Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما استفادة أميركا من صفقة بديلة عن إحياء الاتفاق النووي الإيراني؟

من بين الأمور التي تسعى إليها إدارة بايدن الاتفاق مع طهران على تبادل سجناء والإفراج بشكل غير مباشر عن عائدات بيع النفط والغاز

طالما حذر المسؤولون الأميركيون من تأخير إحياء خطة العمل الشاملة المشتركة المعروفة باسم الاتفاق النووي الإيراني (رويترز)

ملخص

يعتقد الأميركيون أن التوافق على شفافية أكبر يمكن أن توفر ضماناً بأن أي خرق من جانب إيران سيتم اكتشافه بسرعة

في وقت سابق من هذا العام قال الرئيس الأميركي جو بايدن إن الاتفاق النووي الإيراني ميت، لكن مع تعذر إحياء الاتفاق، وعدم وجود خطة بديلة جيدة، بدا أن الأميركيين والإيرانيين اتفقا على أن الخيار الأفضل هو صفقة موقتة أو مجموعة من الإجراءات الطوعية المتبادلة لوقف دورة التصعيد وخلق وقت لمزيد من الدبلوماسية، وهو ما بدأ بمباحثات غير مباشرة في عمان أكدها مسؤول كبير في إدارة بايدن، فيما زعم الإيرانيون أنهم توصلوا بالفعل إلى تفاهمات غير مكتوبة، تحصل بموجبها طهران على مزايا مالية واقتصادية، فما أوجه الاستفادة الأميركية من هذه الصفقة الموقتة؟

بوادر تغير

لم يخفِ الإيرانيون ابتهاجهم بالتفاهمات المبدئية التي يقولون إنهم توصلوا إليها مع الأميركيين، وزعم الرئيس السابق للجنة السياسة الخارجية والأمن القومي في البرلمان الإيراني حشمت الله فلاحت بيشة أن إدارة بايدن ستغمض أعينها عن بعض صفقات الطاقة الإيرانية، وتسمح بالإفراج عن بعض الأموال الإيرانية المجمدة مقابل امتناع إيران عن توسيع برنامجها النووي أكثر من المستوى الحالي، ولمح المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي إلى ما وصفه بالمرونة البطولية قائلاً إن الصفقة مع الغرب مقبولة بشرط ألا تمس البنية التحتية النووية الإيرانية. كما نقل موقع "بلومبيرغ" الأميركي عن وكالة أنباء "شانا" الحكومية الإيرانية أن العراق دفع بالكامل ديون مشترياته من الغاز الطبيعي من إيران، وفقاً لترتيبات جوهرية مع الولايات المتحدة في شأن التنازل عن العقوبات التي منعت العراق من دفع نحو 2.7 مليار دولار مستحقة لطهران مقابل الشحنات.

وبينما أكدت وزارة الخارجية الإيرانية على لسان الناطق باسمها ناصر كنعاني عن الأمل في أن تؤدي المفاوضات مع الولايات المتحدة إلى تبادل من وصفهم بالأسرى مع واشنطن، أشارت صحيفة "بارونز" الأميركية التابعة لمؤسسة "داو جونز" إلى أن أسواق النفط ضجت في شأن عودة محتملة للنفط الإيراني إلى السوق وسط تقارير تجدد المحادثات بين واشنطن وطهران بما قد تكون له انعكاسات على السوق النفطية والأسعار، مما يعني أن تغيراً ملحوظاً يجري الآن قد يفضي قريباً إلى صفقة موقتة تحقق منها إدارة بايدن بعض جوانب الاستفادة على رغم عدم صدور اعتراف رسمي أميركي حتى الآن بهذه المحادثات وإصرار فريق الرئيس الأميركي على عدم وجود اتفاق نووي جديد بسبب استمرار الخلافات حول عديد من القضايا، بما في ذلك تصنيف "الحرس الثوري" الإيراني كمنظمة إرهابية.

منع توسيع البرنامج النووي

وطالما حذر المسؤولون الأميركيون من تأخير إحياء خطة العمل الشاملة المشتركة المعروفة باسم الاتفاق النووي الإيراني، قائلين إن مزيداً من تقدم إيران في تخصيب اليورانيوم وتعزيز برنامجها النووي، قد يجعل العودة إلى الاتفاق الأصلي مستحيلة، لكنهم لم يستبعدوا إمكانية التوصل إلى اتفاق موقت، فعلى المدى القصير، ستوفر الصفقة فوائد كبيرة لمنع إيران من توسيع برنامجها النووي من خلال زيادة المراقبة والتحقق من البرنامج النووي الإيراني عبر مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما في ذلك استئناف مراقبة المنشآت التي لم تعد خاضعة للتفتيش، وهو أمر ستكون له فوائد حاسمة يمكن أن تهدئ التوترات وفقاً لتقرير نشره معهد الولايات المتحدة للسلام.

ويعتقد الأميركيون أن التوافق على شفافية أكبر يمكن أن توفر ضماناً بأن أي خرق من جانب إيران سيتم اكتشافه بسرعة، كما سيساعد ذلك على ضمان عدم تحويل أي مواد أو مكونات نووية، مثل أجهزة الطرد المركزي إلى برنامج سري، بالتالي، فإن زيادة المراقبة تقلل من أخطار الانتشار النووي، ما يستدعي من إيران اتخاذ خطوات تثبت أن برنامجها النووي سلمي، في مقابل بعض المزايا التي توفرها واشنطن مثل تخفيف محدود للعقوبات بحيث يمكن التراجع عنها بسهولة مثل إلغاء تجميد الأصول المحتفظ بها في الخارج، أو تقديم إعفاءات لمبيعات محدودة من النفط.

ولأنه من غير المرجح أن تتخلى إيران عن مخزوناتها من اليورانيوم المخصب البالغة 20 في المئة و60 في المئة، والتي تعتبرها مصادر رئيسة للضغط على أميركا والغرب، يسعى المفاوضون الأميركيون إلى التخلص من مخزونات اليورانيوم عالي التخصيب أو وضع سقف لها، وكذلك تحديد كمية اليورانيوم التي تحتفظ بها إيران في شكل غاز أو تحويل غاز اليورانيوم إلى مسحوق (يمكن إعادة تحويل المسحوق إلى غاز، ولكن هذه عملية تستغرق وقتاً طويلاً ويمكن اكتشافها بسهولة)، وربما يتم اللجوء إلى خيار آخر يتمثل في الحد من عدد أجهزة الطرد المركزي المتقدمة التي تم تركيبها أو تشغيلها في إيران.

إطلاق سراح أميركيين

ومن بين الأمور التي تسعى لها إدارة بايدن، منذ فترة، والتي من شأنها أن تسهم في تحسين شعبية الرئيس الأميركي المتدهورة، الاتفاق مع الإيرانيين للإفراج عن ثلاثة مواطنين أميركيين إيرانيين (مزدوجي الجنسية) مسجونين في إيران بتهم ملفقة، في مقابل إطلاق سراح إيرانيين معتقلين في الولايات المتحدة والإفراج بشكل غير مباشر عن عائدات بيع النفط والغاز الإيراني، إذ منحت الولايات المتحدة بالفعل للعراق إذناً لاستخدام 2.7 مليار يورو (2.97 مليار دولار) من الأموال الإيرانية المجمدة لسداد ديون الغاز والكهرباء لاستخدامها في شراء الطعام والأدوية، كما ستتمكن إيران أيضاً من استخدام سبعة مليارات دولار محتجزة في كوريا الجنوبية لمشتريات مماثلة مستثناة من العقوبات الأميركية طالما أنها تتعلق بالتجارة الإنسانية.

وقف التصعيد

وبحسب الخبير في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية مارك فيتزباتريك، فإن إيران ستمنع وكلاءها من مهاجمة المتعاقدين الأميركيين في سوريا والعراق، مما يعد بمثابة اتفاق على وقف إطلاق النار وخفض التصعيد بين إيران والولايات المتحدة، بما في ذلك في العراق، حيث تقوم الميليشيات المدعومة من إيران بشن هجمات متقطعة على القوات الأميركية، كما أدى هجوم بطائرة "درون"، في 23 مارس (آذار) الماضي، إلى مقتل متعاقد مدني أميركي وإصابة أكثر من 20 من الأفراد الأميركيين الآخرين في سوريا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويبدو أن الرئيس الأميركي جو بايدن الذي بدأ بالفعل في جولات انتخابية عبر الولايات الأميركية، يحتاج إلى نوع من الهدوء وخفض التصعيد مع إيران، لأن أية خسائر أميركية في المعارك المفتوحة في سوريا والعراق، يمكن أن تظهره بموقف ضعيف يستغله خصومه الجمهوريون في حملاتهم الانتخابية المضادة على مدى أكثر من عام، أما إذا اضطر للرد عسكرياً، فقد تزداد الأمور تدهوراً في ظل الضربات المتبادلة التي لا تحسم الوضع في النهاية وتترك الباب مفتوحاً لمزيد من الهجمات.

الامتناع عن إرسال صواريخ لروسيا

وعلاوة على ذلك، فإن الحاجة إلى وقف التصعيد تبدو واضحة، وكما يشير فيتزباتريك الذي شغل مناصب دبلوماسية في الخارجية الأميركية، فإنه عندما رفضت إيران جهوداً حسنة النية قادها الاتحاد الأوروبي، في أغسطس (آب) الماضي، لإحياء خطة العمل الشاملة المشتركة، ثم قمعت الاحتجاجات المحلية بوحشية، أعلنت الولايات المتحدة أن خطة العمل الشاملة المشتركة لم تعد مطروحة على جدول الأعمال، وكانت النتيجة أن إيران زودت روسيا بمئات من طائرات "الدرون" التي استخدمتها موسكو في مهاجمة البنية التحتية المدنية الأوكرانية، ولعل هذا هو أحد الأسباب وراء سعي الولايات المتحدة إلى الاتفاق مع الإيرانيين على الامتناع عن إرسال صواريخ باليستية إلى روسيا، بخاصة أن قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2231 الذي حظر إيران من استيراد أو تصدير أنواع معينة من الصواريخ والطائرات المسيرة من دون موافقة مجلس الأمن ستنتهي صلاحيته في أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وعى رغم أن الولايات المتحدة وشركاءها الأوروبيين أكدوا حدوث انتهاكات للقرار 2231 حينما زودت إيران روسيا، عام 2022، بمئات من طائرات "الدرون" لاستخدامها في الحرب على أوكرانيا. وقال البيت الأبيض إن طهران تخطط أيضاً لنقل الصواريخ إلى موسكو، فإن بند نهاية صلاحية قرار مجلس الأمن في أكتوبر 2023 سيجعل الأمر محل نقاش.

