Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الهجرة السرية تصبح هلاكا علنيا بين الأمواج

كيف أصبح البحر مقبرة لأحلام التونسيين وأفارقة جنوب الصحراء؟

يتم بانتظام تسجيل محاولات للهجرة غير القانونية لمواطنين من أفريقيا جنوب الصحراء وعديد من التونسيين (أ ف ب)

ملخص

 5 آلاف مفقود و3 آلاف جثة حصيلة الهجرة السرية منذ عام 2011 عبر البحر الأبيض المتوسط الذي تحول من مورد رزق إلى مصدر للفواجع.

تحول البحر الأبيض المتوسط الذي يعتبر مورداً للرزق وفضاء للترفيه والرحلات السياحية الصيفية إلى مقبرة أحلام الشباب والعائلات من تونس ودول جنوب الصحراء، يلتهم سنوياً الآلاف منهم ويلفظهم جثثاً على ضفاف سواحله الممتدة بين الضفتين، كما تتكدس ضحاياه أرقاماً فاقدة للهوية في المستشفيات التونسية لتدفن في مقابر الغرباء.

هكذا غيرت ظاهرة الهجرة السرية وجه المتوسط، وأقضت مضجع أوروبا التي يتهافت زعماؤها على تونس من أجل الحد من منسوب هذا التدفق البشري نحو سواحل إيطاليا، بينما تنتعش بورصة تهريب المهاجرين والمتاجرة ببؤسهم وأحلامهم في الوصول إلى أوروبا بشتى الطرق.

صفاقس عاصمة الهجرة السرية

خليل الضبائبي شاب تونسي تجاوز الـ 30 من عمره، غامر وركب البحر ليلاً مع مجموعة من أترابه بعد أن تمكن من تحصيل 3 آلاف دينار (1000 دولار)، وهو حاصل على شهادة البكالوريا إلا أنه لم يكمل دراسته الجامعية.

يقول، "في شهر أكتوبر (تشرين الثاني) عام 2018 تواصلت مع أحد الوسطاء وكنا أربعة أشخاص من أبناء الحي الشعبي الذي أقطنه في ضواحي العاصمة، وانطلقت رحلتنا إلى صفاقس ومن ثم اتصلنا بوسيط ثان ليوصلنا إلى ’الحراق‘ وهو منظم الرحلة".

ويضيف، "التقينا الوسيط الثاني في مكان بعيد من المدينة وانتابنا خوف شديد فالمكان مقفر، ومعنا ما يزيد على 12 ألف دينار (4 آلاف دولار) ثمن ’الحرقة‘ وقد طمأننا الوسيط أن الرحلة ستكون في الغد وأن المركب جاهز وأنه أراد أن لقاءنا للتأكد من صدق نياتنا لأن السلطات الأمنية عادة ما توظف بعض الراغبين في ’الحرقة‘ من أجل الإطاحة بشبكات الهجرة السرية".

ويستحضر خليل تفاصيل المغامرة وينفث دخان سيجارته تجاه السماء، يدعك لحيته الخفيفة ويقول بكل حسرة لماذا يكون مصيرنا هكذا بين أيدي العابثين؟ ويقصد شبكات الهجرة السرية التي تتاجر بآلام الناس.

خليل واحد من آلاف الشباب التونسي الحالم بالهجرة بشتى الطرق بحثاً عن أفق أرحب، ويسترسل في الحديث قائلاً "نزلنا في فندق متواضع في قلب مدينة صفاقس، وعند الرابعة صباحاً حملتنا سيارة مخصصة للبضائع، وجلسنا على كراسي بلاستيكية صغيرة واتجهت بنا إلى مكان الإبحار تثبتوا في وجوهنا وحثونا على الإسراع ركضاً تجاه الشاطئ بينما يراقب شخص آخر الأضواء البعيدة، فإن كانت متحركة فقد تكون لدوريات الحرس البحري، وإن كانت ثابتة فهي للمراكب والسفن التجارية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويضيف، "ركضنا في الرمل ثم دخلنا الماء وانطلقنا نحو المركب الذي يبعد 10 أمتار عن الشاطئ، وكنا 30 شخصاً وبيننا ثلاث فتيات وعائلة تتألف من زوج وزوجة وطفل صغير لا يتجاوز الأربع سنوات من عمره".

 

 

يستحضر خليل تفاصيل الرحلة التي كان نصفها في الظلام ونصفها الآخر مع انبلاج خيوط الفجر الأولى محاصرين من قبل دورية أمنية لحرس البحري، "أعادتنا من حيث انطلقنا إلى سواحل صفاقس وتحديداً إلى مركز الحرس البحري، إذ حرر في كل واحد منا محضر عدلي بتهمة اجتياز الحدود خلسة وحكم عليّ بالسجن ستة أشهر مع تأجيل التنفيذ وغرامة مالية".

وخلص خليل إلى انه "خسر 3 آلاف دينار (1000 دولار) وشقاء الرحلة إلى صفاقس وركوب البحر، وأحلام كبيرة شيدها للخروج من الفقر إلا أنها كانت مجرد أحلام".

تسونامي اجتماعي

حال خليل مشابه لكثير من التونسيين، فعلى رغم الأخطار التي تحدق بكل رحلة إلا أن الإقبال متزايد على ركوب البحر من أجل الوصول إلى الضفة الأخرى من المتوسط، وهي ظاهرة لافتة يقول في شأنها أستاذ علم الاجتماع سامي نصر خلال حديثه لـ "اندبندنت عربية"، "إن التحكم في أية ظاهرة مجتمعية يكون وفق المتغيرات التي تحيط بها، إلا أن ظاهرة الهجرة السرية كسرت كل المتغيرات وباتت ظاهرة منفلتة وشاملة لمختلف الأعمار والفئات من الإناث والذكور، ومتجاوزة لكل العراقيل".

ويضيف أن "ما نشهده اليوم بخصوص الهجرة السرية هو نوع من التسونامي الاجتماعي لأنه يجرف كل ما يصادفه، بينما لم تثن الفواجع والمآسي التي وقعت بغرق المراكب الشباب عن التفكير في الهجرة".

ويشدد المتخصص في علم الاجتماع أن "ثقافة الهجرة متفشية وتتغذى من رفض الواقع وانتشار الإحباط واليأس"، لافتاً إلى "وجود هجرة من نوع آخر في المخيال، وهو شكل من أشكال الهرب من الواقع عبر إدمان المخدرات أو السلوكات المحفوفة بالأخطار".

ويخلص نصر إلى "ضرورة إرجاع الأمل إلى الشعب التونسي لأن قوى الدفع للهجرة في عالم مفتوح يسمح بالمقارنات في الرفاه وفرص العيش الكريم، أقوى من الجذب إلى واقع هش يكابد فيه التونسيون صعوبات كبيرة".

5 آلاف مفقود و3 آلاف جثة

وفي المقابل تكتفي مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني بإحصاء الغرقى والمفقودين وعدد عمليات التصدي للهجرة السرية، وأصبح المتوسط مقبرة للمهاجرين يكتم أنفاسهم وأحلامهم إلى الأبد، ويؤكد مصطفى عبدالكبير رئيس المرصد التونسي للحقوق والحريات في تصريح خاص، أنه "تم إحصاء 5 آلاف مفقود منذ عام 2011 إلى اليوم، بينما لفظ المتوسط 3 آلاف جثة منذ العام نفسه".

ويضيف عبدالكبير أن "البحر المتوسط تحول من مصدر رفاه وقوت لسكان الحوض المتوسط إلى مصدر أحزان وفواجع لسكان المنطقة، وتسيطر عليه عصابات الاتجار بالبشر وهي شبكات أقوى من الدول تتاجر بمآسي الناس الراغبين في الهجرة".

ويشدد رئيس المرصد أن المقاربة التنموية ضرورية، وعلى أوروبا أن تحترم القوانين وحقوق الشعوب في أفريقيا من خلال مساعدتها في خلق الثروة وضمان أدوات الاستقرار".

من جهته، أكد المتحدث الرسمي باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية رمضان بن عمر أن "السلطات التونسية منعت نحو 36 ألف مهاجر من الوصول إلى السواحل الإيطالية، وفي ظل الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي المتأزم في البلاد فإن الرغبة في الهجرة السرية ستتزايد خلال عام 2023".

معالجة أسباب الهجرة

وفي سياق متصل يقترح رئيس الجمهورية قيس سعيد "تنظيم قمة تجمع دولاً من ضفتي البحر الأبيض المتوسط من أجل بلورة حلول اقتصادية وتنموية تشجع شعوب دول جنوب الصحراء على الاستقرار".

وتشهد تونس منذ سنوات تدفقاً كبيراً للمهاجرين القادمين من دول جنوب الصحراء، يتخذ معظمهم من البلاد منطقة عبور نحو القارة العجوز.

وأكد رئيس الجمهورية خلال استقباله في قصر قرطاج وزيرة الداخلية الألمانية نانسي فيزر ونظيرها الفرنسي جيرالد دارمانان أن "تونس لن تقبل أبداً بأن تكون حارسة لحدود أية دولة أخرى، كما لن تقبل بتوطين المهاجرين على ترابها"، مجدداً ضرورة اعتماد "مقاربة جديدة بخصوص ظاهرة الهجرة غير النظامية تقوم بالقضاء على الأسباب لا على محاولة معالجة النتائج، ودعا إلى تكاتف الجهود لوضع حد لهذه الظاهرة غير الطبيعية وغير الإنسانية".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير