العراق... المحكمة الاتحادية تثبت المادة 140 من الدستور

"تحقيق العدالة في المناطق التي تعرضت لتغيير الوضع السكاني من خلال الترحيل والنفي"

لاقى قرار المحكمة الاتحادية العراقية ترحيباً استثنائياً من قِبل القوى الكردية (موقع المحكمة الاتحادية العراقية)

حسمت المحكمة الاتحادية العراقية، أعلى سُلطة قضائية في البِلاد، جدلاً سياسياً وقانونياً عراقياً حول المادة 140 من الدستور العراقي، وأقرت في بيان رسمي بأن هذه المادة لا تزال سارية المفعول إلى حين تنفيذ كامل مُتطلباتها الخاصة بإعادة الأوضاع في المناطق العراقية المُتنازع عليها إلى ما كانت عليها قبل عمليات التغيير الديموغرافي عبر التهجير وإسكان القادمين الجُدد، التي مارسها النِظام العراقي السابق، بالذات في محافظة كركوك المُتنازع عليها.

جدل سياسي

تصاعدت المماحكات السياسية بين القوى الكردية والتركمانية والعربية في هذه المناطق طوال الأشهر الستة الماضية، مترافقة مع الجدالات البينية بشأن تعيين محافظ كردي جديد لمحافظة كركوك. حيث تملك القوى السياسية الكردية الغالبية في مجلس محافظة كركوك، بديلاً عن المحافظ المؤقت المعين من الحكومة المركزية المقال نجم الدين كريم.

إلى جانب ذلك الحدث، فإن القوى الكردية بقيت تعترض على احتكار الحكومة المركزية إدارة المناطق المتنازع عليها، مطالبة بأن تشترك قوات البيشمركة ومؤسسة الأسايش الأمنية الكردية في تلك الإدارة، تماهياً مع ما كان قد اتفق عليه الطرفان بعد عام 2003، إلى حين تطبيق المادة 140 من الدستور، الخاصة بتحديد تابعية تلك المناطق.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الهروب من تطبيق الدستور

القوى الكردية كانت تتهم الحكومة المركزية بالهروب من تطبيق الدستور، سواء من خلال مضايقة مجلس محافظة كركوك وعدم إتاحة المجال أمامه لانتخاب محافظ جديد، أو من خلال عدم تطبيق المادة 140 من الدستور، التي تنص في أولى فقراتها على تطبيع الأوضاع في تلك المناطق ومن ثم إجراء إحصاء عام فيها، وختاماً بإجراء استفتاء بشأن تحديد تابعيتها.

القوى التركمانية والعربية كانت تقول إن مجلس محافظة كركوك لم يعد صالحاً لانتخاب محافظ جديد، لأنه مجلس منتخب منذ عام 2005، ولم تحصل انتخابات لمجلس المحافظة منذ ذلك الوقت، وكانت هذه القوى العربية والتركمانية تطلب بأن يبقى المحافظ المؤقت الحالي إلى حين إجراء انتخابات مجالس المحافظات في ربيع العام المقبل.

كذلك، فإن القوى السياسية غير الكردية كانت تعتبر أن المادة 140 من الدستور العراقي لم تعد سارية المفعول، باعتبار أن نصها الحرفي في الدستور يقول إن آخر موعد لتطبيقها هو 31 ديسمبر (كانون الأول) عام 2007.

حسم مؤقت

البرلمان العراقي استجاب لتلك الجدالات بين القوى السياسية العراقية، وطلب من المحكمة الدستورية الاتحادية العراقية النظر بمدى سريان المادة 140، لحسم الجدل السياسي بشأنها، والذي يؤثر في الآليات التنفيذية، الأمنية والإدارية، بالذات في تلك المناطق.

البيان الصادر عن المحكمة الاتحادية أوضح كل التفاصيل، فقد أكد البيان أن المادة 140 لا تزال سارية المفعول تماماً، وأنها ستبقى كذلك إلى حين تنفيذ مستلزماتها والهدف من تشريعها، قاصدة به الخطوات الثلاث التي نصت عليها هذه المادة، بتطبيع الأحوال في تلك المناطق وإجراء الإحصاء العام فيها، واستفتاء سُكانها المحليين حول تابعيتهم الإدارية والسياسية، سواء لإقليم كُردستان أو الحكومة المركزية.

تحقيق الأهداف

المحكمة الاتحادية العراقية أشارت إلى أنها وجدت أن ذلك هو لتحقيق الأهداف التي أوردتها المادة 58 من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية الرامية إلى "تحقيق العدالة في المناطق التي تعرضت إلى تغيير الوضع السكاني من خلال الترحيل والنفي والهجرة القسرية، وذلك وفق الخطوات المرسومة في المادة 58 المذكورة آنفاً"، بحسب التعبير الحرفي في بيان المحكمة الاتحادية العراقية.

أضافت المحكمة الاتحادية العليا أنها وجدت أن هذه الخطوات لم تستكمل، ويبقى الهدف من وضع وتشريع المادة 140 مطلوباً وواجب التنفيذ، مؤكدة أن الموعد المحدد في تنفيذ المادة 140 قد وضع لأمور تنظيمية ولحضّ المعنيين على تنفيذها ولا تمس جوهرها وتحقيق هدفها.

 ترحيب كردي

لاقى قرار المحكمة ترحيباً استثنائياً من قِبل القوى الكردية، التي اعتبرته حسماً للجدل الطويل الذي خاضته بشأنها، مطالبة السلطة التنفيذية بالإسراع لتنفيذ متطلبات هذه المادة، كون قرارات المحكمة الاتحادية مُلزمة لكل السلطات التنفيذية في البِلاد، وعلى رأسها الحكومة المركزية. سياسيون كرد من الحزب الديمقراطي الكردستاني صرحوا لوسائل إعلام محلية أن قرار المحكمة الاتحادية دليل على نزاهة القضاء العراقي، متمنين أن يكون هذا القرار بوابة لعودة الشراكة بين الكرد وغيرهم من العراقيين في إدارة الدولة العراقية، مؤكدين أن سرعة تنفيذ هذه المادة هو معيار الشراكة بين الطرفين.

كتلة الاتحاد الوطني الكردستاني في البرلمان العراقي أكدت أن قرار المحكمة الاتحادية الأخير جاء لتصحيح المسارات الخاطئة في التعامل مع هذه المادة الدستورية، بحسب تعبير كتلة الاتحاد الوطنية، مضيفة "أن تنفيذ المادة 140 ضرورة ملحة لا مناص من تنفيذها، وهي خريطة الطريق الوحيدة لحل مشاكل كركوك، من أجل رفع الظلم الذي سبّبته ممارسات النظام السابق والمتمثّلة بتغيير الوضع السكاني لمناطق معيّنة من ضمنها كركوك، من خلال ترحيل ونفي الأفراد من أماكن سكناهم، ومن خلال الهجرة القسرية من داخل المنطقة وخارجها".

رفض عربي وتركماني

الجبهة العربية الموحدة، أكبر القوى السياسية العربية في محافظة كركوك، انتقدت قرار المحكمة الاتحادية الأخيرة، معتبرة في بيان رسمي أن "المادة 140 مادة دستورية ميتة بحكم الدستور الذي ألزم الحكومة والبرلمان العمل بها لفترة زمنية محددة هي لغاية 31/12/2007".

كذلك، فإن الجبهة صعّدت في وجه رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي، متهمة إياه بتسليم نفط كركوك إلى الإقليم من دون مقابل، ومُحملة الحكومة المركزية تبعات ما سمّته "تدهور الأوضاع في كركوك نتيجة التراكمات التي تحصل من ضعف المواقف الحكومية تجاه عودة الأمور إلى قبل خطة فرض القانون من الفوضى والانفلات الأمني"، بحسب تعبير البيان.

ووافقت الجبهة التركمانية نظيرتها العربية، إذ استغربت في بيان رسمي من هذا القرار الصادر عن المحكمة الاتحادية، معتبرة أن "قضية كركوك هي مفتاح وحدة العراق والتفريط بها هو تفريط بالوحدة الوطنية، ولا يمكن أن تحل عبر الآليات التي وضعتها المادة 140، وإنما أساس الحل هو التوافق بين مكوناتها". وأضافت الجبهة أنه سواء جرى الاعتراف بدستورية هذه المادة أم لا، فإنها لن تحل قضية كركوك، مذكرة بأن الحل التوافقي الذي يحظى بموافقة مكونات المحافظة هو مفتاح كل الحلول.

المزيد من العالم العربي