Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كاتبة ألمانية تروي نضال طبيبة فرنسية ضد احتلال الجزائر

"ملحمة آنيت" لأنّه فيبير ترصد شقاء الإنسان من أجل حلم أو فكرة

نضال المرأة الجزائرية في حرب التحرير ضد الإحتلال الفرنسي (غيتي)

في سرد أدبي تلاقحت عبره أجناس أدبية عدة تنوعت بين الرواية والسيرة الغيرية والملحمة، صدرت أخيراً الترجمة العربية من رواية "ملحمة آنيت" للكاتبة الألمانية "أنّه فيبر"، بترجمة  الكاتب سمير جريس عن دار الكرمة - القاهرة. ويحيل استخدام كلمة "ملحمة" في عنوان النص وعتبته الأولى إلى ما يتناولة السرد من بطولات الشخصية المحورية "آن بومانوار"، الطبيبة الفرنسية التي قضت حياتها في نضال متصل، شرعت خطواتها على طريقه من أجل تحرير وطنها فرنسا من الاحتلال الألماني النازي، وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وانتصار الحلفاء وجلاء ألمانيا عن فرنسا واصلت آنيت نضالها، لكنها انحازت إلى جانب آخر وانضمت إلى جبهة التحرير الوطني الجزائرية في كفاحها للاستقلال عن المستعمر الفرنسي، وإنهاء وجوده على أراضيها بعد ما يقرب من القرن ونصف القرن من الاحتلال.

وعلى رغم بطولاتها وحياتها التي عاشتها في قلب الخطر، وعلى رغم أيضاً نشرها مذكراتها التي صدرت تحت عنوان "نار الذكرى" عن دار نشر بوشين عام 2000، لم تكن "آن" بطلة رسمية ولم تكن معروفة على النحو الذي تستحقه حتى صادفتها الكاتبة والروائية الألمانية أنّه فيبر في حلقة نقاش عقدت في جنوب فرنسا حول الاشتراكية القومية وتأثيراتها في الأجيال اللاحقة. وقد كان هذا اللقاء بداية ميلاد جديدة لآنيت على يد الكاتبة التي أرادت أن يعرف بطلتها أكبر عدد من الناس حول العالم، وبالفعل تحقق لها ما أرادت، لا سيما بعد ترجمة روايتها إلى لغات عدة وحصولها على جائزة الكتاب الألماني عام 2020.

على رغم من أن السرد يندرج تحت فئة الرواية فإن ما عاشته البطلة في حياتها الواقعية من أحداث وصراعات، كان كفيلاً بتقليص مساحة التخييل في النص لمصلحة الوقائع الحقيقية، وقد انطلقت الكاتبة في رحلتها من ماض يسبق ميلاد آنيت ونشأتها، فبلغت الحياة البائسة للجدة التي كانت تعمل بالصيد من دون قارب وتعيش في منزل بائس بالإيجار، ثم أبحرت أبعد قليلاً فبلغت حياة أم الجدة وعملها صغيرة كخادمة لدى الأثرياء، بينما عانت هي الفقر وشظف العيش.

وعبر هذه التوطئة وما سردته الكاتبة حول نشأة الفتاة في كنف جدتها لأمها وقدر تأثرها بها، وكذا بوالديها الاشتراكيين، اللذين حرصا على مساعدة الإسبانيات الفارات من الحرب الأهلية، إضافة إلى تعلمها في مدرسة علمانية، استبقت عبر هذه البداية بتفسير ضمني للتكوين الفكري والوجداني لشخصية "آنيت"، وإيمانها الباكر والراسخ بالعدل والمساواة ورفضها الظلم، وكذا انضمامها إلى الحزب الشيوعي الفرنسي، وعملها السري به في سنوات شبابها الأولى.

استفادت الكاتبة من ثراء شخصيتها المحورية عبر ما رصدته من تحولات عاشتها في حياتها الواقعية ونقلتها إلى فضائها السردي، فالفتاة المسالمة قرأت في عمر الـ 15 إحدى روايات "مالرو"، وتأثرت ببطلها "بتشن" الذي تحول من قاتل إلى انتحاري خلال انتفاضة العمال والشيوعيين في شنغهاي.

