Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جورج باتاي يخوض "التجربة الداخلية" في النص والوجود

كتاب فلسفي أدبي يركز على الذات ويختبر المسافة بين الواقع والحلم

الفيلسوف والكاتب الفرنسي جورج باتاي (دار غاليمار)

عاد المترجم المغربي محمد العرابي إلى كتاب "التجربة الداخلية" للكاتب الفرنسي الشهير جورج باتاي بعد ثمانين عاماً من صدوره في طبعتها الأولى في 1943، غير أنه اعتمد النسخة الصادرة عن دار غاليمار منذ خمسين عاماً (1973). ويتساءل المترجم في مقدمة النسخة العربية التي صدرت حديثاً عن دار "خطوط وظلال" عن تجنيس هذا الكتاب، حائراً في اختيار الخانة التصنيفية الملائمة لهذا النوع من الكتابة. والجدير ذكره أن الكتاب نفسه صدر في ترجمة عربية سابقة أنجزها عدنان محمد في دمشق لكنها لم تلق نجاحاً بسبب ضعفها. إن مداخل قراءة هذه التجربة تبعث على الحيرة، يستهل محمد العرابي ترجمته على النحو التالي: "بأي المداخل يمكن قراءة التجربة الداخلية لجورج باتاي؟ وبأي توصيف يمكن النظر إليها؟ هل باعتبارها عملاً فلسفياً أم شعرياً أم روائياً أم سيرة ذاتية أم باعتبارها عملاً نقدياً للأنساق الكبرى؟". هذه الحيرة التي تحاصر المترجم تنسحب أيضاً على مسألة تصنيف الكاتب. فجورج باتاي كاتب سريع التملص من خانات التفيئ، إنه عصي على القبض بمعنى ما، فمنذ شبابه تخلى عن ديانته، التحق بالخدمة العسكرية، ثم أعفي منها. بدأ تأليف الكتب منذ عامه الواحد والعشرين، وكان ينتقل بمرح بين الأجناس الكتابية، من الرواية إلى الفلسفة والنقد والبحث في الأنثروبولوجيا وتاريخ الفن. واضطر إلى نشر العديد من كتاباته بأسماء مستعارة، بسبب الرقابة والحظر. كان سريالياً ثم توترت علاقته مع السرياليين، إروتيكي لا يدّعي الإروتيكية، ومتصوّف يكره التصوف. ساهم في تأسيس تكتّل "هجوم مضادّ" ضم "المثقفين الثوريين"، ثم كان سبباً في تشتيته بعد عام واحد من تأسيسه.

كتابة مكثفة

 

يسوق المترجم في مقدمة الكتاب المَشاقّ التي عاشها أثناء نقل التجربة الداخلية لباتاي من الفرنسية إلى العربية، إذ وجد نفسه أمام كتابة مكثفة تعتمد بنية الحذف والإخفاء، والقصدية في عدم الدّفع بالجملة الفرنسية إلى إتمام المعنى. كأنما كان باتاي يعوّل على قارئ أريب يتقاسم معه بشكل أو بآخر تجربة بناء المعاني، بالتالي إشراكه في التأليف، بالأحرى الزج به في المعاناة التي يتكبدها من يرغب في إنتاج أفكار جديدة.

لقد دأب باتاي في الطبعات المتعاقبة لكتابه "التجربة الداخلية" على إعادة صياغة المحتويات وفق بناء اختزالي مكثف، فقد عمد إلى اختصار الجمل والتعابير الطويلة، لذلك سيبدو للقارئ الفرق الواضح بين الطبعة الأولى من الكتاب، والطبعة المعتمدة لدى غاليمار عام 1973، وهي النسخة التي اشتغل عليها المترجم المغربي، ودفعته بالضرورة إلى العودة إلى الطبعات السابقة والبحث عن النصوص التي شكلت إضاءات مهمة لكتابات باتاي، وللمياه المعرفية التي كان يسبح فيها. لذلك لا نستغرب حين يخبرنا المترجم في مقدمة الكتاب بأن عملية الترجمة استغرقت منه عشر سنوات. وهي مدة تتلاءم مع الجهد الذي بذله صاحب "النصيب الملعون" و"الغدة الصنوبرية" و"الفتحة الشمسية" في قطع مسافات هائلة تعقباً للمعنى والبحث عن ظلاله في حقول معرفية وفكرية متفرقة. فكتاب "التجربة الذاتية" هو عصارة اشتغال عميق ومنهِك يغترف من الأدب والفلسفة والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع وتاريخ الفن. ثم إن جورج باتاي كان رائد لما يسمى بـ "أدب التجاوزات". بالتالي فنصوصه تحتاج إلى مترجم قادر على مجاراته في مسعاه "الانتهاكي". ويبدو لمن يقرأ كتاب "التجربة الذاتية" في نسخته العربية ذلك الجهد الكبير الذي بذله المترجم وهو ينقل إلينا أطيافاً من المعرفة المركبة والمشاعر المتداخلة والأفكار غير المكتملة لجورج باتاي.

