العملة السودانية "تختفي"... أزمة ثقة بين المواطنين والمصارف

تقل أسعار السلع في حال الشراء نقداً وترتفع إذا كانت ديناً

بدأت أزمة السيولة النقدية في السودان منذ فبراير  2018 (أ. ف. ب)

ما زالت أزمة السيولة النقدية في المصارف السودانية تؤرّق المواطنين السودانيين، مع اقتراب عيد الأضحى الذي يتطلب توفير مبالغ لشراء الأضحية وحاجات الأسرة. فقد فرضت الأزمة انتشار سعرين للسلع، إذ يقل السعر في حال الشراء نقداً ويرتفع بنسبة 10 في المئة بـ"الشيك". فيما لم تفلح الإجراءات الاقتصادية التي اتبعها النظام السابق وبعده المجلس العسكري الانتقالي في كبح جماح هذه الأزمة. ما أثار موجة من الاستياء في ظل تفاقم الأوضاع المعيشية.

وأرجع خبراء في الاقتصاد، لـ"اندبندنت عربية"، سبب فقدان ثقة المواطنين في التعامل مع الجهاز المصرفي إلى السياسات والقوانين المالية والمصرفية المتقلبة التي منحت الأفضلية للسيولة النقدية في التعاملات التجارية والحياة اليومية. أما حل هذه المشكلة فيتطلب زيادة الصادر وتقليل الوارد وإشراك القطاع الخاص وجعل السوق الموازية رافداً لدعم الاقتصاد.

طوابير

وتشهد المصارف في العاصمة الخرطوم طوابير للعملاء. وفيما حُدد ألا يتجاوز المبلغ الذي يسحبه العميل الألفَي جنيه حداً أقصى في اليوم، غالباً ما تبوء محاولاتهم بالفشل، إذ "يعتذر" المصرف لعدم توافر أموال كافية. كذلك الأمر بالنسبة إلى ماكينات الصراف الآلي حيث يُفاجأ العملاء بعد انتظار طويل بأن المبالغ التي أودعت بها قد سُحبت ولم تكفِ المودعين كافة.

ويشكو عدد من المواطنين من مشقة البحث عن سيولة، لأن ذلك يتطلب من الشخص الذهاب باكراً إلى البنك لحجز رقم يضمن له الحصول على مبلغ ألفَي جنية، وفي حال تأخره قد لا يجد فلوساً لأنه في الغالب تكون الكمية محدودة.

ويلفت الموظف في أحد المصارف، سامي الفحيل، إلى أن المشكلة تكمن في إحجام العملاء عن إيداع أموالهم في البنوك، لأنهم يجدون صعوبة في الحصول عليها عند الحاجة إليها. ويؤكد أن البنك المركزي يغذي المصارف بمبالغ محدودة لا تكفي حاجة عملائها، وقد لا تكون التغذية يومية.

إعادة الثقة

ويستغرب وكيل أكاديمية المصارف للعلوم المصرفية والمالية الدكتور علي خالد الفويل، حصول شح السيولة، لافتاً إلى أن القطاع المصرفي تعرض لكثير من الصعوبات والقوانين المتقلبة والسياسات العوجاء التي أثرت بشكل تراكمي في العملاء. ما أدى إلى فقدان ثقتهم في الجهاز المصرفي.

يضيف الفويل أنه صحيح أن انكماش السيولة يؤدي إلى معالجة التضخم، لكن ليس بهذا الشكل. فتقليص العرض النقدي لا يخفض الأسعار، وهذا علاج خاطئ، لأن هذا الإجراء تسبب في ظاهرة سلبية أخرى هي أنه باتت للسيولة النقدية أفضلية في السوق، وبالتالي ساعدت في مقاطعة التجار وأصحاب الأموال المصارف.

ويشدّد على أن الحل يكمن في إعادة الثقة تدريجاً إلى جمهور المتعاملين، وذلك بأن يغدو مصرف السودان المركزي ضامناً وملتزماً أيّ إجراء يصدره، وأن يتعهد بتسليم أيّ عميل حقه من النقد في أي وقت يطلبه، ويمنح حوافز مشجعة للمستثمرين والمصدّرين الذين يتعاملون مع المصارف ومنح تخفيضات في الخدمات الحكومية والضرائب التي يتم سدادها من الحسابات في المصارف، فضلاً عن إطلاق حملات توعية وسط جمهور العملاء توضح مخاطر الاحتفاظ بالأموال في المنازل والمحال التجارية.

انهيار اقتصادي

وينتقد الخبير الاقتصادي عزالدين محمد زنون الطرق والمعالجات التي اتبعتها السلطات المتخصّصة في نظام عمر البشير، ومنها اتجاهها لإصدار عملة ورقية جديدة من فئة 500 جنيه. ويرى أن أسباب أزمة السيولة هي الانهيار الاقتصادي الذي يمر به السودان، وسوء إدارة ملف السيولة. ما أفرز شحاً في الأموال وارتفاع الأسعار وركود السلع والخدمات، إلى جانب المضاربات على سعر العملة والدولار.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويشير زنون إلى أن انعدام وجود احتياط أجنبي من الدولار بكميات تكفي حاجات الحكومة والمواطنين لتأمين السلع الإستراتيجية شكل ضغطاً على الجهاز المصرفي وألحق ضرراً بالغاً باقتصاد السودان.

وإذ يدعو السلطات المختصة إلى اتباع سياسات مالية تعالج جذور الأزمة، وتزيد الصادر وتقلّل الوارد وتُشرك القطاع الخاص وتجعل السوق الموازية رافداً لدعم الاقتصاد بدلاً من فرض عقوبات عليها، يؤكد أن الأزمة استفحلت بسبب توتر الأوضاع السياسية، و"لا يمكن فصل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية من الوضع السياسي في البلاد". ويرى أن معالجة هذه الأزمة تحتاج إلى وقت واتباع سياسات مالية ومصرفية محكمة تعالج الوضع الاقتصادي برمته، منوهاً بأن التحسن سيكون تدريجاً لتتمكن المصارف من تلبية طلبات العملاء باستعادة ثقتهم وجذب مدخراتهم.

تقليص الإنفاق

بدأت أزمة السيولة النقدية في السودان منذ فبراير (شباط) 2018، وتفاقمت بعد ما سمحت السلطات السودانية في أكتوبر (تشرين الأول) بتراجع الجنيه السوداني أمام الدولار (من 29 جنيهاً للدولار إلى 47.5 جنيه)، وإعلانها إجراءات لتقليص الإنفاق. ما أدى إلى ارتفاع الأسعار الذي تسبب بالاستياء الشعبي وأسهم في انطلاق شرارة الثورة التي أسقطت نظام البشير في 11 أبريل (نيسان) الماضي. وقد ترافق ذلك مع تنامي الشكوك بشأن أداء بعض المصارف السودانية، وقد غذّتها إشاعات بإفلاس عدد منها.

المزيد من اقتصاد