التردد الإيراني بين إيجابية التفاوض واستمرار تحدي المجتمع الدولي

فرض إدارة دولية لمضيق هرمز سيتسبب بأزمات في علاقات مسقط مع طهران والدول المعنية بالجهود المبذولة لتشكيل التحالف

عباس عراقتشي مساعد وزير الخارجية الإيرانية وممثل إيران في الأمم المتحدة كاظم غريب عبادي (يمين) يتحدثان في 28 يوليو 2019 إلى وسائل الإعلام بعد اجتماع اللجنة المشتركة لخطة العمل المشتركة الشاملة في فيينا (أ.ف.ب) 

على الرغم من حرص المعاون السياسي لوزير الخارجية الإيرانية وكبير المفاوضين النوويين عباس عراقتشي، على الحديث عن الأجواء الإيجابية التي سيطرت على الاجتماع الدولي للجنة متابعة الاتفاق النووي، الذي عُقد في فيينا بغياب الولايات المتحدة الأميركية، إلا أن الإصرار الإيراني على التمسك بمسار تقليص وخفض التزاماتها ببنود الاتفاق، خصوصاً ما يتعلق برفع مستوى التخصيب وتخزين اليورانيوم، يكشف أن الأمور ما زالت تراوح مكانها.

وبعد مرور نحو شهر على الخطوة الثانية من مهلة الأيام الستين التي حددتها إيران للانتقال إلى الخطوة الثالثة، يبدو أن طهران بدأت الإجراءات التي تسمح بهذه الخطوة، من خلال الحديث عن توجه لدى طهران للانتقال إلى مستوى تخصيب يصل إلى درجة 20 في المئة، بتجاوز السقف الذي حددته في الخطوة الثانية بمستوى 4.5 في المئة، إضافة إلى الإعلان عن بدء التحضيرات لتشغيل مفاعل أراك للماء الثقيل وإنتاج البلوتونيوم، وهي الخطوة التي تبقى مرهونة بمدى التقدم وحجمه اللّذين قد تحرزهما المفاوضات التي تجريها مجموعة 4+1 ومقدرتها على إقناع الولايات المتحدة في تسهيل محاولات وضع آليات تسمح بالخروج من الأزمة وعودة طرفي النزاع، أي واشنطن وطهران، إلى طاولة المفاوضات، خصوصاً أن جميع أطراف هذه المجموعة في الاجتماع الأخير، تحدثت عن اجتماع قريب لممثلي هذه الدول وإيران على مستوى وزراء الخارجية، ما يعني أنه من المفترض أن تتكثف هذه الاجتماعات وصولاً إلى بلورة رؤية واضحة لآلية الحل، تسمح بعقد لقاء على المستوى الوزاري.

"إنستكس"
ويبدو أن الدول المشاركة في الاجتماع الأخير للجنة متابعة الاتفاق النووي، حاولت تمرير تطمينات أوروبية ودولية إلى الجانب الإيراني من خلال الحديث عن تفعيل عمل آلية "إنستكس" المالية تتعدى آلية "الدواء والغذاء"، من خلال التوصل إلى مخارج عملية للمطلب الإيراني الأساسي بأن تشمل عملية التبادل المالي قطاع النفط وصادرات إيران النفطية وكيفية الحصول على عائدات هذه الصادرات، وقد عزز هذا التوجه إعلان سلطات الجمارك الصينية استمرار الصين باستيراد النفط الإيراني وعدم التزام العقوبات الأميركية في هذا الإطار.

وبانتظار تبلور الموقف الأميركي الواضح من الجهود الأوروبية والدولية المبذولة بغية تخفيف حدة التوتر والتصعيد بين واشنطن وطهران، خصوصاً مع الاعتقاد السائد بتراجع خيار الحرب، الذي قد يتم تظهيره في اجتماع قمة الدول الصناعية السبع الذي ستستضيفه مدينة بياريتز الفرنسية أواخر شهر أغسطس(آب) المقبل، يبدو أن إيران قد بدأت بتحضير جدول العروض الذي يمكن أن تتقدم به على طاولة المفاوضات مقابل الحصول على ضمانات أميركية، تبدأ بخطوات عملية على طريق إعادة بناء الثقة بين الطرفين التي عادت وتراجعت بعد الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي وفرض عقوبات خانقة ضد طهران.