المسافة بين الحُلم والعجز

 

ما يروم جورج باتاي الوصول إليه هو التقاطع مع "العلم المرِح" لنيتشه. إنه يعبر عن ذلك بشكل صريح: "لكم أحببتُ أن أقول عن كتابي ما قاله نيتشه عن كتابه: ليس هناك من جملة تقريباً لا يأخذ فيها العمق والابتهاج بعضهما بأيدي بعضه بحنان". يقصد هنا كتاب "هكذا تكلم زرادشت"، وإن كان باتاي ينشد هذه المتعة النتشوية، فهي لا تتحقق بالمقابل لدى القارئ إلا بصعوبة واضحة. إننا أمام متعة شاقة ومجهدة للعين وللعقل على السواء. لهذا السبب قال عنه محمد علي اليوسفي: "جورج باتاي من أولئك الكتّاب الذين يصيبونك بالدوار عند قراءتهم. لتداعي الأفكار عنده، أولوية على انسجامها أو تنظيمها. ونصه حركة دائبة من الإحالات السريعة. إنه نص متشظٍّ، يرفض المنظومة الفلسفية والنظام".

يقف وراء "التجربة الذاتية" كائنٌ حالم يتوق إلى "الكلّيّة"، ويتساءل عن السبل إلى تحقيق ذلك، كائن يريد "التخلص من كل ما يسمّمنا"، ويضع هذا الخلاص شعاراً لمؤلفه: "إن المعاناة التي نكابد عند تخلصنا من التسمم هي موضوع هذا الكتاب". هذه النزعة التطَهُّرية تغلف "التجربة الداخلية"، بل تشكل منطلقاً أساسياً للتصورات التي يتبناها باتاي. لكن الكائن الحالم يصطدم بحقيقة بدهية، وهي أننا ننتهي إلى الفناء، بالتالي تتعارض الكلُّية مع المحدودية. لهذا يستطرد قائلاً: "هذا الكتاب هو حكاية يأس". إن هذه المهاوي الوجودية هي قدر الكائنات الحالمة التي تنجذب نحو مثالية ما، هي قصية بالضرورة عن الواقع، لذلك يظل القلق والحيرة والعصف العاطفي هي المشاعر الواردة والمداهمة باستمرار. ربما هذا ما سيدفع باتاي إلى تصريف جملة بالغة الحكمة وشديدة البلاغة: "هذا العالَم وُهب للإنسان كلغز يتوجّب عليه حلُّه".

إن "التجربة الداخلية" هي اعترافات متعاقبة بتجليات النجاح والإخفاق في حلّ لُغز العالَم. يتحدث صاحب التجربة وفق خطين متوازيين من جهة، ومتصادمين أيضاً من جهة أخرى، هما: "معرفة كل شيء" و"إتلاف النفس". يقول في هذا الصدد: "رأيتُ ما تعذّر على العيون رؤيته. لم يعد هناك من شيء يتعذّر عليّ معرفته... في هذه المتاهة، وبإرادتي، استطعتُ إتلاف نفسي". إن التّوق إلى إدراك كل شيء سينتهي بالضرورة إلى دمار ما، لعله في الغالب دمارٌ نفسي وعقلي. لذلك قادت طريقُ الأفكار الكثير من الفلاسفة والمبدعين إلى هاوية الجنون. وقد يكون السبب الأساس هو شساعة المسافة بين مناطق الحلم التي ينتمي إليها المفكر/ المبدع رمزياً والمناطق الواقعية التي تغوص فيها قدماه.

لقد أسبغ ميشال فوكو صفة العظمة على الشخص المجنون، لأنه الأقدر على ممارسة السخرية من العالَم. أما إدغار ألن بّو فقد قال: "لقد اعتبرني الناس مجنوناً، ولكن لم يُبث بعد إن كان الجنون هو أرفع درجات الذّكاء أم لا، أو إن كان كلّ ما هو رائع وكل ما هو عميق نابع من سقم في الفكر أو حالات مزاجية للعقل تعلو على حساب القدرات الفكرية العامة".