فأدركت حينذاك أن الإنسان يعيش عبر موته من أجل الآخرين، وأن إرادة الموت تنقذه من حتمية الموت، وهكذا تخلت عن سكونها ووداعتها وارتدت شخصية جديدة أكثر حماسة وشجاعة، ورغبة في الدفاع عن هدف وقضية، ولم يكن هذا هو التحول الوحيد في شخصية آنيت، وإنما مرت بعدد من التحولات الأخرى، أهمها تحول على المستوى الأيدولوجي بانشقاقها عن الحزب الشيوعي ثم الانقلاب على ذاتها بتخليها عن الجانب الفرنسي "وطنها" لمصلحها الجزائر المحتل، نصرة لمبدئها وإيماناً بحق الشعوب في تقرير مصيرها.

جذوة الصراع

هذه التحولات التي مرت بها آنيت كانت نتاجاً لما عاشته من صراعات داخلية، احتدم بعضها نتيجة انقسامها بين انتماءاتها لذاتها وأفكارها من جهة، والتزامها بكيان أو مؤسسة من جهة أخرى، وبين رغبتها في طاعة الحزب الشيوعي المنتسبة إليه، والانحياز إلى مبدئها المجرد حين تعارض مع ممارسات الحزب، ومرة أخرى بين المبدأ نفسه والانحياز للوطن، لكن النصر دائما كان حليفاً لمبدئها في كل مرحلة من مراحل حياتها، ولم يقل الصراع الخارجي في النص ضراوة عن الصراعات الداخلية للبطلة، لا سيما وأنها شهدت "في شبابها" الحرب العالمية الثانية وسقوط فرنسا في براثن الاحتلال النازي، ثم استعادتها مرة أخرى بعد هزيمة هتلر، إضافة إلى الصراع الفرنسي - الجزائري في ظل محاولات الجزائر الحصول على استقلالها، ثم الصراع بين الجزائرين بعضهم بعضاً من أجل النفوذ والوصول إلى السلطة.

وكانت آنيت جزءاً من كل تلك الحوادث وشاهداً عليها، وأسهم الصراع الذي هيمن على مفاصل السرد في دفع عجلة الأحداث وزيادة التشويق الذي عززته طبيعة الشخصية المحورية كونها شخصية مغامرة شاركت في مهمات سرية كلفها بها الحزب الشيوعي، ومهمات أخرى لم تتبع فيها سوى صوتها الداخلي، وانضمت إلى حركة التحرير الوطني الجزائرية وتعرضت للحبس واستطاعت الهرب. وقد حف كل تلك الأحداث كثير من الأخطار التي استثمرتها الكاتبة، وأبرمت بموجبها اتفاقاً ضمنياً مع القارئ يبقيه طوال رحلة السرد قيد الترقب واحتباس الأنفاس.

الحب والحزن

على رغم كثرة العلاقات في حياة آنيت فإن حبها الأول كان الأكثر أثراً في حياتها وفي النص أيضاً، فكان للأحداث التي تعرض لها حبيبها رولان وقتله بيد الميليشيات الفرنسية أثر في ما غلف السرد من حزن شفيف، وخلّف حالاً من التطهير تشبه أثر التراجيديا اليونانية، كما عمدت الكاتبة إلى تحقيق مزيد من التماهي مع النص والشخوص عبر ما أبرزته فيها من جوانب تثير الإعجاب و التعاطف، لا سيما مع الحبيب المقتول وأيضاً مع آنيت التي ابتلعتها بعد موته حال من الوحدة، وفراغ تعاظم مع الذين تتابعوا على حياتها بإرادتها أو امتثالاً لإرادة الحزب.

ثم تفاقمت مأساتها بفراق أبناءها الثلاثة واضطرارها إلى الهرب كي تتجنب السجن، وقد حوى النص كثيراً من المفارقات والرؤى الدالة ظاهراً على تناقضات النفس الإنسانية، بينما يبرهن تأملها، على السواء النفسي، والاتساق مع الذات، فالبطلة تجهض جنينها كي تنقذ أطفالاً آخرين من القتل، ومرجع ذلك رؤيتها أن في النضال لا وقت للأطفال.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كذلك تستميت في إنقاذ اليهود الملاحقين من قبل النازية، ثم تخاطر من أجل حرية العرب المسلمين في الجزائر لأن ولاءها للإنسان والحرية والحياة، لا لدين ولا لطائفة، ومرة أخرى تخاطر آنيت من أجل حرية وطنها المحتل من الألمان ثم تعمل ضده بسبب احتلاله مستعمرات أخرى، فوقوفها لم يكن إلا بوجه الظلم وإن جاء به وطنها. "ثمة احتلال وقمع ويمارسان هذه المرة باسم فرنسا أي باسمها هي أنيت، الجنرال نفسه الذي قاوم الألمان مع ديغول يحارب الآن أهل فيتنام الأصليين، ويبدو أن السادة الجنرالات يرون أن احتلال البلاد الأجنبية أمر مشروع ما داموا هم المحتلين". (ص 112)

الميثولوجيا اليونانية

ما عاشته أنيت يماثل ملحمة يونانية، وهذا ما وشى به عنوان الرواية منذ اللحظة الأولى في رحلة السرد، ثم أكدته الحقائق والبطولات التي ساقتها الكاتبة من حياة بطلتها، وكذلك ما استدعته من شخصيات الميثولوجيا اليونانية، مثل أوديسيوس وسيزيف، فقد أبرزت التماثل بينهما وبين البطلة التي تشبه أوديسيوس ملك إيثاكا الأسطوري، حين مات رفقاؤه واحداً إثر الآخر خلال رحلته الشاقة والطويلة وظل وحيداً، بينما تشابهت وسيزيف في ذلك الثقل الذي حملته مثله على كاهلها في طريق لا ينتهي، وإنما يدفع بها مرة بعد مرة لنقطة البداية من جديد، فتكتشف في كل مرة أن نضالها وما جنته من شقاء لم يحولا دون استمرار العنف والظلم والتعذيب والفوضى، وأن ما تحقق بعد الكفاح المرير لم يرتق لثمن فادح دفعته وتضحيات غالية بذلتها.

وكما أبرزت التماثل بين بطلتها وأبطال الأساطير الإغريقية، أبرزت تماثلاً آخر بين سلوك جبهات النضال، فالجيش الفرنسي كان يعذب أسراه تماماً كما كان يفعل الجيستابو الذي كان يعذب عناصر المقاومة الفرنسية، وكذلك فعلت جبهة التحرير الوطني، ليتكشف عبر هذا التماثل الغايات الحقيقية من الصراع، وهي بلوغ السلطة وحسب.

معارف تاريخية

ومثلما انفتحت الرواية على الأسطورة انفتحت كذلك على التاريخ، إذ وثقت أحداثاً كبيرة رسمت خرائط جديدة لحدود وحياة الشعوب، ومنها الحرب المزيفة أو الحرب المضحكة كما أطلق عليها الفرنسيون، الصراع بين قوات الحلفاء ودول المحور في الحرب العالمية الثانية، عمليات التطهير الوحشي بعد انتهاء الحرب، وانتهاء الوجود الفرنسي في كثير من مستعمرات فرنسا، مثل الجزائر وتونس وتشاد والسينغال. كما مررت معارف عن الفكر الشيوعي وممارسات الحزب الشيوعي في فرنسا، والأسباب التي دفعت كثيراً من أتباعه إلى الانشقاق عنه، ومررت كذلك معارف عن جماعة اليد الحمراء وجبهة التحرير الوطني في الجزائر والطريق الذي سلكته إلى الاستقلال، وعن تمرد بو مدين على بن بلة وما تلاه من أحداث في الداخل الجزائري، وحروب أهلية دموية.

وبدت براعة المترجم  سمير جريس في نقل الأحداث إلى وعاء لغوي جديد تحقق الشعور نفسه الذي تحققه قراءة النص قي لغته الأم، لا سيما وأنه طوع اللغة الجديدة "العربية"، لتحمل جماليات النص الأصلي والتقنيات التي عمدت الكاتبة إلى استخدامها، بخاصة وأنها أكدت مراراً حضورها داخل السرد بصفتها الحقيقية. وعلى رغم ما تخلل السرد من حدود فاصلة بين الفضاء الحقيقي والسردي، فقد اتصلت تلك الفضاءات على انفصالها اتصالاً قدر له التناغم والانسجام.

المزيد من ثقافة