حقائق التمييز الطبقي المرة في بريطانيا المعاصرة ...في فيلم وثائقي

بصفته رئيس تحرير صحيفة " إندبندنت" سابقاً فإن أمول راجان مؤهل بصورة استثنائية لطرح بعض الأسئلة غير المريحة حول الأشخاص الذين ما زالوا يفوزون بأرفع المناصب في بريطانيا

صورة أمول راجان رئيس صحيفة الإندبندنت السابق ومعد برنامج "كيف تقتحم عالم النخبة" الذي بثته قناة بي بي سي البريطانية (غيتي) 

باديء ذي بدء، يتوجب عليّ أن أعلن أن لي مصلحة شخصية هنا.

تسلّم أمول راجان قبل بضع سنوات رئاسة تحرير صحيفة "إندبندنت"، وكان الأصغر سناً  بين من شغلوا هذا المنصب في تاريخها. كان جيداً جداً في عمله كذلك، كما لمست بنفسي مباشرة. أصبح بعد ذلك المحررَ الإعلامي في "هيئة الإذاعة البريطانية" (بي بي سي)، وبذلك صار بوسعه أن يتمتع بعمل صحافي متنوع . هكذا، قد اقتحم عالم النخبة، أو على الأقل الجماعات الليبرالية فيها.

إنه كذلك مؤهل بصورة استثنائية  لطرح  بعض الأسئلة غير المريحة حول الأشخاص الذين ما زالوا يفوزون بأرفع المناصب في بريطانيا..

إنه تحقيق شخصي ومخصّص إلى حد كبير، وهو يجعل  قصته الشخصية صعبة ولو بقدر قليل، في شريطه الوثائقي "كيف تقتحم عالم النخبة" على قناة "بي بي سي 2 ".

بالتأكيد، فإن تفاصيل وصوله كابن مهاجر هندي، عبر مدرسة حكومية محترمة،  إلى كلية "دوانينغ" في جامعة كامبريدج، والرعاية  التي حظي بها خلال مسيرته المهنية من جانب أشخاص يعترف أنهم كانوا ممتازين، تشكل معاً حكاية جيدة رُويت بطريقة حسنة. على أي حال، عندما كان يقود سيارته الضخمة من منزله الحالي الكائن في منطقة إيزلينغتون في شمال لندن ، مرتدياً سترة صوفية برجوازية، باتجاه "توتينغ" بجنوب لندن لرؤية والدته ووالده، جعل الأمر يبدو وكأنه خارج من تحت الأنقاض في مقديشو، بدلاً مما يبدو وكأنه منزل لطيف نوعاً ما في ضاحية جميلة بما فيه الكفاية.

في كل الأحوال، فإن ذلك يؤكد على النقطة التي طالما كان يؤمن راجان بها وهي أن من شأن العمل الجاد والفرص التعليمية أن تساعد في جسر الفجوة الطبقية. لكن ثقل الأدلة التي يستخلصها خلال حكايته الملحمية، يوقظه من أوهامه، ويجعلك تكاد تشعر بألمه.

تخضع الأدلة للمعاينة قبل أن تُقدّم بعناية وموضوعية وشمولية في الفيلم. لذلك نرى أن الطفل الذي ينتمي إلى الطبقة العاملة وينتهي به الأمر في أكسفورد أو كميريدج، الجامعتين الحصريتيين، أو في إحدى جامعات مجموعة "راسل"، سيستمر عادة في الحصول على أجر أدنى وعِلاوات أخفض وترقيات أقل بالمقارنة مع طفل مماثل يتحدر من خلفية متوسطة ويؤدي عملاً من نفس النوع. هكذا قد تكون الفرص التعليمية شرطاً ضرورياً لتحسين الوضع الاجتماعي، ولكنها ليست شرطاً كافياً في حد ذاتها.

يعرض الشريط حالات فردية تعزّز صدقية شهادات الأكاديميين وبعض الإحصائيات. والحالة المؤثرة أكثر من غيرها، كانت لفتى من برمنغهام يدعى أمان. فهو حصل على شهادة من الدرجة الأولى من جامعة نوتنغهام في الاقتصاد، لكنه ببساطة لم يستطع الحصول على الوظيفة التي يريدها في حي المال بلندن. لذلك يتوجب عليه الآن تحمل المزيد من الديون كي ينال درجة ماجستير من كلية إمبريال كوليدج، فقط كي يصبح بفضل تحصيله التعليمي على قدم المساواة مع شخص أقل ذكاء ويحمل شهادة دون مستوى شهادته، لكنه يتميز عنه  بأنه "مصقول" - في إشارة إلى أنه ينتمي إلى "الخلفية الاجتماعية المناسبة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لذلك، فإن طريقة اقتحامك للنخبة تعتمد على قدرتك على اكتساب "المهارات الناعمة"، أو تقليد أولئك الأشخاص الذين ينتمي آباؤهم بالفعل إلى النخبة. وهذا أمر صعب للغاية. ببساطة، لايعرف أبناء الطبقة العاملة الخفايا الدقيقة والعلامات غير المباشرة لسلوك أصحاب هذه المهارات من أبناء الطبقة المتوسطة أو الأعلى. لنقل مثلاً، ما هو الزي المناسب الذي يجب أن يرتديه المرء أثناء مقابلة للحصول على عمل في القناة الرابعة التلفزيونية (ثياب غير رسمية)، أو في مصرف "بي جي مورغان"  (بزة مفصلة حسب الطلب)، أو في شركة "رويال داتش شل" للنفط (بدلة جاهزة)؟ وعندما يحصل على الوظيفة لاحقاً، متى يكون مقبولاً أن يتفوه ببعض الشتائم؟ أو يرتدي ملابس أقل رسمية؟ أو يضع قدميه فوق الطاولة؟

مثلاً، نلتقي بن، وهو نموذج مناسب لتلك الحالة، إذ درس في كلية دوليتش (على نفقته الخاصة) وعمل أحد والديه في بي بي سي والآخر في المحاماة. هكذا يعرف بن سلفاً ما ينبغي أن يفعله. فهو يتمتع بأخلاقيات الطبقة الوسطى وبلكنة "متأنقة" ومقدار معين من الجاذبية ، وعلاوة على ذلك يحظى بالثقة التي تأتي عادة مع التعليم الخاص. عندما يجلس الأشخاص الذين ينتمون إلى الطبقة الوسطى إلى مائدة العشاء، يسألون طفلهم الشقي الذي بدأ يقرأ الصحف الراقية في سن مبكرة عن رأيه في خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أو في الشرق الأوسط؛ قد لا يحدث هذا الأمر في كل البيوت. وكل ذلك يساعد على بناء شخصية قادرة على التواصل مع الآخرين وتتمتع بالثقة بالنفس ما سيجعله يوماً ما ينجح بجدارة في مقابلة عمل في مصرف غولدمان ساكس أو في ترؤس اجتماعات بإحدى السفارات البريطانية، وذلك لأنه يجمع على نحو مناسب بين الحزم من جهة والاستعداد للتعاون من جهة ثانية. لا يحصل هذا النوع من التنشئة في كل منزل.

ليس لدى بن أي مشكلة على الإطلاق أن  يقنع الآخرين، بطلاوة لسانه، كي يمنحونه  فرصة عمل أو يعطونه علامة النجاح في مقابلة توظيف. على النقيض من ذلك، فإن أمان الذكي لكن المتوتر ينهار في مقابلات التوظيف التي يجريها. وتؤكد مستشارة توظيف على أنه لايُنظر قطعاً  في طلب متقدمة لوظيفة، ومؤهلة بشكل ممتاز لشغل منصب رفيع في لندن، إذا كانت لكنتها عامية للغاية ، وأن المصارف لن توظّفها للتحدث مع عملائها الأثرياء.

من جهته، يشير الإعلامي ماثيو رايت، وهو أحد الذين ساهموا بتوجيه راجان مهنياً، إلى أنه شخصياً قد طُرد من بعض الوظائف بحجة "التنوع"، لكن ذلك أفسح المجال، كما يقول، أمام شخص  ذي بشرة ملونة تعلم في مدرسة خاصة (بينما لم يتلق هو تعليماً خاصاً) كي ينال العمل.

كانت تساؤلات راجان في سياق معاينته الموضوع  صارمة كما ينبغي، والذين نجحوا من بيننا في الارتقاء على رغم خلفياتهم كأبناء طبقة عاملة ، سيتعرفون على الفور على الظواهر التي يحللها ، حيث تشكل مفردات مثل "مشذّب" و "مصقول" و "ملائم" كنايات مهذبة للتعبير عن التمييز الطبقي.

من خلال الجمع بين من المتحدثين ، والرسوم البيانية المُبهجة (حول بعض الاحصائيات المُحبطة عن الجمود الاجتماعي)، و الشباب الباحثين عن عمل، تتبلور القضية ويتبين لماذا  تقف الطبقة الاجتماعية حالياً (وربما كانت دائماً) كأكبر عقبة في طريق الحراك الاجتماعي.

 في نهاية الشريط يخلُص راجان إلى أن الطبقة الاجتماعية هي في الواقع "الحاجز الأخير" والفتاك بشكل خاص. إن لمس الفروق الطبقية وتحديد معالمها هو اصعب بكثير من ملاحظة التمييز على اساس الجنس أو العرق؛ وليس لأبناء الطبقة العاملة مجموعات ضغط تدافع عنهم كما هي الحالة مع أبناء الاقليات الأخرى؛ وإن أكثر الخرافات تجذراً في بريطانيا اليوم هي أنك إذا كنت تبدو ميسوراً فلا بد أنك ذكي. يبدو أن تفنيد مثل هذه الترهات هو بالنسبة لراجان مسألة طموح شخصي. على كل، فقد نسي إحدى هذه الخرافات ، وهي مسألة العمر التي لم يتعرض إليها. فإنه ما زال شاباً جداً حتى الآن كي يقلق بشأنها !

© The Independent

المزيد من تلفزيون وإذاعة