الوضع المستجد في مضيق هرمز والجهود الأميركية والأوروبية من أجل تحالف دولي لتأمين سلامة وعبور ناقلات النفط والسفن التجارية في هذا المضيق، بعد الخطوة الإيرانية باحتجاز ناقلة النفط البريطانية واقتيادها إلى القاعدة العسكرية لحرس الثورة في بندر عباس، شكل تهديداً مباشراً وخطيراً لما تعتبره طهران ورقة استراتيجية في ممارسة سيادتها وقوتها في هذا المضيق، وبالتالي فإن الاستنفار الإيراني في محاولة تثبيت البعد القانوني الذي يسمح لها بالإشراف على إدارة هذا المعبر المائي الدولي سيكون مطروحاً من قبل إيران، أي السعي إلى الحصول على ضمانات دولية بعدم المس بما تعتبره حقاً، مقابل التعاون في توفير الأمن ووقف الاستفزازات لعبور الناقلات، على أن تتراجع واشنطن والدول الغربية عن خيار تشكيل تحالف دولي لمواكبة النقل البحري في المضيق وما يشكله من تحد لإيران ومصالحها الاستراتيجية.

 

تجاوز الآليات
وعلى خط الملف النووي، فإن الجانب الإيراني قد يذهب إلى بلورة المقترح الذي قدمه وزير الخارجية محمد جواد ظريف خلال زيارته الأخيرة إلى الأمم المتحدة في نيويورك عن استعداد بلاده لتجاوز الآليات القانونية في نقاش البروتوكول الإضافي للتفتيش المباغت للمنشآت النووية والذهاب مباشرة إلى التوقيع عليه وتنفيذه، بما يعطي الوكالة الدولية للطاقة الذرية والجانب الأميركي مقدرة على القيام بعمليات تفتيش أوسع وأكبر على النشاطات النووية لإيران.

أما على الصعيد الاقتصادي، فقد سبق ووجه الوزير ظريف أيضاً إشارات إيجابية لواشنطن في هذا الإطار، من خلال الحديث عن إمكان فتح باب التبادل الاقتصادي ودخول الاستثمارات الأميركية إلى القطاعات الاقتصادية الإيرانية، وذلك في إطار تطوير ما بدأ بعد توقيع الاتفاق النووي في عهد الرئيس باراك أوباما، وعقد اتفاق مع شركة "بوينغ" لتزويد إيران بأكثر من 100 طائرة نقل مدني، واشارته إلى مسؤولية الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن إيقاف العمل به. وبالتالي، فإن إمكان العودة إلى هذا التعاون قد تكون ممكنة في حال أوقفت واشنطن العقوبات الاقتصادية ضد إيران ثم ألغتها.

وعلى الرغم من خطورة الحسابات التي لجأت إليها إيران في ما يتعلق بأمن مضيق هرمز ومحاولة فرض هيمنتها على هذا الممر المائي الاستراتيجي، فإنها تسعى إلى فرض معادلة جديدة إقليمياً، تجبر دول المنطقة والعواصم الكبرى، خصوصاً واشنطن على الحد من الضغوط حول نفوذها الإقليمي ودورها في المنطقة، وبالتالي محاولة تحقيق تحويل في الاهتمامات الأميركية والدولية في الإصرار على الملفات الإشكالية مع طهران، باتجاه ملفات وأزمات جديدة. وفي هذا السياق، يمكن التوقف عند الزيارة التي قام بها وزير الشؤون الخارجية لسلطنة عمان يوسف بن علوي إلى طهران، التي تُعتبر مختلفة في جوهرها عن الزيارة السابقة قبل نحو شهرين، وعن الدور الذي لعبته سلطنة عمان للحد من التوتر بين طهران وواشنطن. فهي تأخذ بعداً أشمل يتجاوز طرفَيْ الأزمة الرئيسَيْن، وتتعداها إلى محاولة فتح قنوات حوار وتفاهم بين طهران ولندن على خلفية أزمة ناقلتَيْ النفط في مضيقَيْ جبل طارق وهرمز، يساعده في ذلك الموقف الذي أعلنه رئيس الوزراء البريطاني الجديد بوريس جونسون الذي أكد أنه "لن يلجأ إلى قرارات متسرعة في التعامل مع إيران"، ما يعطي لمهمة بن علوي فرصة النجاح في وضع الأزمة بين البلدين على سكة الحل، مستفيداً من العلاقات المميزة التي تربط سلطنة عمان بلندن وطهران.

