عنف الشباب قضية طوارئ وطنية تفاقمها تخفيضات الميزانية

البرلمان يرى أن وعد بوريس جونسون بزيادة عدد رجال الشرطة لن يعالج أسباب المشكلة ويطلب منه "السيطرة" على الأزمة

بات التحقيق في جرائم القتل والعنف المدني، مشهداً مألوفاً في مدن بريطانية كثيرة (رويترز)

أصبح العنف في أوساط الشباب قضية وطنية طارئة راحت تتفاقم بسبب تخفيضات في الميزانية طاولت أموال مخصصة للشرطة ودوائر رعاية الأحداث، بحسب تقرير برلماني جديد. وقد دعت "لجنة الشؤون الداخلية" الحكومة إلى "السيطرة " على الأزمة عشية وقوع سلسلة أعمال قتل شملتْ مراهقين تعرضوا للطعن وإطلاق النار في الشوارع. وكذلك أشار التقرير إلى أن وعد بوريس جونسون بإضافة 20 ألف شرطي لن يزيل الضرر الناجم عن "عاصفة كاملة القوّة" من التقشف، والاستبعاد من المدارس، والإخفاقات في توفير الحماية.

وفي ذلك السياق، ذكرت ايفيت كوبر رئيسة اللجنة إنّ "المراهقين يموتون في شوارعنا، ومع ذلك وجد تحقيقنا أن ردّ الحكومة على ارتفاع حدّة العنف في أوساط الشباب كان ناقصاً جداً، بمعنى أن مواجهتها لم ترتفع إلى مستوى تلك المشكلة. ويصح الكلام عن تبني مقاربة الصحة العامة (في مواجهة تلك المشكلة)، لكنه  غالباً ما يكون مجرد كلام". كذلك أفاد التقرير أن جرائم القتل ازدادت بأكثر من الثلث خلال الخمس سنوات الأخيرة في إنجلترا وويلز، مع زيادة في الطعن المميت بالسكاكين بمقدار 31 في المائة، بينما ازدادت جرائم استخدام السكاكين بمعدل 70 في المائة. وأشار التقرير أيضاً إلى أن جرائم القتل انخفضت بشكل ملحوظ بين عامي 2008 و2013 لكنها أخذت في الارتفاع ثانية، إذ تزايد عدد الأشخاص تحت الثامنة عشرة  الذين نقلوا إلى المستشفيات بسبب إصابتهم بطعنات بمقدار الثلث خلال السنوات الخمس الأخيرة. وفق ما توصلت إليه اللجنة، تصل الاعتداءات إلى أعلى معدلاتها خلال الساعتين الأوليين بعد انتهاء دوام المدارس. وفي ذلك السياق، ذكر جراح طوارئ في لندن "نحن نعالج، وبشكل روتيني، صغاراً في سني الثالثة عشرة والرابعة عشرة والخامسة عشرة... وأصبح هذا الأمر ظاهرة يومية... وقبل خمس أو ست سنوات، كان تعرّض صبي إلى الطعن حكاية مرعبة لكنها الآن أصبحت عادية". وقد دعت اللجنة أن يكون لكل مدرسة تشهد عنفاً شبابيّاً "ضابط شرطة مخصص لها" قبل نهاية شهر أبريل(نيسان) 2020.

وفي ذلك السياق، تعتبر لندن المدينة الأكثر تعرضاً للزيادة في العنف الخطير بين أوساط الشباب، إذ تشهد حوالى نصف ضحايا جرائم الطعن بالسكاكين وإطلاق النار المميتة على المستوى الوطني. وحاضراً، تتراوح أعمار أولئك الضحايا بين 15 و24 سنة. ويلي لندن مدينة مانشستر ثم "ويست يوركشير" وبعدها "ويست ميدلاندز". واستنتج التقرير أن "الوباء الحالي تفاقم بسبب نوبة التخفيضات الحادة في الأموال المخصصة للدوائر المعنية بأمور الشباب، والتقلّص الشديد في ميزانيات الشرطة، وتزايد عدد الصغار المطرودين من المدارس الذين يؤخدون إلى مراكز رعاية الأحداث، وفشل الوكالات القانونية في الحفاظ على سلامة الشباب من الاستغلال والعنف". وفي سياق تقريرها نفسه، دعت "لجنة الشؤون الداخلية" الحكومة إلى "توفير موارد إضافية أساسيّة لضبط الأمن" ودعم الجهود الهادفة إلى زيادة ثقة الشباب بضبّاط الشرطة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبالاسترجاع، يتبيّن أن التمويل الحكومي لقوات الشرطة قد انخفض فعلاً بمقدار 30 في المائة بين العامين الماليّين 2010-11 و1018-19، بحسب التقرير، وأكثر ما تحقق من زيادة (في عدد الشرطة) السنة الماضية، كان معتمداً على زيادة في ضريبة البلدية. في بُعدٍ آخر من المشهد نفسه، أوضحت "رابطة الشرطة" التي تمثل رجال الشرطيين الأدنى مرتبة، إن الأخيرين تُركوا كي يواجهوا مهمة "تنظيف الفوضى" الناجمة عن دوائر معطوبة اخرى. وفي ذلك الصدد، ذكر جون ابتر رئيس الرابطة، إن "حفظ الأمن وحده لا يستطيع حل المشكلة. إذ يجب أن يكون هناك استثمار مهم في كل القطاع العام بهدف ضمان عمل كل شيء في سبيل إنهاء هذا الوباء المخجل". إضافة إلى ذلك، وجد التقرير أن استراتيجية الحكومة "الضعيفة" في مواجهة العنف الخطير، لم تُدْعَم بأهداف أو آليات أخرى هدفها تحقيق التغيير. وكذلك اتّهم وزارة الداخلية باتباع أسلوب "الاستسلام للأزمة". وفي تعليق مهم، أوضحت كوبر رئيسة اللجنة البرلمانية، إن الأمر يتعلّق بـ"حالة طارئة على المستوى الوطني ويجب معاملتها على ذلك النحو.. إنّ حياة الشباب يمكن صيانتها ويتوجّب فعل ذلك، لكن الحكومة ورئيس الحكومة يجب عليهما إعطاء الأولوية لتخفيض العنف الخطير بين أوساط الشباب والتحكّم في هذه الأزمة فورا". واستطراداً، دعت اللجنة في تقريرها إلى بذل جهود أكبر في معالجة أسباب العنف عن طريق التدخل في وقت مبكر من حياة الشباب بهدف منع استغلالهم من قِبَلْ مجرمين.

وكذلك أشار التقرير إلى أن المحرك الأساسي لجرائم الطعن بالسكاكين هو الزيادة في عدد العصابات التي تستغل الصغار في نقل المخدرات والنقود بين مناطق مدينية وأسواق محلية مستهدفة. وإضافة إلى ذلك، وجد التحقيق أن ضحايا التجارة الهمجيّة قد خُذلوا من قِبَل أنظمة الحماية التي تستمر في تركيزها القديم على المخاطر داخل البيوت. وكذلك دعا التحقيق إلى معالجة المدمنين على المخدرات كي ينخفض الطلب عليها. في سياق متّصل، أوضحت آن لونغفيلد، مفوضّة شؤون أطفال إنجلترا، إن أخطاء كثيرة أدّت إلى زيادة عدد العصابات المتخصصة في جرائم الاستمالة الجنسية،  تتكرّر أيضاً في هذه الحالة. وأشارت إلى إنها "تتطلب تمويلاً كبيراً في تقليصها". وكذلك حذرت من أن مواجهة تلك الظاهرة "سيتطلب أكثر من قمم واجتماعات" كي يضحي مستطاعاً قلب حركة ذلك المدّ المتصاعد رأساً على عقب. وأشارت لونغفيلد إلى أن "كثيراً من الأسر والكيانات المجتمعية قد دمِّرت، وحياة أطفال كثيرة قد تحطمت، بسبب ويلات العصابات واستغلالها الإجرامي" للصغار.

