ما تأثير خفض الفائدة الأميركية على الاقتصادات الخليجية؟

4 بنوك مركزية في المنطقة تتفاعل مع القرار... وتوقعات بانتعاش الإقراض المحلي

متعامل بالبورصة السعودية يراقب حركة الأسهم (أ.ف.ب.)

تحمل قرارات خفض الفائدة للبنوك المركزية الخليجية تأثيرات إيجابية تنعكس على الاقتصادات المحلية، مع تراجع تكلفة الإقراض المحلية، وتشجيع الأفراد على الاستثمار، بحسب حديث خبراء ومحللين لـ"إندبندنت عربية".

وخفّضت السعودية والإمارات والبحرين وقطر أسعار الفائدة، فيما قررت الكويت تثبيتها من دون تغيير، بينما لم تعلن سلطنة عُمان موقفها إزاء القرار.

وتربط الدول الخليجية عملاتها بالدولار الأميركي مما يحدّ من فرص تلك الدول في التمتع بسياسات نقدية مستقلة، وحافظت خمس من دول مجلس التعاون الخليجي على ربط عملاتها بالدولار الأميركي لعقود، فيما ظلّت الكويت هي الدولة الخليجية الوحيدة التي تربط عملتها بسلة من العملات.

وقرر مجلس الاحتياطي الاتحادي الفيدرالي الأميركي، مساء الأربعاء، خفض أسعار الفائدة بربع نقطة مئوية، للمرة الأولى منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2008، بعد أن نفّذ 9 زيادات عليها منذ ديسمبر (كانون الأول) 2015، صعودا من نطاق 0 - 0.25%.

المرونة المطلوبة

وفي هذا الشأن، قال محمد رمضان، الخبير الاقتصادي، إن خفض الفيدرالي الأميركي لأسعار الفائدة، وتفاعل البنوك المركزية الخليجية معه، يوفّر المرونة المطلوبة لاستغلال أداة الفائدة في صالح النمو الاقتصادي، مع نشاط قطاع التمويل، خصوصا المشروعات ذات الربحية المنخفضة، وسيكون القطاع العقاري أكثر القطاعات المستفيدة من خفض الفائدة.

وأفاد رمضان بأنه "مع تراجع أسعار النفط في 2014 ظهرت الأزمة الحقيقية لدى دول الخليج، في ظل نمو الاقتصاد الأميركي والتوجه نحو رفع أسعار الفائدة، بينما تحتاج اقتصادات الخليج إلى سعر فائدة منخفض يساعدها على تجاوز الأزمة الناجمة عن هبوط أسعار النفط بسبب زيادة المعروض وتأثر موازناتها".

وذكر رمضان أن "ملاحقة البنك المركزي الأميركي بشكل مستمر قد لا يكون بالخيار السليم لاقتصادات المنطقة، لأن ذلك قد يخلق حالة من الاختلال بالسياستين، النقديّة والماليّة، ولكن نجد الكويت الدولة الخليجية الوحيدة التي حافظت على سياستها النقدية، وخالفت المركزي الأميركي أكثر من مرة بما يتناسب مع الاقتصاد المحلي، بينما وافقت توجهات باقي البنوك المركزية الخليجية مما ترك أثراً سلبياً على النمو الاقتصادي والاقتراض المحلي، بينما في المقابل كان الاقتصاد الأميركي في مرحلة نمو جيدة بسبب انخفاض أسعار النفط".

وخالف بنك الكويت المركزي توجهات البنوك المركزية الخليجية، وأبقى على سعر الخصم دون تغيير عن مستواه الحالي البالغ 3%، وذلك في إطار الحرص على تعزيز الأجواء الداعمة للنمو الاقتصادي غير التضخمي للقطاعات غير النفطية، والمحافظة على تنافسية العملة الوطنية وجاذبيتها كوعاء للمدخرات المحلية، باعتبارها ثوابت راسخة للتوجهات الأساسية للسياسة النقدية.

وسعر الخصم الذي يقرّره بنك الكويت المركزي، هو سعر محوري تتحدد بموجبه ضمن هوامش معينة الحدود القصوى لأسعار الفائدة على معاملات الاقتراض بالدينار الكويتي لدى البنوك المحلية.

