل على قياس كل فرد على حِدَة باستخدام معلومات تفصيلية عنه. وتعتبر تجارة الإعلانات المشخصنة من المصادر المهمة للدخل في شركات كـ "غوغل" و"فيسبوك" و"تويتر" وغيرها.

وفي منحى آخر، تفرض معايير الـ"جي دي بي آر" الأوروبية أن توضح شركات المعلوماتية والاتصالات للأفراد طريقة جمع بياناتهم وأسبابه، إضافة إلى الحصول على موافقتهم الواضحة بشأن التصرف به. وكذلك تفرض قوانين الـ"جي دي بي آر" أن تُعلِم الشركات الجمهور عن تلك الأمور، باستخدام لغة سهلة وواضحة، وأن تتيح له الحصول عليها بطريقة سلسلة ومباشرة.

ولاحظت "المفوضية الفرنسيّة" أن شركة "غوغل" لم تلتزم تلك المعايير، مشيرة إلى أن ما قدّمته من إيضاحات إلى الجمهور بخصوص عمليات تجميع بياناته وبيعها، جرى بلغة معقدة مضيفة إلى أن "الأفراد احتاجوا إلى خمس أو ست خطوات" للحصول على تلك الإيضاحات! وشدّدت المفوضيّة على أن "غوغل" لا تولي أهمية كافية للحصول على موافقة واضحة من الأفراد قبل التصرّف ببياناتهم، خصوصاً بعد استعمالها في الإعلانات المشخصنة.

وللآسف، خلطت وسائل إعلام كثيرة بين ذلك الأمر ومسألة حماية بيانات الجمهور. والمفارقة أن مسألة حق الجمهور في حماية بياناته كانت المسألة التي فجّرت صراعاً بين طرفي الأطلسي في 2015.

 

وفي ذلك العام، عمد شريمز، الناشط في مجال الحقوق الإلكترونية، وكان آنذاك طالباً في الحقوق، إلى رفع دعوى ضد "غوغل" بشأن نقل بيانات الجمهور، خصوصاً المتعلقة بالبحث عن المعلومات، إلى مقراتها في أميركا، من دون الحصول على موافقة الدولة الأوروبية التي يقيمون فيها، أو موافقة مباشرة من الأفراد. وإيضاحاً، يعمل "غوغل" بصورة روتينية مؤتمتة على جمع البيانات التي تربط بين كل فرد وبين المعلومات التي يبحث عنها. وبديهي القول إن الناس يبحثون عن معلومات في مسائل تهمهم وتتوافق مع شخصياتهم. ويؤدي ذلك إلى جعل البيانات عما يفتش كل فرد عنه ثروة فعليّة لشركات الإعلانات التجارية، لأنها تمكنها من معرفة الأشياء والسلع والمواضيع التي تهم الجمهور فرداً فرداً!

وعندما نظر القضاء [في إيرلندا أولاً، ثم في المحكمة العليا للاتحاد الأوروبي] في الدعوى التي رفعها شريمز ضد ممارسة "غوغل" في نقل المعلومات فورياً إلى مقرات الشركة في أميركا، كانت تلك الممارسة محمية باتفاق بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، اسمها "معاهدة الملاذ الآمن".

في المقابل، استطاع شريمز أن يثبت أن هنالك تفاوتاً في حقوق الأفراد الإلكترونية بين أميركا وأوروبا، خصوصاً في ضوء ما ظهر في الوثائق التي كشفها الخبير المعلوماتي الأميركي المنشق إدوارد سنودن. إذ بيّنت تلك الوثائق أن "وكالة الأمن القومي" الأميركية، وهي هيئة استخبارات، تمارس رقابة عالمية على المعلومات والبيانات والاتصالات التي يجري تبادلها بين الناس في أنحاء الأرض.

والأكثر أهمية بالنسبة إلى دعوى شريمز، أن ذلك التجسس كان يجري بتعاون تام من الشركات الأميركية الكبرى في المعلوماتية والاتصالات مثل "غوغل" و"فيسبوك" و"مايكروسوفت" وياهوو" وغيرها. وفي المقابل، ثمة قوانين أوروبية تحمي الناس من أن تصل معلوماتهم إلى جهات استخباراتية أو مرتبطة بالاستخبارات، ما عدّه شريمز تناقضاً مع العلاقة التي تربط الشركات الأميركية وأجهزة الاستخبارات في بلادها.

وإذ كسب شريمز تلك الدعوى، فإن ذلك كان مدخلاً لإلغاء "معاهدة الملاذ الآمن". وعلى الرغم من أن إدارة الرئيس السابق باراك أوباما لم تعر الأمر اهتماماً كبيراً، إلا أن سقوط المعاهدة وتَّر الأجواء في شركات المعلوماتية في "وادي السيليكون" الأميركي، لأن الانتقال الحر للمعلومات عبر الشبكات العالمية يمثّل شرطاً لا غنى عنه لاستمرار عمل تلك الشركات. وتدارك الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة الوضع الذي نجم عن إلغاء "معاهدة الملاذ الآمن"، فاستبدلاها بسرعة بمعاهدة أخرى عُرفِت باسم "اتفاق درع الخصوصيّة".

وفي العام 2017، أسس شريمز المنتشي بنجاحه في الدفاع عن حقوق الجمهور، منظمة "نويب" [مقرها فيينا]، وتصف نفسها بأنها مركز أوروبي للحقوق الإلكترونيّة. ومع دخول قوانين "جي دي بي آر" إلى التنفيذ المُلزِم في دول الاتحاد الأوروبي، تقدمت منظمة "نويب" بالمشاركة مع منظمة فرنسية مماثلة اسمها "لا كادراتير دي نت"، بدعوى ضد ممارسات "غوغل" في ما يخص جمع بيانات الجمهور واستعمالها في الاعلانات المشخصنة. ومجدداً، كسب شريمز دعوىً أخرى ضد "غوغل". وسعت الأخيرة إلى تدارك الموقف بأن أعلنت التزامها قوانين "جي دي بي آر"، موضحة أنها ستتخذ خطوات عملية في ذلك الشأن.

المزيد من اتصالات