واعتبر عدد من الشهود في إفاداتهم إلى "لجنة الشؤون الداخليّة" أن إغلاق مراكز الشباب وأماكن آمنة أخرى، لعبتْ دوراً أساسياً في تدهور الوضع الأمني. وقد حصل ذلك بعد تخفيضات في الدعم المالي لتلك المراكز والأمكنة ما جعل خدماتها أكثر ضآلة وأشد تفككاً. وفي تطوّر متصل، دعا النواب المساهمون في إعداد ذلك التقرير الحكومة إلى إطلاق مبادرة جديدة لـ"ضمان خدمة الشباب"، يكون من ضمنها وضع الترتيبات اللازمة لصنع شرط قانوني يحمي التمويل المستمر الهادف إلى خدمة الشباب. وفي نفسٍ مُشابِه، أفادت "رابطة الحكومات المحلية" إن مجالس البلديات أُجبِرت على تقليص إنفاقها إلى النصف على مراكز الشباب، من 652 مليون جنيه العام المالي 2010-11 إلى 352 مليون في 2017-18، نتيجة للتخفيضات المالية الحكومية. كذلك هبط التمويل الحكومي المخصّص لـ"فرق الجانحين الشباب" إلى النصف في الفترة نفسها المشار إليها في الفقرة السابقة، وتقلص الدعم المقدم إلى المنح المخصصة لصحة العامة بمقدار 700 مليون جنيهاً إسترلينياً في القيمة الحقيقية، خلال الأربع سنوات الأخيرة، بحسب أرقام "رابطة الحكومات المحلية". وعلى نحوٍ مشابِه، ذكر "مجلس رؤساء الشرطة الوطنية" إن قوات الشرطة زادت الدوريات المستهدفة، والإيقاف والتفتيش وجهود أخرى متنوّعة، بهدف عرقلة نشاط العصابات التي تستغل الصغار في نقل المخدرات والنقود بين المناطق المختلفة.

وأوضحت مساعدة مدير الشرطة جاكي سباير إن "عدداً من قوات الشرطة أُعطيتَ تمويلاً إضافياً أخيراً لمعالجة العنف... والخطة الهادفة إلى زيادة عدد الشرطة بـ 20 ألفاً خطوة مُرَحّب بها كثيراً". وأضافت سباير إن تلك الخطوة "ستساعد قوات الشرطة على تقوية هدفنا المباشر وردّنا الطويل المدى على جرائم الطعن بالسكاكين والعنف الخطير". وفي المقابل، أشار متحدّث رسمي باسم وزارة الداخلية إلى إن اللجنة "فشلت في إدراك المجال الكامل للإجراءات الطارئة" التي اتخذتها الحكومة. وأوضح المتحدث في بيان أصدره بالنيابة عن وزارة الداخلية، أن "رئيس الحكومة ووزيرة الداخلية أعلنا الأسبوع الماضي تشغيل 20 ألف شرطي إضافي، وتشكيل لجنة لحفظ النظام على المستوى الوطني ستجتمع للمرّة الأولى اليوم (أول من أمس) لتنطلق في الرد على القضايا الحسّاسة بما فيها الجرائم الخطيرة". وأضاف البيان نفسه أن "تمويل الشرطة سيزيد بأكثر من مليار جنيه في السنة بما فيها ضريبة البلدية و100 مليون جنيه للقوات التي تضررت جراء الجرائم العنيفة". وخلص المتحدث إلى القول، "نحن سهّلنا على ضباط الشرطة عمليات إلإيقاف والتفتيش (في الشوارع)... و"قانون الأسلحة الهجومية" الذي أصدرناه سيمنع السكاكين من أن تصل إلى شوارعنا، قبل كل شيء".

© The Independent

المزيد من دوليات