وقال المركزي الكويتي، في بيان، إن التثبيت جاء في إطار المتابعة المتواصلة لتطورات الأوضاع الاقتصادية والنقدية والمصرفية واتجاهاتها المتوقعة والمراجعة الدورية لمستجدات اتجاهات أسعار الفائدة على العملات العالمية وقرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بشأن تخفيض أسعار الفائدة على الدولار الأميركي.

تنشيط العملية الاقتصادية

وفي ذات الصعيد، قال عبد الله باعشن، الخبير الاقتصادي، إن "خفض الفائدة له دور في تنشيط العملية الاقتصادية وعلاج الركود المالي من خلال تنشيط الاقتراض وخفض التكلفة، وستستفيد كل القطاعات التي تحتاج للتمويل لا سيما القطاعات الصناعية والإنتاجية والعقارية، إضافة إلى دعم القوى الشرائية للأفراد في ظل تكلفة منخفضة على الاقتراض".

وذكر باعشن أن "عملية خفض الفائدة ستقلل أرباح البنوك، ولكن في نفس الوقت يمكن تعويضها بمصادر أخرى عبر زيادة حجم الاقتراض ونمو العوائد المحققة من حركة الأموال مع النشاط المصاحب للعملية النقدية".

ويرى باعشن أن "التأثير على اقتصادات دول الخليج ليس بالكبير، ويبقى العامل الأساسي المؤثر في النمو الاقتصادي هو النفط المصدر الرئيس للدخل، وقد ينعكس خفض الفائدة على انخفاض التكلفة على المشروعات الإنتاجية، وبالتالي تراجع أسعار السلع وهبوط معدلات التضخم".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقال أحمد معطي، المدير التنفيذي لشركة "فيرجن انترناشيونال ماركتس"، إن "خفض سعر الفائدة الأميركية يأتي في ظل الضغوط والهجوم المستمر من الرئيس الأميركي على الاحتياطي الفيدرالي بخصوص طلبه المستمر تخفيض الفائدة نظرا لارتفاعها الذي يشكل عائقا له في تحقيق خطة التنمية وتشجيع المشروعات".

وتابع معطي "إغلاقات الأسواق الخليجية أغلقت أمس الأربعاء على تباين منتظرة خبر الفائدة الأميركية والتي دائما ما يتأثر بها الخليج والعالم"، متوقعاً أن "تستفيد الأسهم الخليجية وبخاصة التي قامت بتخفيض الفائدة، حيث يوجد علاقة عكسية بين سعر الفائدة والاستثمار في الأسهم، حيث يقوم المستثمرون بسحب إيداعاتهم من البنوك، وذلك لأن العائد على الودائع انخفض مما يزيد شهية مخاطرة المستثمرين على الاستثمار في البورصة".

وأكد أن "القرار يشجّع المستثمرين على الاقتراض وإنشاء مشاريع تنموية لأن سعر الفائدة مع انخفاض تكلفة الاقتراض إضافة إلى تراجع تكلفة الديون المتراكمة على الشركات الكبرى، ينعكس على أداء الشركات المدرجة بسوق الأسهم ويحقق نتائج أفضل، كما تستفيد الدول من الأمر بانخفاض قيمة المصروفات على الديون المحلية".

وحول أكبر القطاعات المستفيدة من قرار تخفيض الفائدة، فيرى معطي أن العقارات سيزيد الإقبال عليها كوعاء ادّخاري واستثماري بدلا من الفائدة المنخفضة بالبنوك وقطاع التشييد ومواد البناء وقطاع الخدمات، أما عن قطاع البنوك فسيتأثر من ناحية الإيداعات والسيولة، حيث تنخفض الإيداعات ويزيد سحب العملاء لأموالهم، ولكن في نفس الوقت تزيد طلبات القروض من الشركات بسبب انخفاض فائدة الديون.

