من فلسطين... أزياء عصرية "صديقة للبيئة"

ملابس من عبوات البلاستيك وأوراق الحلوى الفارغة

تلملمُ مها شلطف ما تملكهُ من ملابس قديمة وعبواتٍ بلاستيك فارغة، وبعض أوراق الحلوى التي تناولها الأحفادُ خلال جلسة عائلية دافئة في منزلها في رام الله، ولا ترميها في سلةِ المهملات، بل تضعها في غرفةِ الخياطةِ والتصميم الخاصة بها، فهي تعمل منذ سنواتٍ على إعادة تدويرِ الملابس وتحويلها من بالية ومهترئةٍ، إلى مبتكرة وحديثة.

شغف الخياطة

شلطف التي تبلغُ من العمرِ 55 سنة، تدركُ تماماً أن ماكينةَ الخياطةِ البسيطةِ التي بدأت بها في ثمانينيات القرن الماضي، ولم تكن تبلغُ العشرينَ سنة آنذاك، ستوصلها يوماً ما إلى الشهرة فلسطينياً وعربياً.

 وتضيف "عندما تزوجت وأنا في الـ 15 من عمري، كانَ لدي شغفٌ كبيرٌ في الخياطةِ والابتكار، إذ كنتُ أجمعُ الملابسَ القديمةِ في منزلي وأقصها وأرتبها مجدداً لتصبحَ قطعة جديدة تماماً، وفي كلِ مرة كنت ارتدي فيها ما خيطته، كنت أحظى بإعجاب الجميع، الذين كانوا يظنونها ملابس جديدة".

كيف بدأت المغامرة؟ "في ثمانينيات القرن الماضي، كان الوضع المادي لعائلتي صعباً للغاية، إذ كنت أضخ مياه الشرب من البئر يدوياً لساعات، حتى أنهك تماماً. ومع ذلك، كنت أعود إلى منزلي وأغسل ملابسي وملابس أطفالي على يدي، وما يتبقى لي من وقت، كنت أستغله بالخياطة حتى شعرت أنني في حاجةٍ إلى التطور، فتسجلت في دورة قص وخياطة، ومن ثم انتقلت إلى دورة التصميم حتى تفوقت على كل الفتيات اللواتي كن يسبقنني بأشواط، وأرجع ذلك إلى عشقي الكبير لفن الأزياء والتدوير على الرغم من صغر سني".

شهرة متأخرة

4 أبناءٍ و3 أحفادٍ ومسؤولياتٍ اجتماعيةٍ كثيرةٍ، لم تشغلها ولو قليلاً عن تطوير شغفها في تصميم الأزياء، بخاصة المستعملة منها، فكانت حتى عام 2016 مصممة أزياءٍ مميزةٍ عن أقرانها، لكن من دون أضواء إلى أن دفعتها صديقة مقربة إلى المشاركة في معرض "مدوّر" الذي يهدف إلى إنتاج أزياءٍ عصريةٍ "صديقة للبيئة" بعد تصنيعها من مواد أُعيد تدويرها كالورق والبلاستيك والملابس المستعملة.

وتوضح شلطف، "لسنواتٍ طويلةٍ كنت أدمج التراث الفلسطيني التقليدي بالحداثة، فكنت أشتري الملابس التراثية والمطرزات القديمة، وأعيد تصميمها بطريقة عصرية نالت إعجاب الزبائن ومحبي الأزياء. ومشروع مدوّر الذي شاركت فيه عام 2016 بدأ بورشة عملٍ، كنت أنا الأكبر سناً مقارنةً بأربعة مصممين شباب، وكانت تحت إشراف مصمم الأزياء الفلسطيني رامي قشوع، وبدعم من مؤسسة عبد المحسن القطان في رام الله، لابتكار تصاميم حديثةٍ من مواد مستعملةٍ مختلفةٍ وبقايا أقمشة ومواد أخرى من غير المألوف استخدامها في تصاميم الألبسة".

نظمت المؤسسة حملة لجمع ملابس وأقمشة ومخلفات وُرش البناء والمصانع، لاستخدامها في ستة تحديات تنوعت بين تصاميم مستوحاة من زيارات إلى معارض فنية ومتاحف وشوراع عامة.

أنتجت آنذاك شلطف تصماميمها بحسب الشروط، لكن أكثرها شهرة تصميم "باربي" الذي دمجت فيه القماش مع أوراق الحلوى وقطع من عبوات وأكياس البلاستيك وبعض من أوراق الصحف التي رُشّت ولُونت بمواد معينة، لتأخذ الشكل المناسب.

أما أغطية علب البلاستيك، فاستخدمتها بعد معالجتها في تزيين قطع الملابس التي أُعيد تصميمها كأدوات زينة أو كأزرار.

وتضيف "لا أنسى كيف صفق لي الجمهور بحرارة أثناء العرض، لأنني استطعت عكس أهمية الحفاظ على البيئة، واستخدام المخلفات وإعادة تدويرها الذي يخفف من أضرار تلك المخلفات، وألهمتُ كثيرين من الشباب لأهمية تحويلها من قمامة إلى فن راقٍ".

تحديات مماثلة

شلطف التي تعمل حالياً على إدخال المزيد من المواد الصلبة من مخلفات البيئة في تصميم الأزياء، ليست وحدها في هذا المضمار الإبداعي.

فالمهندس المعماري الفلسطيني مؤيد الريماوي ( 32 سنة) استطاع استغلال مخلفات البلاستيك والكرتون والمعادن والزجاج والورق، وحوّلها إلى خلطة إسمنتية عُرفت بـ "الحجر الذكي" الذي يُشبه قطع الـ "ليغو" الخاصة بالأطفال، وهو قابل للتركيب من دون الحاجة إلى إسمنت (خلطة خرسانية تقليدية)، سعياً منه إلى إدخال تختراعه سوق البناء العالمي، وإحداث ثورة في علم البناء ليس فقط في فلسطين، بل في العالم.

يقول الريماوي الذي مثّل فلسطين في مؤتمر العلوم البيئية في برشلونة نهاية عام 2018 لـ "اندبدنت عربية"، "خضعت الفكرة على مدارعامين ونيف لجملة مكثفة من الاختبارات، وتبين أنه يمكن بالفعل تحويل النفايات الصلبة التي تشكل عبئاً مالياً ثقيلاً على البلديات إلى ثروة حقيقية، فمحافظة رام الله والبيرة وسط الضفة الغربية، تعاني من عدم وجود مكب للنفايات الصلبة، ما يُضطر البلدية إلى جمعها ونقلها إلى مكب نفايات آخر، شمال الضفة الغربية يبعد عن المحافظة قرابة 100 كيلومتر بتكلفة نقل تصل سنوياً إلى 20 مليون دولار".

 

رأس المال

 تحويل النفايات الصلبة والاستفادة منها، سيقلل بحسب الريماوي من التلوث البيئي الناتج من حرقها وعدم معالجتها، فمراحل "الحجر الذكي"، تبدأ بفرز النفايات الصلبة والتخلص من المواد العضوية فيها وطحنها وفرمها، ليضاف إليها في ما بعد مادة كيماوية تساعد في تماسك الخليط، الذي يُضاف إليه الإسمنت والرمل بنسب معينة، ليُصب بعد ذلك داخل مكعبات جاهزة حسب الشكل المطلوب.

 من ثم، توضع المكعبات داخل فرن حراري للحصول على الخصائص والمواصفات المطلوبة، كأن تكون خفيفة الوزن، وكالخرسانة التقليدية من حيث القوة والمتانة.

 ويوضح الريماوي أن "الحجر الذكي" سهل التركيب، وصديق للبيئة ويسرع عملية البناء، ويوفر الوقت والجهد، ويعطي منظراً جميلاً بتواصل القطع مع بعضها، ولا يُحدث تشويهاً للجدار أو الأرصفة التي سيشكل منها، كما أنه عازل للأصوات أكثر من الحجارة العادية".

 لكن المعضلة الأكبر التي تواجه "الحجر الذكي" هي في إيجاد رأس مال كبير. فوفقاً لدراسة أولية أجراها، تكلفة مصنع لفصل المواد العضوية عن النفايات الصلبة، وطحنها ومعالجتها حرارياً وتخزينها، وطرحها للبيع والتسويق، قد تصل إلى خمسة ملايين دولار.

نصف النفايات مواد عضوية

في تقرير تقييم الوضع الحالي لإدارة النفايات الصلبة في فلسطين والذي نُشر من قبل وزارة الحكم المحلي خلال شهر أغسطس (آب) 2017، اتضّح أن أكثر من 50 في المئة من مكونات النفايات الصلبة في فلسطين عبارة عن مواد عضوية، إذ إنّ معرفة مكونات النفايات الصلبة ومصادرها المختلفة، تعزز فرص معرفة الجدوى من فصل أو تقليل النفايات الصلبة المنتجة، مثل فصل البلاستيك والمواد الأخرى لإعادة تدويرها.

وبحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فإن متوسط إنتاج الأسرة الفلسطينية اليومي من النفايات المنزلية في فلسطين لعام 2015 حوالى 2.9 كغم، وبلغ المتوسط 3.2 كغم في الضفة الغربية، مقابل 2.4 كغم في قطاع غزة. هذا وقد بلغت الكمية التقديرية من النفايات المنزلية المنتجة في فلسطين حوالى 2500 طن يومياً لعام 2015.

المزيد من هوايات وغرائب