ردود فعل متباينة

وفي حين رحب البعض بما تم الكشف عنه حتى الآن حول تفاصيل الصفقة الأميركية - الإيرانية الموقتة واعتبر أنها تعطي الأمل في ألا يتدهور الوضع النووي أكثر، حتى لو لم يتم إحياء الاتفاق الأصلي لعام 2015 مطلقاً، وأنه ينبغي لأي شخص يشعر بالقلق إزاء احتمالات الانتشار النووي والصراع في الشرق الأوسط أن يسعد بهذا التطور، إلا أن آخرين اعتبروا أن استراتيجية إدارة بايدن في شأن الطموحات النووية الإيرانية تنجرف بشكل خطر من المنع إلى الاحتواء.

وعلى سبيل المثال اعتبر دينيس روس المساعد الخاص السابق للرئيس باراك أوباما أن إدارة بايدن تحاول منع الصراع المفتوح في الشرق الأوسط، لكن الصفقة الموقتة ليست جيدة بما يكفي لتحقيق هذه الغاية، مشيراً إلى أن إيران جمعت بالفعل ما يكفي خمس قنابل من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة وهو مستوى يقول رافايل غروسي المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية إنه ليس له أي غرض مدني مبرر، وإذا استمر الإيرانيون في وتيرتهم الحالية، فسيكون لديهم ما يكفي لإنتاج 10 قنابل من المواد الانشطارية بحلول نهاية عام 2023.

ورأى روس، الذي يعمل الآن كمستشار لمركز "ويليام ديفيدسون" في "معهد واشنطن" أن المواد المخصبة التي تصلح لصنع الأسلحة هي أحد مصادر القلق، إضافة إلى أن إيران تجعل منشآتها النووية أقل عرضة للضربات العسكرية، وعلى رغم أن مسؤولين كباراً في الإدارة الأميركية هددوا إيران بعواقب وخيمة في حال ارتفاع مستويات التخصيب إلى 90 في المئة (وهي درجة صناعة أسلحة نووية) إلا أن الانتقال من 60 إلى 90 في المئة يستغرق القليل من الوقت.

خطر الانتشار النووي

وعلاوة على ذلك، فإن تجميد الإيرانيين نسبة التخصيب عند 60 في المئة يعني أن التخصيب إلى هذا المستوى أصبح مقبولاً الآن، على رغم أنه لا فائدة حقيقية له سوى صنع القنابل، والأسوأ من ذلك، أنه إذا كان 60 في المئة من المواد الانشطارية المخصبة في مواقع أو منشآت أقل عرضة للهجوم وتحت الجبال بما يجعل قصفها بأسلحة تقليدية غير ذي جدوى، فهذا يعني أن إيران يمكنها تطوير قنبلة في الوقت الذي تختاره، وهذا يرقى إلى تغيير الولايات المتحدة بشكل أساسي لنهجها في الشرق الأوسط، فبدلاً من السعي إلى منع إيران من أن تصبح دولة نووية، ستتحول الولايات المتحدة ضمنياً إلى سياسة قبول وضع إيران النووي والاعتماد على الردع، مما يعني تحول موقفها من سياسة المنع إلى سياسة الاحتواء.

وهذا الموقف من شأنه أن يضمن الانتشار النووي في جميع أنحاء الشرق الأوسط. وقال السعوديون بالفعل إنهم سيحصلون على قنبلة إذا كان الإيرانيون يمتلكونها، ومن المؤكد أن تركيا ومصر لن تكونا بعيدتين من الركب، ولهذه الأسباب رأى روس أنه يجب على إدارة الرئيس الأميركي أن تنظم أي صفقة مقبلة على أساس الوقاية من إيران وليس الاحتواء، عبر عدد من العناصر، منها أن تجعل التفاهمات محدودة زمنياً أي حتى نهاية الولاية الأولى لإدارة بايدن، وأن توضح الإدارة علناً وسراً، أنه إذا رأت الولايات المتحدة أن إيران تتحرك نحو تصنيع سلاح نووي بعد انتهاء هذه التفاهمات، فستقصف أميركا بنيتها التحتية النووية، كما يجب على الولايات المتحدة إجراء تدريبات في المنطقة للتمرن على الهجمات ضد أهداف محصنة لتأكيد جديتها.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل