مع خسائر عنيفة بأسواق الأسهم والعملات... الذهب يتربع على عرش الملاذات الآمنة

حركة تصحيح بالأسواق تقود المعدن الأصفر إلى أعلى مستوى في ست سنوات

قفزت أسعار الذهب بأكثر من 25 دولاراً عند تسوية تعاملات يوم الجمعة (أ.ف.ب)

"مصائب قوم عند قوم فوائد". هذا هو ما ينطبق بالفعل على الذهب الذي يتربع على عرش سوق الملاذات الآمنة في الوقت الحالي، في ظل حالة من الضبابية تسيطر على غالبية الأسواق، سواء كانت أسواق الأسهم والسندات أو أسواق العملات أو سوق النفط.

الأيام القليلة الماضية شهدت ظهور العديد من المؤثرات، حيث تأثرت أسواق الأسهم والسندات وسوق النفط بقرار البنك المركزي الأميركي خفض معدلات الفائدة للمرة الأولى منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، إضافة إلى قرارات جديدة للرئيس الأميركي دونالد ترمب بفرض رسوم جمركية على جميع المنتجات والسلع الصينية.

ومثلما تفاعلت الأسواق سلباً مع هذه القرارات، تفاعل الذهب وبشكل إيجابي معها، حيث قفزت أسعاره بأكثر من 25 دولاراً عند تسوية تعاملات يوم الجمعة، لتسجل أعلى مستوى في ست سنوات بعد مكاسب أسبوعية قوية.

وتلقى المعدن دعماً كبيراً جراء ارتفاع توقعات المستثمرين لقيام بنك الاحتياطي الفيدرالي بخفض معدل الفائدة مجدداً في سبتمبر (أيلول) المقبل، بعد بيانات اقتصادية سلبية خاصة بالقطاع الصناعي وسوق العمل.

كما استفاد الذهب من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجمعة، تطبيق تعريفات جمركية على منتجات صينية بقيمة 300 مليار دولار وذلك بنحو 10 في المئة بداية من الشهر المقبل.

وعند تسوية تعاملات الجمعة، ارتفع سعر العقود الآجلة للذهب تسليم ديسمبر (كانون الأول) بنحو 1.8 في المئة أو ما يعادل 25.10 دولار للأوقية عند 1457.50 دولار للأوقية، وهو أعلى مستوى لهذا العقد الأكثر نشاطاً منذ مايو (أيار) 2013.

وخلال الأسبوع الماضي وبنهاية تعاملات الجمعة، بلغت مكاسب معدن الذهب نحو 2.7 في المئة أو ما يعادل 38 دولاراً بعدما سجل في نهاية تعاملات الجمعة مستوى 1443.20 دولار للأوقية.

أعلى مستوى للطلب في ثلاث سنوات

بيانات حديثة لمجلس الذهب العالمي تشير إلى ارتفاع الطلب العالمي على الذهب خلال النصف الأول من العام الحالي لأعلى مستوى في ثلاث سنوات، مدفوعاً بالمشتريات القياسية من جانب البنوك المركزية.

وأظهرت البيانات أن الطلب العالمي على الذهب ارتفع إلى مستوى 2181.7 طن في النصف الأول من العام الحالي. أما على مدار الربع الثاني من عام 2019 فإن الطلب العالمي على المعدن الأصفر زاد بنسبة 8 في المئة عند 1123 طناً.

وارتفع المعروض العالمي من الذهب بنحو 6 في المئة إلى نحو 1186.7 طن خلال الربع الثاني من العام الحالي، مدفوعاً بالزيادة القياسية في إنتاج المناجم.

وأوضحت البيانات أن مشتريات البنوك المركزية ساهمت في زيادة الطلب العالمي على الذهب حيث سجلت أعلى كمية مشتريات لنصف أول على الإطلاق عند 374.1 طن.

وخلال الفترة من أبريل (نيسان) وحتى يونيو (حزيران) الماضيين، زادت المشتريات بنحو 47 في المئة عند مستوى 224.4 طن.

بنوك مركزية تتوسع في شراء الذهب

البيانات تشير إلى تسعة بنوك مركزية رفعت بالفعل مشترياتها من الذهب بمقدار طن واحد على الأقل في النصف الأول من العام الحالي. وكانت بولندا هي أكثر الدول التي اشترت ذهباً في الربع الماضي بارتفاع بنسبة 77 في المئة بمقدار 100 طن.

أما روسيا فرفعت مشترياتها من الذهب في الأشهر الثلاثة المنتهية في يونيو الماضي بمقدار 38.7 طن، حيث وصل إجمالي مشترياتها منذ بداية العام الحالي إلى 94 طناً.

وفي الصين فإن مشتريات بنك الشعب من المعدن الأصفر زادت بمقدار 74 طناً منذ بداية العام الحالي. كما ارتفعت مشتريات صناديق الاستثمار المتداولة عالمياً من المعدن النفيس لأعلى مستوى في ست سنوات خلال الربع الثاني من 2019 عند 2548 طناً بمقدار 67.2 طن.

وأوضح تقرير مجلس الذهب العالمي، أن الدافع الرئيسي وراء ارتفاع مشتريات صناديق الاستثمار هو استمرار عدم اليقين الجيوسياسي، واحتمالات خفض معدل الفائدة، وارتفاع أسعار الذهب خلال يونيو الماضي لأعلى مستوى في ست سنوات.

أما مشتريات المجوهرات فزادت خلال الربع الثاني من العام الحالي بنحو 12 في المئة إلى 168.8 طن، وذلك بدعم من تعافي سوق المجوهرات الهندي. وخلال النصف الأول من العام الحالي زادت المشتريات عند 1061.9 طن، وهو أعلى مستوى في أربع سنوات.

توقعات بدعم كبير للطلب حتى نهاية العام الحالي

ورجح مجلس الذهب العالمي أن تسهم حالة عدم اليقين داخل الأسواق المالية والسياسة النقدية التيسيرية في دعم الطلب على الاستثمار في الذهب خلال الأشهر المقبلة من العام الحالي.

وعلى الرغم من احتمال أن يؤدي النمو الاقتصادي الضعيف إلى تخفيض الطلب الاستهلاكي على الذهب في المدى القريب، إلا أن الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية في الهند والصين من المرجح أن تدعم الطلب على المدى الطويل.

وشهد النصف الأول من العام الحالي أحداثاً عدة تتعلق بالأسواق المالية، حيث استعادت الأسهم خسائرها المسجلة في الربع الأخير من العام الماضي بحلول نهاية أبريل، قبل أن تتراجع خلال الشهر التالي. وبعد أسابيع قليلة أخرى، تمكنت الأسهم من الوصول إلى مستويات قياسية.

يأتي ذلك بالتزامن مع إشارة البنوك المركزية في جميع أنحاء العالم إلى موقف أكثر تيسيراً بشأن السياسة النقدية، ما دفع عوائد السندات العالمية للهبوط إلى مستويات هي الأدنى في عدة سنوات وفي بعض الدول كانت الأدنى على الإطلاق.

ومع سعي المستثمرين إلى موازنة أسعار الأسهم المرتفعة في ظل بيئة من عدم اليقين بشكل متزايد، فإن أسعار الذهب شهدت قفزة جعلت منه واحداً من الأصول الأفضل أداءً بحلول نهاية شهر يونيو الماضي.

المستثمرون أكثر تفاؤلاً في 2019

وبينما كانت الزيادة في أسعار الذهب خلال شهر يونيو الماضي قوية بشكل خاص، مدفوعة بمعدلات الفائدة الآخذة في الانخفاض وارتفاع المخاطر والزخم، إلا أن المستثمرين كانوا أكثر تفاؤلاً هذا العام.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولفت تقرير مجلس الذهب العالمي إلى أنه يمكن البرهنة على هذا التفاؤل من خلال التدفقات الإيجابية الداخلة في صناديق الاستثمار المتداولة المدعومة بالذهب، حيث شهدت تدفقات بقيمة 5 مليارات دولار أو ما يوازي 108 أطنان من الذهب منذ بداية العام الحالي وحتى نهاية يونيو الماضي بقيادة الصناديق الأوروبية.

كما أبلغت البنوك المركزية عن صافي مشتريات يبلغ تقريباً 247 طناً من الذهب، أيّ ما يعادل 10 مليارات دولار حتى نهاية شهر مايو الماضي، في إشارة إلى مواصلة التوسع في حيازات الذهب كجزء من الاحتياطيات الأجنبية.

ويفترض أن تؤدي احتمالات خفض معدلات الفائدة إلى دعم الطلب الاستثماري على الذهب، حيث تشير أبحاث مجلس الذهب إلى أن أسعار الذهب كانت أعلى في 12 شهراً التالية لنهاية دورة تشديد نقدي.

وعلاوة على ذلك، فإن عوائد الذهب التاريخية أكثر من ضعف متوسطها على المدى الطويل خلال الفترات التي تشهد معدلات الفائدة الحقيقية السالبة (بعد استبعاد أثر التضخم)، التي من المرجح أن نراها في وقت لاحق هذا العام.

وفي الوقت نفسه، فإن الدولار الأميركي، والذي يُشكل عادةً رياحاً معاكسة للذهب، قد يظل في نطاق محدد، حيث أن التوترات التجارية ومعدلات الفائدة المنخفضة تُبطل أثر النمو الاقتصادي المستمر.