مصر تعزز دورها الرقابي في مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب

محللون: التدفّقات المالية غير المشروعة تدمر الاقتصاد... ومستخدموها على درجة عالية من الاحترافية

قدَّر البنك الدولي التدفقات المالية غير المشروعة بنحو تريليون دولار سنوياً (أ.ف.ب)

فرضت جريمتا تبييض الأموال وتمويل الإرهاب نفسيهما على المستويين العربي والعالمي، إذ أصبحتا تهددان اقتصاد كثيرٍ من الدول، حسب محللين، لا سيما النامية منها.

الخبراء من جانبهم حذروا من تفشي تلك الظاهرة ومخاطرها، مشيرين إلى أن "القضاء عليها ليس بالأمر باليسير"، نظراً لاحترافية الجماعات التي تستخدمها، حيث التقنيات الحديثة والأساليب التكنولوجية المتطورة.  

تبييض الأموال وتمويل الإرهاب

في القاهرة نظَّمت وحدة مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب المصرية، بالتعاون مع البنك المركزي المصري، "ورشة العمل السنويَّة المشتركة للتطبيقات وبناء القدرات" لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

وقال رئيس الحكومة المصرية مصطفى مدبولي، خلال الورشة، إن "مصر وضعت الأطر التشريعية والرقابية الخاصة بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب من تشريعات وقوانين ولوائح وضوابط رقابية وقواعد للتعرف على هُوية العملاء بمختلف المؤسسات المالية".

وأضاف "هذه الأطر تأتي اتساقاً مع المعايير الدولية الخاصة بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، التي وضعتها المنظمات الدولية، وعلى سبيل الخصوص الأمم المتحدة ومجموعة العمل المالي FATF".

منظمة حكومية دولية، مقرها في العاصمة الفرنسية باريس، أُسست سنة 1989م، وتهدف مجموعة العمل المالي لمحاربة تزوير العملات وتمويل الإرهاب، ولديها 37 عضواً في المنظمة، وانضمت السعودية إليها كأول دولة عربية في 21 يونيو (حزيران) 2019.

تجفيف المنابع

وتابع مدبولي، "مخاطر تبييض الأموال وتمويل الإرهاب تُمثل أهم الأخطار التي تُهدد استقرار النظام المالي والاقتصادي العالمي، وأهمية تقييم تلك المخاطر ترجع إلى الحجم الهائل من الأموال المتحصلة من الجرائم التي يتم تبييضها وتُمثل نسبة لا يُستهان بها من إجمالي الناتج المحلي العالمي، إلى جانب درجة الاحتراف العالية التي تتسم بها الجهات التي تقوم بعمليات تبييض الأموال، التي أصبحت تتمتع بآليات منظمة تستخدم بشكل متزايد مختلف التقنيات الحديثة والنظم المتطورة للاتصالات".

ولفت رئيس الوزراء إلى أن "مكافحة تبييض الأموال تشكَّل أهمية متصاعدة مع اتساع دائرة الإرهاب ومنظماته محلياً وإقليمياً ودولياً"، مضيفاً أن "تزايد عمليات تبييض الأموال ومدى ارتباطها بتمويل الإرهاب أعطى عمقاً جديداً لهذه الآفة العابرة للحدود التي اتخذت أشكالاً جديدة، وتنوّعت وتشعبت مستفيدة من التقنيات الحديثة والمتطورة في وسائل الدفع والخدمات المصرفية الجديدة وأساليب التواصل الإلكتروني المتطور من خلال القنوات المصرفية".

وأوضح، أن "وحدات التحريات المالية تُعد في صدارة الجهات المعنية بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب على المستوى المحلي والإقليمي والدولي، إذ تقوم بجمع وتحليل المعلومات من الجهات المبلِّغة وغيرها من الجهات المختصة والتعامل مع الطرق المستحدثة التي يستخدمها المجرمون والإرهابيون لتبييض متحصلات جرائمهم، وكذا جمع الأموال المستخدمة في تنفيذ العمليات الإرهابية، لذا فمن الأهمية بمكان تبادل الخبرات على كل المستويات الاستراتيجية والتشغيلية، للوقوف على أوجه القوة والتحديات، التي تواجه كل منها، والعمل على إيجاد حلول لتلك التحديات، ما يؤدي بالنهاية إلى تعزيز قدراتها".

تدفقات مالية غير مشروعة

أحمد سعيد خليل رئيس مجلس أمناء وحدة مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، قال "مكافحة جرائم تبييض الأموال وتمويل الإرهاب ليست بالأمر اليسير، وتحتاج إلى جهد دؤوب على المستويين الإقليمي والدولي، لا سيما في ظل عولمة الاقتصاد ونمو أسواق المال الدولية، ومن ثم باتت عملية مكافحة هاتين الجريمتين من الموضوعات المهمة والمعقدة على مستوى العالم".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويعزو خليل وجه التعقيد إلى "درجة الاحتراف العالية التي تتسم بها الجماعات التي تقوم بعمليات تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، التي أصبحت تتمتع بآليات منظمة تَستخدم بشكل متزايد مختلف التقنيات الحديثة والنّظم المتطورة للاتصالات".

وأضاف، "العالم يواجه حالياً، لا سيما منطقتنا العربية، الكثير من التحديات التي تفرضها التدفقات المالية غير المشروعة على سلامة النظم الاقتصادية بها في ظل التطورات التي تشهدها المنطقة والمخاطر ذات الطابع العالمي، مثل الإرهاب والتهرب الضريبي والاتجار بالبشر وغيرها".