التحرك العُماني باتجاه طهران والسعي إلى حل أزمتها مع العاصمة البريطانية، يأخذ بعداً عُمانياً أمنياً واقتصادياً وسياسياً، نظراً إلى كون مسقط معنية مباشرة بأي تعديل دولي وعسكري يطال آلية التعامل مع مضيق هرمز وعبور إمدادات الطاقة والسفن التجارية، إذ تُعتبر عمان الدولة الوحيدة في منطقة الخليج التي تشترك مع إيران في تولي إدارة هذا المضيق، وإن فرض إدارة دولية لهذا المعبر الاستراتيجي سيتسبب بأزمات في علاقات مسقط مع طهران والدول المعنية بالجهود المبذولة لتشكيل التحالف الدولي. ومن الصعب عليها اعتماد خيار الذهاب إلى القبول بهذا التحالف، الذي سيكون بمثابة التخلي عن دورها التاريخي الذي لعبته في نزع فتائل التوتر والتصعيد بين المجتمع الدولي وإيران – تجربة الحوار الأميركي والإيراني والتمهيد للاتفاق النووي- إضافة إلى إمكان استعداء إيران، ما يؤدي إلى انكفاء دورها في العديد من الملفات الإقليمية الإشكالية التي تعتبر إيران معنية بها، خصوصاً ما يتعلق بأمن الإقليم وإسرائيل. من هنا، لم يكن مستغرباً أن تتمحور المحادثات التي أجراها بن علوي مع المسؤولين الإيرانيين حول "الإرهاب الاقتصادي الذي تقوم به واشنطن والتطورات الإقليمية والأمن في الخليج ومضيق هرمز وبحر عمان". وتأكيد الوزير العماني على ضرورة العودة إلى اعتماد الطرق السابقة في حل الأزمات بين إيران والمجتمع الدولي وقطع الطريق على تزايد التوتر في المنطقة والحد من الخطوات والإجراءات التي تؤثر سلباً في استقرار المنطقة وأمنها، والتخلي النهائي عن إمكان اللجوء إلى الوسائل العسكرية في حل الخلافات السياسية.

 

مبادرة راند بول

في ظلّ المساعي الدولية والإقليمية لوقف التوتر بين واشنطن وطهران وتسهيل العودة إلى طاولة المفاوضات، وبعد الجهود التي بذلتها هذه المساعي لمعرفة الموقف الإيراني من خلال التحرك الدبلوماسي المتبادل بينها وبين طهران،  قد تشهد المرحلة المقبلة جهوداً مماثلة لهذه المساعي مع الجانب الأميركي خصوصاً مع الرئيس ترمب، ومن المتوقع أن تنصب هذه الجهود على العمل من أجل إقناعه بتعيين ممثل سياسي خاص لبحث الأزمة الإيرانية، بناء على الإشارات التي حملتها مبادرة السيناتور الجمهوري راند بول واللقاء الذي عقده مع وزير الخارجية الإيرانية بعد موافقة ترمب، في خطوة قد تُسهم في عودة الطرفين إلى طاولة مفاوضات مفتوحة في إطار حوار دولي مشترك، تمهد لها إجراءات أميركية بالحد من العقوبات مقابل إعلان إيران العودة إلى تنفيذ التزاماتها ببنود الاتفاق النووي، وأن تسحب واشنطن تمسكها بالبنود الإثني عشر التي سبق أن أعلنها وزير الخارجية مايك بومبيو، مقابل أن تلتف طهران على موقف المرشد الأعلى الذي سبق أن رفع شعار "لا حرب ولا تفاوض".

المزيد من تحلیل