فيلم "حدث ذات مرة في هوليود" تذكير بمقدار القلق الذي يثيره رومان بولانسكي

يقدّم كوينتين تارانتينو بولانسكي على أنه أفضل مخرج في هوليود في فيلمه الجديد الذي يدور حول جريمة قتل شارون تيت، لكن الأخير لا يستطيع التخلص ببساطة من فضيحة ممارسة الجنس مع قاصر في 1977

الإعلان عن فيلم "حدث ذات مرة في هوليوود" (عن يوتيوب) 

في بداية فيلم كوينتين تارانتينو الجديد "حدث ذات مرة في هوليود" نرى ليوناردو ديكابريو الذي يؤدي شخصية النجم السينمائي المتقدم في السن ريك دالتون يقول بذهول "يا للهول، إنه رومان بولانسكي"، متحدثاً إلى الدوبلير الخاص به وصبي المراسلات وأفضل صديق له كليف بوث الذي يلعب شخصيته براد بيت.

تارانتينو يُظهر لنا بولانسكي (الممثل رافال زاويروكا) وهو يقود سيارته الرياضية الكلاسيكية ذات السقف المفتوح، جالساً بجوار زوجته الممثلة الشابة الجميلة، شارون تيت (الممثلة مارغوت روبي)، في طريقهما إلى حفلة في قصر بلاي بوي. يبدوان كثنائي مبتهج مثالي من مرحلة الستينيات. كان يرتدي قميصاً مزيناً بالكشكش له ياقة كبيرة فيها ثنايا. ويتطاير شعر الفتاة الأشقر إلى الوراء مع النسيم العليل.

تدور أحداث الفيلم في عام 1969. وبفضل فيلم الرعب "طفل روزماري" الذي أُصدر في السنة السابقة، أصبح المخرج البولندي من بين أكثر الشخصيات التي لها مقامها في صناعة السينما الأميركية. يعيش هو وتيت في منزل يستأجرانه من تيري ميلشر (قام بدوره ابن دوريس داي) في شارع بنديكت كانيون. يخلق تارانتينو بديلاً متخيلاً لتاريخ هوليود، يكون فيه ريك جارَهما الذي يسكن في المنزل المجاور. قد يكون ريك نجماً آفلاً للمسلسلات التلفزيونية الغربية التي تقدم أبطالاً مفتولي العضلات أو أفلام الحروب العدائية لكنه يتعامل مع بولانسكي بتزلف مطلق.

فهو يعتبر أن صانع الأفلام الأوروبي ذا البنية الضئيلة والذي يرتدي ملابس أنيقة هو "أفضل مخرج في المدينة... وربما في العالم".

هذه بالطبع ليست السمعة التي يحظى بها بولانسكي اليوم في هوليود على الإطلاق. ربما حصلت أفلامه على عدد من الترشيحات لنيل جوائز الأوسكار (وقد فاز بواحدة عن فيلم عازف البيانو)، ونالت جوائز كبيرة في المهرجانات (بما في ذلك السعفة الذهبية في مهرجان كان)، لكن الكثيرين ما زالوا يعاملونه كشخص منبوذ. هناك تعاطف قليل مع المأساة التي عاشها في عام 1969 عندما قام أتباع تشارلز مانسون بقتل تيت التي كانت حاملاً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هناك ظهور عابر فقط لبولانسكي في "حدث ذات مرة في هوليود". إنها صورة الحنين إلى الماضي الشغوفة التي يقدمها تارانتينو لصناعة الأفلام في أميركا في أواخر الستينيات. يحمل العنوان في جزء منه إشارة إلى أفلام الغرب وأفلام العصابات الملحمية "حدث ذات مرة في الغرب"، التي قدمها المخرج الإيطالي سيرجيو ليوني، لكنه يُلمح في الوقت نفسه إلى أنه يقدم حكاية متخيّلة - ولهذا السبب يبدو حضور بولانسكي غير مريح لهذا الحد في الفيلم.

قد يتطرق تارانتينو إلى الظلامية والبؤس في مرحلة أصبح فيها حلم الثقافة المضادة مريراً جداً، لكن إحدى مفاجآت الفيلم هي روح الفكاهة والطبيعة الجيدة التي تسوده.

ويقف ريك الودود والدوبلير المثير الخاص به على طرفي النقيض مع تشارلز مانسون وأتباعه، الذين تم تقديمه في قالب شرير وهزلي في آن. الفيلم هو عمل تاريخي. معظم الشخصيات الواقعية التي يقدمها الفيلم - من بينهم نجم الكونغ فو، بروس لي، والممثل والمخرج سام واناماكر وشارون تيت وستيف ماكوين - قد وافتهم المنية منذ زمن طويل.

وبولانسكي الذي يبلغ من العمر الآن 85 سنة هو الاستثناء. ليس فقط لأنه لا يزال على قيد الحياة، بل إنه ما زال يعمل أيضاً. ففي الشهر المقبل، بعد أسابيع قليلة من طرح فيلم تارانتينو للعرض في المملكة المتحدة، سيتم عرض أحدث أفلامه (أنا أتهم، ضابط وجاسوس J’Accuse, (An Officer and a Spy) في مهرجان البندقية السينمائي.

يصوّر تارانتينو في الوقت الذي تجري فيه أحداث الفيلم بولانسكي حين توشك مسيرته الهوليودية على الانهيار. فهو يعرض هذه الشخصية البارزة- بولانسكي يقود سيارته في هناء في أنحاء لوس أنجليس أو يرقص في قصر بلاي بوي- قبل أن تصبح بعد سنوات قليلة، على الرغم من نجاح فيلم "الحي الصيني"، شخصية منبوذة. إن التلميح الوحيد للكوارث المقبلة يأتي خلال حوار قاله ستيف ماكوين (الشخصية التي لم يكن متوقعاً إلى حد ما أن يؤديها الممثل البريطاني داميان لويس) واصفاً بولانسكي بأنه "ذلك البولندي الخسيس" ومتوقعاً المحنة المقبلة.

والحق إن مشاهدة "حصل ذات مرة في هوليود" هي بمثابة تذكير إلى أي مدى يبقى بولانسكي مربكاً ومزعجاً بصفته شخصية عامة وصانع أفلام. فالجماهير ومدراء المهرجانات على حد سواء لا يعرفون ما إذا كانوا يقدسونه أم يكرهونه. ففي كثير من الأحيان، يقومون بالأمرين في آن معاً.

كثيرون يرفضون ببساطة السماح لبولانسكي أن يتخلص من الفضيحة والعار المصاحبين لعلاقته الجنسية غير القانونية مع سامانثا جيمير التي كانت تبلغ من العمر 13 سنة في 1977.

وسلّط الضوء بشدة على هذا التضارب العميق حول المخرج قبل عقد من الزمن، عندما دُعي لحضور مهرجان زيوريخ كضيف شرف، وهو فعالية مدعومة من الحكومة السويسرية، وسرعان ما ألقي القبض عليه فور وصوله.

وربما تكون جيمير قد تصالحت مع بولانسكي، لكن ذلك لم يغير الشعور السائد لدى منتقديه بأنه مفترس جنسي وهارب من العدالة.

وغالباً ما يتم نسيان أن المخرج نفسه عانى على يد قاضٍ غير نزيه في كاليفورنيا تراجع عن اتفاق للاعتراف بالذنب (كما هو موضح بالتفصيل في الفيلم الوثائقي الذي أعدته مارينا زينوفيتش عام 2008 بعنوان "رومان بولانسكي: ملاحَق ومرغوب"). وكان هذا ما دفع بولانسكي إلى الفرار من الولايات المتحدة.

بكل الأحوال، وحتى قبل قضية جيمير، بدأ الرأي العام بالفعل ينقلب ضد بولانسكي.

إذ "إن جذور شك الناس وعدم محبة رومان تعود إلى الوقت الذي قُتلت فيه زوجته. بالحرف الواحد، وُجهت إليه لائمة مقتل زوجته"، كما قال لي صديق بولانسكي المنتج آندرو برونسبيرغ عندما التقيته على هامش إصدار فيلمه الوثائقي "رومان بولانسكي: ذاكرة فيلم" عام 2012.

وعقب حركة #MeToo (أنا أيضاً) المطالبة بالدفاع عن حقوق ضحايا الاعتداء الجنسي وفضيحة المنتج هارفي وينشتاين، عادت الشكوك حوله وحول سلوكه السابق.

تماماً مثلما تم تأريخها بإسهاب، فإن الحياة التي عاشها بولانسكي لم تكن عادية. لقد نجا من الهولوكوست. وكان شخصية رئيسية في هوليود المتطورة بسرعة في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن الماضي، لكنه كان أيضاً مخرجاً مهماً في بيت الفن الأوروبي. إنه حلقة وصل بين جميع أنواع الاتجاهات الاجتماعية والتاريخية وصناعة الأفلام. فهو عمل كممثل شاب مع المخرج البولندي القدير أندريه فايدا. وأسند ذات مرة دوراً لمقدمة برامج الأطفال البريطانية كيث تشيغوين في أحد أفلامه (شخصية فلينس في ماكبيث). وفي فيلم "بيتر مون" (القمر المر) ساعد هيو غرانت للتحول من نمط أدوار طالب المدرسة البسيط إلى رجل قادر على أن يتطور ويلعب أدوار البطولة. وقدم علامات فارقة في تاريخ السينما (أبرزها عازف البيانو)، ونسخاً سينمائية لأعمال أدبية (مثل تِس وأوليفر تويست)، وأفلام عدد الممثلين فيها قليل وإطار الفيلم ضيق (مثل فينوس في الفراء، والمجزرة)، وأفلام جريمة كلاسيكية (الحي الصيني)، وأفلاماً كوميدية، والكثير من الأفلام الفنية المستقلة والخانقة والمزعجة (الكاتب الشبح) الذي يعتبره الكثيرون نسخة مستوحاة من حياة رئيس الوزراء البريطاني السابق، توني بلير.

ومنذ فيلم "طفل روزماري"، كان هناك ميل لتفسير حياته من خلال أفلامه. لقد صنع فيلماً ناجحاً عن عبادة الشيطان - ثم تورط في جرائم القتل في مانسون. وأقر بأن بعض اللقطات في أفلام مثل "ماكبث" و"عازف البيانو" كانت مستوحاة في جزء منها من المعاناة المروعة التي شهدها بشكل شخصي في بولندا التي احتلها النازيون.

حتماً، فإن فيلمه الجديد "أنا أتهم" الذي كتبه روبرت هاريس، ويدور حول قضية ألفريد دريفوس في فرنسا سيتم تمحيصه بحثاً عن إشارات خفية عن حياته الخاصة والمهنية. وقبل إصدار الفيلم، تعرض بولانسكي للسخرية والهجوم لوقاحته بصنع فيلم يركز على إجهاض العدالة. (ثمة بعض التلميحات المثيرة للقلق حول معاداة السامية في الذم الموجه ضد المخرج). وتساءل البعض عما إذا كان يشبّه نفسه بدريفوس، الضابط اليهودي في الجيش الفرنسي الذي أدين زوراً في تسعينيات القرن التاسع عشر بتهمة تسليم أسرار عسكرية فرنسية للألمان، وأُرسل إلى جزيرة الشيطان سيئة السمعة في غيانا الفرنسية. ويتساءل آخرون لماذا، بصفته فاراً من العدالة شخصياً، قام بتبني مثل هذه القصة.

كل من شاهد الفيلم الوثائقي الذي قدمه برونسبيرغ، المستند إلى مقابلة مطولة مع بولانسكي عندما كان قيد الإقامة الجبرية في سويسرا عقب مهرجان زيوريخ، سيصعب عليه التوفيق بين الشخصية المتفكّرة والمثقفة التي تظهر على الشاشة وبين الشخصية المتوحشة التي يتم تصويره بها في كثير من الأحيان في وسائل الإعلام. وعلاوة على ذلك، فإن بولانسكي الذي يظهر في هذا الفيلم الوثائقي لا يشبه ذاك الشاب المختال في السيارة الرياضية الذي يصوره تارانتينو.

وما يتم تجاهله في بعض الأحيان في الجدل الدائر حول بولانسكي كشخصية عامة، هو ديمومة مسيرته والبراعة في حياته المهنية كصانع أفلام.  لقد مر 57 عاماً على ترشح فيلمه الأول "سكين في الماء" (من إنتاج عام 1962) لنيل جائزة أوسكار. يمكن لفيلمه الجديد حول دريفوس أن يكرر هذا الإنجاز بسهولة ويفوز بجائزة الأسد الذهبي لمهرجان البندقية أيضاً - ولكن حتى إذا حدث ذلك، فمن غير المرجح أن تتغير مشاعر الشك والقلق والإزعاج التي يكنّها له الكثير من المنتقدين.

يبدأ العرض الجماهيري لفيلم "حدث ذات مرة في هوليود" في 14 أغسطس (آب). وسيكون العرض الأول لفيلم رومان بولانسكي الجديد "أنا أتهم" خلال المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية السينمائي في ما بين 28 أغسطس و7 سبتمبر (أيلول).

© The Independent

المزيد من سينما