تدمير الاقتصاد

وأشار إلى أن "التدفّقات المالية غير المشروعة تدمر اقتصاد الدول عموماً والدول النامية خصوصاً"، مؤكداً "أن تبييض الأموال يحرم الدول التي في طور النمو من موارد مالية هي بأشدّ الحاجة إليها نتيجة حرمان الاقتصاد من أموال لو استثمرت لحققت نمواً مستداماً على الاقتصاد".

انخفاض معدلات التنمية

واختتم رئيس مجلس أمناء وحدة مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، قائلاً "بعض الدراسات الصادرة عن البنك الدولي أوضح أن التدفقات المالية غير المشروعة قدرت بنحو تريليون دولار سنوياً، وهو ما يقابله انخفاض في معدلات التنمية المستدامة بنحو 100 مليار دولار سنوياً".

كما قدّرت بعض الدراسات أن "كل دولار من المساعدة التنموية الموجّهة للدول النامية يقابله 10 دولارات تخرج في شكل تدفّقات نقدية غير مشروعة"، مشيراً إلى أن "حجم الأموال الناتجة عن الاتجار غير المشروع بالأحياء البرية قدر وفقاً للإحصاءات الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة بنحو 70 إلى 213 مليار دولار سنوياً، ويمثل هذا حدود المساعدات التنموية الرسمية العالمية، التي تبلغ نحو 135 مليار دولار سنوياً، ما يحرم اقتصاديات الدول النامية من مليارات الدولارات من تلك العوائد المفقودة وفرص التنمية الضائعة، في حين تستفيد منها تلك الجماعات الإجرامية".

تعديل القانون

يذكر أن مصر وفي إطار سعيها إلى مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب عدَّلت في 20 مارس (آذار) عام 2014 بعض أحكام قانون مكافحة تبييض الأموال الصادر بالقانون رقم 80 لسنة 2002.

استهدفت التعديلات توسيع نطاق عمل وحدات مكافحة تبييض الأموال ليشمل مكافحة جرائم تمويل الإرهاب، لتساعد الأجهزة المعنية على تجفيف منابع تمويل العمليات الإرهابية.

 

وفي يونيو (حزيران) الماضي أعلنت أجهزة وزارة الداخلية المصرية خلال الفترة من 1- 6- 2018 إلى 31- 5- 2019 ضبط (61) قضية "تبييض أموال في مجال الاتجار غير المشروع بالمواد المخدرة"، إذ بلغت القيمة التقديرية الناجمة عن تلك القضايا، والتي حُصِرتْ بالتنسيق مع الجهات المعنية بالدولة خلال تلك الفترة 3 مليارات و401 مليون جنيه (نحو 204 ملايين دولار أميركي).

تطبيقات الذكاء الاصطناعي

وعربياً طالب المشاركون في الملتقى المصرفي العربي، الذي نظَّمه اتحاد المصارف العربية في مدينة شرم الشيخ المصرية في منتصف الشهر الحالي بضرورة توسع البنوك العربية في "أساليب مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب والاستفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي".

وحسب البيان الختامي للملتقى طالب المشاركون أيضاً، "الجهات الرقابية بوضع مؤشرات استرشادية لعمليات تبييض الأموال المتعلقة بجرائم الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين بهدف الكشف عن تلك الجرائم".

فضائح تبييض الأموال

أمَّا دولياً فقالت المفوضية الأوروبية، الأربعاء 24 يوليو (تموز) الماضي، إن "البنوك والسلطات الوطنية في الدول الأعضاء بالتكتل لا تطبق قواعد الاتحاد الأوروبي بالكامل".

وحسب وكالة (د.ب.أ)، أفادت المفوضية في تقرير أنه في كثيرٍ من الحالات لم تنفذ بنوك الاتحاد الأوروبي القواعد بشكل سليم، وفي بعض الحالات لم تلتزم بها على الإطلاق.

وأشارت المفوضية إلى أن "فعالية هيئات الرقابة الوطنية متباينة، خصوصاً فيما يتعلق بالإشراف على البنوك عبر الحدود".

المفوضة القضائية فيرا جوروفا قالت "لدينا قواعد صارمة لمكافحة تبييض الأموال على مستوى الاتحاد الأوروبي، لكننا نحتاج من جميع الدول الأعضاء تنفيذ هذه القواعد على أرض الواقع".

وتأتي النتائج التي توصَّلت إليها السلطة التنفيذية للاتحاد الأوروبي في أعقاب قضايا تبييض أموال بارزة، مثل تلك التي حدثت في مصرف "دانسك بنك" الدنماركي.

وأعلن البنك الدنماركي في فبراير (شباط) الماضي أنه سيغلق عملياته في دول البلطيق وروسيا بعد الاعتراف بأمور متعلقة بفرعه في إستونيا بين عامي 2007 و2015.

وتحقق السلطات في دول عدة في اتهامات بحدوث عمليات تبييض أموال بقيمة مليارات اليورو مرتبطة بمحفظة العملاء غير المقيمين الخاصة بـ"دانسك بنك" في إستونيا.

وأشارت جوروفا إلى "أن الفضائح الأخيرة أظهرت أنه يتعين على الدول الأعضاء التعامل مع الأمر على أنه حاجة ملحة"، ومن المقرر أن يتم كتابة توجيه جديد بشأن تبييض الأموال في القوانين الوطنية للدول الأعضاء في 2020، وهو من شأنه أن يعزز، ضمن أمور أخرى، صلاحية وحدات الاستخبارات الماليّة، وأن ينظم العملة الافتراضية.

المزيد من اقتصاد