إن الانقياد نحو المجهول هو ما يمنح للتجربة الوجودية معنى، أما التحرك وفق معرفة سابقة فهو يجعل أفق التجربة محدوداً في النهاية. ما يفعله باتاي في الحقيقة هو الكشف عن مساحات العجز والحلم في دواخلنا، واختبار قدرة الكائن على عبور المسافات الفاصلة بأقل أضرار ممكنة. وإذ يغوص في أعماق النفس البشرية ينقل صدى هذا الغوص بلغة يحضر فيها الشعر من حين لآخر، ليذكرنا هذا الحضور بأن باتاي شاعر أيضاً تخاطفته حقول معرفية أخرى. يقول مثلاً وهو يعبر عن حالة الوصول إلى اليأس: "يسكن قلقٌ فادح السماءَ الرمادية، تماماً كما يسكن راهبٌ ظلمةَ القبر". أبعد من ذلك، يمكن اعتبار فقرات عدة من فصل "أزرق السماء" قصائد نثر مقطعية تغترف من الرمزية والسريالية، إذ سيلحظ القارئ كيف يتم تركيب الجملة التي تحمل دلالة فكرية بشكل بلاغي آسر، فضلاً عن القصائد الصريحة التي ختم بها باتاي الكتاب، والتي تتماهى مع الموضوعات المطروحة داخله.

صرخة الكائنات الحالمة

في فصل "أريد أن أرفع نفسي إلى الذروة" يطرح باتاي إشكالية الرقابة الذاتية، متسائلاً: "لماذا أخاف من سماع صوتي الخاص؟". يتفادى عقد المقارنات بين الذات وذوات أخرى، ويمجّد الصمت، بل يسميه "قدّيس القدّيسين". وفي الفصل اللاحق الذي يحمل عنوان "الموت هو بمعنى ما نوع من الخداع" يتعقب تقلبات "الأنا"، ويواصل أسئلته حول الذات ومركزيتها: "لماذا عليّ أن أهتم لوجهات النظر الأخرى، مهما بلغت درجة عقلانيتها؟".

إن التراكمات التي يحققها الكائن في هذا الوجود باعتبارها مداركَ وخبراتٍ مُكتَسبة كافية لأن تجعل الذات معْلَماً مستقلاً، يؤهلها لأن تغدو غير محتاجة في الضرورة إلى دليل خارجي لتوجيه تحركاتها والتحكم بالتالي في خياراتها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في فصل "المتاهة، أو تركيب الكائنات" ينتقد باطاي التنافر البشري الذي يزيد ليل العالم اسوداداً، ويستدعي عِلميْ الأحياء والفيزياء ليفسر طبيعة الكائن، متوقفاً عند "الهوية الذاتية" التي تتشكل من خلايا أو من جزئيات تشبه جزيئات الذرة. ويضيف عنصراً آخر يخص الإنسان هو اللغة، باعتبارها عاملاً مشكّلاً لهويته، وموجهاً لأشكال تفاعله مع الآخر.

يعود باتاي إلى موريس بلانشو ويفتح معه جارور الأسئلة اللاهوتية، أو ما يسميه "أسئلة اللاهوت الجديد"، متوقفاً عند الأسس التي حددها بلانشو لمفهوم "الحياة الروحية". ويعود أيضاً إلى صرخة القديسة أنجيل دي فولينيو التي غيرت دفة حياتها من الثراء والعائلة إلى الفقر والعزلة، مسلطاً الضوء على مفهوم "الإيمان" أو طبيعة العلاقة مع الله.

يتوقف باتاي عند اللاهوت في منظور نيتشه والحب والتضحية لدى بروست والهروب لدى رامبو، ويستدعي تجارب أخرى من أجل إضاءة تجربته والكشف عن تقلبات الطقس الداخلي، وتعرية حالات الوجد والانخطاف والجدب أو الوضع التيوباتي الذي يستدعي التقاطع مع طاقات خارجية من أجل تفسير ما يعتمل في داخل الكائن. بالمقابل فالتجربة الداخلية لدى باطاي هي السعي الدؤوب إلى العودة بالذات إلى داخلها من أجل فهم الوجود، وتعقب الأسئلة الملغزة للكينونة.

إن "التجربة الداخلية" بقدر ما هي تجذر في الذات وعودة إلى الكهوف الداخلية للكائن، هي في الآن ذاته انتقاد لفوضى العالَم وللطابع العشوائي الطاغي عليه. إنها صرخة الكائنات الحالمة بعالَم آخر يعلو على الواقع المسطّح ولا ينتمي بالضرورة إلى اليوتوبيا.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة