كيف تكافئ جماعة الحوثي القبائل في اليمن؟

شهدت محافظة عمران تصفية لقيادات وشيوخ قبائل كان آخرها الشتوي وقشيرة

عناصر مسلحة من القبائل الموالية لجماعة الحوثي (أ.ف.ب)

سياسة فرّق تسد الشهيرة بدت كأنها اليوم كلمة السر لميليشيا الحوثي، في إطار محاولاتها إحكام قبضتها على القبائل وتطويعها، بعدما عملت على تغذية الصراعات والتناحر بين القبائل التي لا تنصاع إليها ولا تتفاعل في التحشيد للقتال معها في الجبهات، من خلال استحضار الخلافات القديمة وخلق عداوات جديدة بهدف إضعافها وضربها بعضها ببعض.

وسيظل مشهد السحل والتمثيل بجثة مجاهد قشيرة في محافظة عمران ماثلاً للعيان، ويذكر الأجيال اليمنية بالمثل القائل "جوزي جزاء سنمار". وقشيرة ليس سوى أحد العناصر التي أعدتها الجماعة لتكون ضمن أدواتها لقمع اليمنيين. وحين اشتد عوده، تخلصت منه بطريقتها من دون تصنع أو تكلف.

وقبل قشيرة، كانت جثة سلطان الوروري، الذي تقدم صفوف الحوثي نحو عدن وأبين على قارعة الطريق مجرداً من كل ما يمت للإنسانية بصلة. وقبلهما تخلصت الميليشيا نفسها من وكيلها الأول في المناطق الوسطى ومحافظة إب عبد القادر سفيان بافتعال مسرحية المواجهات بين مشرفيها على تقاسم النفوذ.

وفي الأسبوعين الماضيين، شهدت محافظة عمران (100 كيلومتر شمال العاصمة صنعاء) تصفيات حوثية لقيادات ووجهاء قبليين، كان آخرها تصفية الشيخ محمد الشتوي أحد وجهاء قبيلة سفيان، بالإضافة إلى قشيرة.

أساليب خطرة

من ضمن الطرق والأساليب التي انتهجتها ميليشيا الحوثي في استهداف القبائل، أنها قامت بتهميش مشايخ القبائل الكبيرة والدفع بأشخاص آخرين ليس لهم وزن قبلي، لكنهم محسوبون عليها ويدينون بالولاء والطاعة لها.

كما عملت على ترهيبهم من خلال كسر قوتهم وسلب مكانتهم واتهامهم تارة بـ "الخيانة" وتارة بـ "الارتزاق" لما يسمونه "العدوان الخارجي"، بالإضافة إلى تخويفهم وإرهابهم بالاعتقال والقتل ومصادرة أملاكهم أو تجريدهم وعزلهم من مناصبهم.

ولجأت جماعة الحوثي إلى شراء ولاءات بعض المشايخ بالمال أو المناصب أو ترقيتهم بالرتب العسكرية، ما أدى إلى حالة من الانقسامات داخل قبيلة حاشد، التي ينحدر منها أولاد الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر لكي يسهل عليهم ضرب القبيلة والسيطرة عليها، وبث الفرقة بينهم. وهذا ما مكنها من تفجير منازل أولاد الأحمر وإحراق منازلهم ومزارعهم في عمران بعد سيطرتها على العصيمات رأس حاشد.

استهداف إب

محافظة إب كان لها نصيب كبير من مخطط الحوثي عبر تفكيك نسيجها القبلي. إذ شهدت المدينة أواخر مايو (أيار) الماضي مواجهات بين مراكز نفوذ داخل الميليشيا (بين آل سفيان من جهة وآل السقاف وبابكر من جهة أخرى)، أسفرت عن تصفية أحد القيادات المحلية التي أسهمت في تمكينهم من الاستيلاء على المحافظة، وهو العميد عبد القادر سفيان، المعين من قبلهم وكيلاً لمحافظة إب، في اشتباكات مع عناصر أمن وسط المدينة.

وكانت جماعة الحوثي قد قامت بمهاجمة الشيخ عبد الواحد الدعام وقبيلته، حيث كان الدعام من الرافضين فكر جماعة الحوثي ولم يقدم لها الولاء والطاعة. فعملت الجماعة على محاصرة قبيلته والسيطرة عليها باستخدام الأسلحة الثقيلة.

ويقول عضو مجلس الشورى الشيخ عبد الواحد لـ "اندبندنت عربية" إن "خروج بعض شيوخ القبائل ممن واجهوا جماعة الحوثي ولم يرضخوا لسطوتها، مهم في تشكيل جبهة قبلية عريضة تضم العديد من شيوخ القبائل في الخارج للتحشيد للجبهات ورفدها بالمقاتلين وتطهير كل شبر من اليمن من هذه الميليشيات المدعومة إيرانياً".

ويرى الدعام أن الأمر لم يعد مقتصراً على قبائل بكيل وحاشد لمواجهة الحوثي، التي سطت على الدولة ودمرت القبيلتين، بل أصبح مهماً لكل أبناء اليمن وقبائله من شماله وجنوبه وشرقه وغربه، لأن اليمنيين بكاملهم يواجهون خطراً وجودياً.

مقاومة حجور تعرضت للخذلان

بعض القبائل استعصى على الحوثي إخضاعها من أول وهلة، فلجأت الميليشيا إلى القوة المفرطة لإخضاعها. وهذا ما حدث مع قبائل حجور في مديرية كشر في محافظة حجة شمال اليمن، حيث شنت الميليشيات هجوماً عنيفاً على هذه القبائل بمختلف أنواع الأسلحة الخفيفة والثقيلة وصولاً إلى الصواريخ الباليستية. وحين وجدت جماعة الحوثي تداعيات ثورة حجور بدأت في بعض مناطق المحافظات الوسطى في إب والضالع، سارعت إلى إخماد مقاومة حجور بالقوة المفرطة مستغلة توقف المواجهات في جبهة الساحل الغربي بموجب اتفاقية استكهولم، الموقعة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

ويجد الشيخ الدعام أن حجور خُذلت كما خذلت جبهة العود وجبهة قعطبة على الرغم من استمرار الدعم من قبل التحالف العربي، لأن هناك بعض القيادات لم تتحمل مسؤولياتها وتعتبر الحرب مغنماً شخصياً وحزبياً.

هيكلة القبيلة

كانت البداية في هيكلة الحوثي للقبائل وتفكيكها من خلال تشكيل ما يسمى "مجلس التلاحم الشعبي القبلي" بقيادة ضيف الله رسام، أحد مشايخ محافظة صعدة، الذي يدين بالولاء والطاعة للحوثي، تحت شعارات "استعادة دور القبيلة في الحفاظ على المجتمع اليمني من الانجرار وراء الفوضى" و"الحفاظ على أمن واستقرار اليمن والدفاع عن سيادة أرضه" و"منع استخدام القبيلة كأداة للتخريب ونشر الفوضى وعدم استخدام القبيلة أو استثمارها من قبل أي جهات خارجية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأجبرت الميليشيات عدداً من شيوخ القبائل في اجتماع ما يسمى مجلس التلاحم الشعبي القبلي بالتوقيع على تلك الوثيقة باستخدام وسائل الترغيب والترهيب لهم. وانخدعت بعض القبائل بهذا الكيان المسمى مجلس التلاحم الشعبي القبلي، لكنه أخيراً ظهر جلياً لها أن جماعة الحوثي استخدمته كأداة للسيطرة على القبائل وتحويلها إلى خادمة للأجنده الإيرانية.

وتؤكد الجماعة أن دعمها ورعايتها لإنشاء مجلس التلاحم القبلي من أجل "إتاحة الفرصة للقبائل لمواجهة التحالف" في الحرب التي يخوضونها منذ سنوات، ناهيك عن أنه سيسهم في "إحياء المبادئ القبلية الرادعة" وحشد جبهات الجماعة بالمقاتلين، وفق تصريحات رئيس مجلس التلاحم القبلي ضيف الله رسام.

وثيقة الشرف القبلي

واستكمالاً لما بدأته من مخططات، قام الحوثيون بتفعيل الإجراءات التنفيذية لما يسمى وثيقة الشرف القبلي، التي سبق أن أعلنوا عنها عام 2015. وجاء تفعيل وثيقة الشرف القبلي عقب انتفاضة بعض القبائل اليمنية في وجه الحوثي. لكن من خلال تلك الوثيقة تم التنكيل بالقبائل وممارسة أبشع الجرائم ضد كل المعارضين لها ولسياستها الطائفية.

وأكد عدد من السياسيين والمشايخ أن هذه الوثيقة خطر يهدد النسيج القبلي والاجتماعي، وهي بداية لتأسيس منهج العنف والصراعات القبلية وبث الفرقة والاقتتال بين أبناء اليمن الواحد وسيكون من الصعب التخلص منها على المدى القريب.

"اندبندنت عربية" حاولت التواصل مع عدد من قيادات الحوثي للرد على ما يوجه إليهم من اتهامات بتهميش القبائل، إلا أنهم رفضوا التعليق.

المزيد من العالم العربي