أما عن تأثير القرار على التضخم، قال معطي إن "خفض الفائدة سيؤدي إلى ارتفاع التضخم، ولكن ليس بشكل كبير وسيتم تداركه سريعا، ففي حالة انخفاض الفائدة يبحث المستثمرون والمودعون عن وعاء ادخاري آخر، وسيزيد الطلب على العقارات والذهب وسلع ومنتجات أخرى، والتي تحفظ قيمة النقود مما يؤدي إلى زيادة في أسعار هذه السلع، وارتفاع في التضخم ولكنه طفيف ويسهل تداركه".

سلاح ذو حدين

وعن القطاعات الاقتصادية المستفيدة والمتضررة من قرار خفض الفائدة، قال علي حمودي، المستشار الاقتصادي، إن "خفض سعر الفائدة من الإشارات المهمة والتي تعتبر سلاحا ذا حدين، فتأثيرها سلبي لقطاعات حيوية مثل المصارف، فيما تخيّم الإيجابية على قطاعات أخرى مثل العقارات وما يتبعها من خدمات".

وأضاف أن "خفض أسعار الفائدة سيدفع هامش ربح البنوك للتراجع، وهو ما سينعكس على الأداء التشغيلي لتك المصارف ويؤهلها لمرحلة جديدة من فقد عملاء على المدى المتوسط".

وبيّن حمودي أن "البنوك الإسلامية ستتفاعل مع القرار من خلال خفض أسعار الفائدة على الإقراض، بينما لن ترفع الفائدة على الودائع لديها، أما البنوك التقليدية فستتفاعل مع القرار من خلال خفض الفائدة على الإيداع والإقراض".

تحسن القطاع العقاري

ولفت إلى أن "القطاع العقاري، الذي يعتبر من أكبر القطاعات الاقتصادية بدول الخليج، من المرجح أن يشهد بعض التحسن في ظل تراجع تكلفة المشاريع الإنشائية المتوقع، وهو ما سيؤدي إلى انتعاش مؤقت له".

وأشار إلى أن القطاع يحتاج إلى دراسة جادة حالياً بدول الخليج الكبرى مثل السعودية والإمارات وقرارات حكومية لإعادة النشاط إليه بقوة، لأنه من الأعمدة الرئيسة لاقتصاديات تلك الدول، مؤكدا أن الشركات التي تعتمد على التمويلات والقروض من البنوك والمؤسسات المالية بدول الخليج ستؤخر خطط إعادة الهيكلة، وذلك مع قرار الخفض التاريخي الذي سيؤدي إلى تكلفة الدين عليها.

وتوقع حمودي خفض تكلفة السياحة بكل قطاعاتها، وخصوصاً العلاجية التي تأتي من دول عملاتها غير مرتبطة بالدولار، مشيراً إلى أن الانخفاض المتوقع الذي سيحدث للعملة الأميركية سيؤثر أيضاً على صناعة السياحة.

وقال المستشار الاقتصادي إن "الشركات الصناعية وشركات التصدير بتلك الدول سيمثل القرار لديها تعزيزا للمكانة وقدرتها على المنافسة وسيقلل التكاليف عليها مع هبوط الدولار المتوقع وذلك عند تصدير منتجاتها إلى دول لا تعتمد الربط بالدولار في عملاتها، وكذلك الشركات صغيرة الحجم والمتوسطة التي تعتمد على البنوك في تعزيز رأسمالها".

وقال إن "ذلك يشكل حافزاً كبيراً لديها وسينعكس إيجابيا على أدائها التشغيلي إذا تم خفض الفائدة لأكثر من مرة هذا العام، وهو الأمر غير الواضح إلى الآن في ظل تصريحات رئيس الفيدرالي بأنه قرار استثنائي، فضلا عن أن تراجع التنافس بين سعر الفائدة على الودائع بالبنوك وعائد الاستثمار في أسواق المال المحلية بتلك الدول سيحفز ويرفع من شهية المستثمرين وخصوصاً الأجانب في الإقبال على الأسهم".

