لوحات فريدة من الفن العائلي في القرن الخامس عشر  يعرضها متحف بلجيكي

رسامون كلاسيكيون يتوزعون بين العالم الأسطوري والارضي

لوحة للرسام البلجيكي يان فان إيك (يوتيوب)

يكتشف زائر متحف مدينة انتفيربن البلجيكية وبالتحديد أعمال فناني المدينة في القرن الخامس عشر، أن فن الرسم فيها كان فناً عائلياً أو مشتركاً بين أكثر من فنان، إذ نجد الكثير من الإخوة الفنانين الذين اشتركوا في رسم لوحة فنية واحدة أو أقاموا معرضاً مشتركاً تحمل لوحاته توقيع الاثنين. بل نجد فنانين أصدقاء من الفترة ذاتها أو بعدها بسنوات ساهموا في رسم لوحة واحدة مع اختلاف تقنيات هؤلاء الفنانين واختصاصاتهم، لكن المتلقي لن يجد في اللوحات أكثر من أسلوب فني واحد.

يان فان أيك الذي كان يستخدم ألوانه بطريقة متوازنة جداً ويعدها بطريقة سرية للغاية، كان يوصف بأنه يستخدم فرشاة ذات شعرة واحدة حين يرسم الزيت على الكنفاس، وذلك لأنه يظهر أدق التفاصيل الصغيرة التي لا ترى بالعين المجردة.

وبالفعل فقد استعنا بنظارة لمشاهدة الأعشاب الدقيقة للغاية والتي تبدو للمشاهد وكأنها كتلة خضراء فقط. ولكن مع  زجاجة مكبرة يستطيع المشاهد أن يرى تلك التفاصيل الصغيرة ولكن المنفذة بمهارة غريبة ونادرة لجهة تقنيتها غير المعهودة. لقد أراد الفنانون الإيطاليون من تلك الحقبة معرفة التقنية التي يعد بها يان فان أيك ألوانه، لكنه منعهم مع أخيه الرسام حيث كانا يحرسان الغاليري الخاص بهما بالبنادق.

الحقبة الذهبية

يان بروكل فان الدر (1568-1652) وبيتر باول روبنز (1577-1640) فنانان من الحقبة الذهبية للمرحلة الكلاسيكية نفسها، عاشا في المدينة نفسها ولا يفصل بينهما سوى عدة شوارع صغيرة. وقد ارتبطا بعلاقة صداقة حميمة للغاية، هذه الصداقة جمعتهما في مناسبات مختلفة لرسم لوحات مشتركة كثيرة أصبحت في المستقبل من أهم المناسبات في مجال الرسم ليس في مدينة انتفيربن فحسب، ولكن في بلدان أوروبية كثيرة مثل إسبانيا وإيطاليا وهولندا، واقيمت لهما معارض مشتركة في مناسبات كثيرة وفي أوقات مختلفة من أوروبا وأميركا.

يتميز روبنز برسم الأشخاص وهو أستاذ في هذا المجال وماستر في مجال تشريح الجسد البشري، بينما يتميز بروكل برسم الحيوانات والطبيعة والتلوين. يقوم الفنانان بتقسيم اللوحة إلى قسمين متساويين، وبعد الاتفاق على الخطوط العريضة لهذه اللوحة وفكرتها الأساسية يقوم روبنز برسم شخوص اللوحة، وبعد انتهاء الجزء المخصص له يقدمها إلى صديقه كي ينهي الجزء الخاص به، أي الأشجار والزهور والحيوانات. وعندما تنتهي اللوحة تكون التحفة الفنية جاهزة للإبهار.

معظم أفكار اللوحات مستمدة كما هي حال الفترة الكلاسيكية من العالم اليوناني والروماني السحري والأسطوري وبعض التصورات عن عالم الآلهة القدماء والأبطال الخارقين ورحلات الصيد الملكية أو الحفلات الباخوسية. لقد كان تأثير الكتاب المقدس في تلك المرحلة حاسماً، لكننا نرى في ما بعد كيف انتقل الفنانون إلى العالم الأرضي ليصوروا الحياة كما يرونها. شخوص أورجال روبنز ذوو العضلات المفتولة والصدور العريضة يستلهمون المثال اليوناني بكل مقوماته الجمالية الأسطورية، والشخوص النسائية لا تشذ عن هذه القاعدة بأوراكهن الممتلئة وأحواضهن العريضة المستعدة لإنجاب آلهة وأبطال مستقبليين. ومع أن الفنانين ابتعدوا عن عالم الأساطير والمقدسات إلا أن آثار تلك القصص والأساطير ظلت مهيمنة عليهم فترة ليست قصيرة.

تشريح الطبيعة

أما بروكل الذي يشرّح الطبيعة ويستخرج كل ما من شأنه أن يتحول إلى لون زاه، فيحول لوحته أو الجزء المخصص له إلى طاقة لونية باهرة تسطع على سطح اللوحة وتعكس قوة الطبيعة الكامنة في الإشكال الكبرى كالشجرة والأشكال الصغرى كالزهرة على حد سواء. أما فضاءات اللوحات فتستجيب إلى الموضوعة والزمان والمكان، فنراها تارة مدلهمة قاتمة في زمن الحرب ومشرقة وصافية في زمن السلم والهدوء أو مسترخية باذخة في اللحظات الحميمة.

فنانان من الحقبة ذاتها أو بعدها بقليل يفترقان عن المنجز التشكيلي كله للقرن الخامس عشر في انتفيربن، هما جان فوكيه وهو من أصول فرنسية ويرسم بتقنية الزيت على القماش ويبدو عمله "فانتازيا" في استخدام الألوان ورسم الوجوه، والآخر يسترفا من مدرسة فرانكفورت الذي يعتمد تقنية التضاد في حين أن الفن في تلك الفترة يعمل على الهرموني.

عند الانتقال إلى لوحات القرن السابع عشر يظهر الاختلاف جلياً باختفاء الجانب الروحي من الأعمال الفنية التي بدأت تنزع إلى تصوير الحياة اليومية للإنسان مع ظهور قوي لفن البورتريه. فقد حل محل الأبطال الأسطوريين، رجال ونساء من طبقات ثرية يتنزهون مع كلابهم وخيولهم في أطيانهم الواسعة مع مظاهر الترف والسعادة والكسل. بالمقابل كانت هناك لوحات كثيرة على شكل بورتريه تمثل نساء ورجالاً من هذه الطبقات الثرية، لكن تبدو هذه الشخصيات جامدة وخالية من الحياة، لذلك يوصف الفن الشمالي بفن الجمود.

في هذه الفترة أيضاً بدأ الاهتمام بالمنظور وبدأت تظهر في اللوحات مبان وقصور وجبال في خلفيات اللوحات ولم يعد يقتصر الأمر على الطبيعة فقط.

في نهاية القرن السابع عشر عاد تأثير المدرسة الإيطالية على أعمال الفنانين الفلاميين الذي لم يختف أبداً، ولكن تأثير مايكل أنجلو كان كبيراً وواضحاً للغاية كما هي الحال مع روبنز وبروكل، الذي سيظل يؤثر في الأجيال الجديدة من الفنانين إلى زمن ليس بالقصير.

يضم المتحف بالإضافة إلى اللوحات الكثيرة من الأعمال النحتية المنفذة بتقنية الحديد والخشب والعاج، لكن مضامينها لا تختلف كثيراً عن مضامين اللوحات، لكنها تتميز بقوة الحركة ومتانتها ودقة التصوير وذلك الخيال الجامح في رسم ملامح بعض الشخوص الأسطوريين المستلهمين من القصص الدينية أو الأسطورية.

المزيد من ثقافة