قرارات البنوك الخليجية

وقررت مؤسسة النقد العربي السعودي "ساما" (البنك المركزي) خفض معدل اتفاقيات إعادة الشراء من 300 نقطة أساس إلى 275 نقطة أساس، وخفض معدل اتفاقيات إعادة الشراء المعاكس من 250 نقطة أساس إلى 225 نقطة أساس، على أن يسري مفعول هذا القرار فوراً، ويهدف القرار إلى استمرار الحفاظ على الاستقرار النقدي. ​

كما خفّض المصرف المركزي لدولة الإمارات أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس على كل عملياته الأساسية، ليتم خفض سعر إعادة الشراء (الريبو)، الذي ينطبق على اقتراض سيولة الأجل بضمان شهادات الإيداع، بـ 25 نقطة.

وفي خطوة مماثلة، خفّض مصرف البحرين المركزي سعر الفائدة الأساسي على ودائع الأسبوع الواحد بواقع 25 نقطة أساس، من 2.75% إلى 2.50%، كما تم خفض سعر الفائدة على ودائع الليلة الواحدة من 2.50% إلى 2.25، وسعر الفائدة على ودائع الشهر الواحد من 3.10% إلى 2.85%. هذا بالإضافة إلى تغيير سعر الفائدة الذي يفرضه المصرف المركزي على مصارف قطاع التجزئة مقابل تسهيلات الإقراض من 4.50% إلى 4.25%.

وفي نفس السياق، خفّض مصرف قطر المركزي سعر فائدة الإقراض 25 نقطة أساس إلى 4.75%، وأوضح أنه اتخذ القرار آخذا في الاعتبار تطورات الاقتصاد الكلي على الصعيدين المحلي والدولي.

خفض الفائدة في ضوء التطورات العالمية

وقال الفيدرالي الأميركي، في بيان إنه "قلّص أسعار الفائدة على الأموال الاتحادية إلى نطاق 2- 2.25%، مقارنة مع 2.25 و 2.50%، وذلك في ضوء تداعيات التطورات العالمية على التوقعات الاقتصادية، وكذلك ضغوط التضخم الصامتة، والمعلومات منذ اجتماع لجنة السوق المفتوحة في يونيو(حزيران) الماضي التي تشير إلى أن سوق العمل ما تزال قوية، والنشاط الاقتصادي ارتفع بمعدل معتدل، وظلت نسبة البطالة منخفضة".

وذكر الاحتياطي الفيدرالي أن "قرار خفض الفائدة يدعم وجهة نظره بأن التوسع المستمر للنشاط الاقتصادي، وظروف سوق العمل القوية، والتضخم بالقرب من المستهدف 2%، هي النتائج الأكثر ترجيحا، ولكن تظل هناك شكوك حول هذه التوقعات".

وعقب قرار رفع الفائدة، صرح رئيس مجلس الاحتياطي الأميركي، جيروم باول، بأن التوقعات لاقتصاد الولايات المتحدة تظل "إيجابية"، وأن قرار الفائدة من شأنه تعزيز عودة أسرع للتضخم إلى مستوى 2% ضمن النطاق المستهدف‎، مقارنة مع مستويات أقل من المأمول. وتباطأ نمو اقتصاد الولايات المتحدة إلى 2.1% في الربع الثاني 2019، مقابل 3.1% في الربع السابق له.

وعبّر الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، عن استيائه من قرار الفيدرالي بخفض نسبة الفائدة وأنه دون توقعاته، وقال ترمب في تغريدة على تويتر "كالعادة، جيروم باول (رئيس الفيدرالي)، خذلنا بقراره، لكنها بداية لخفض التشديد، لكنها بداية لدورة مقبلة في خفض أسعار الفائدة، تماما كما تقوم به كل من الصين والاتحاد الأوروبي".

وكان ترمب قد هاجم الفيدرالي، قبل يومين من الاجتماع، بما يفيد أن إقدامهم على خفض سعر الفائدة بنسبة صغيرة "ليس كافيا"، وكانت رغبة الرئيس الأميركي تتمثل في إعلان الفيدرالي خفض أسعار الفائدة على الأموال الاتحادية بنصف نقطة مئوية بدلا من ربع.

ويعتمد الفيدرالي الأميركي في قرار أسعار الفائدة على 3 عناصر رئيسة، تتمثل في قوة سوق العمل، ومؤشر التضخم، والنمو الاقتصادي المحلي والعالمي.