عودة المتاريس إلى شوارع الخرطوم بعد مقتل متظاهرين في الأبيض

استعداد لاستئناف المفاوضات بين "المجلس العسكري" و"قوى الحرية والتغيير" الثلاثاء

شهدت الساحة الأمنية في السودان مزيداً من التدهور اليوم الاثنين، فغداة استخدام قوات الأمن القوة لتفريق تظاهرات شككت بالنتائج التي توصل إليها تحقيق حول العملية الدامية لفض اعتصام المحتجين أمام مقر قيادة الجيش في الخرطوم الشهر الماضي، قُتل 8 متظاهرين بالرصاص، أربعة منهم طلاب، وأُصيب آخرون بجروح، خلال مسيرة احتجاجية انطلقت الاثنين في مدينة الأُبيض، عاصمة ولاية كردفان وسط السودان، بينما أحرق متظاهرون مبنى "بنك الخرطوم" في المدينة ذاتها، وفق ما ذكرت مصادر إعلامية.
وأعلنت لجنة أطباء السودان المركزية المقرّبة من المعارضة، في بيان في وقت سابق، مقتل خمسة أشخاص "إثر إصابتهم إصابات مباشرة برصاص قناصة في مدينة الأبيض بعد خروجهم في موكب الثانويات السلمي"، مشيرةً إلى إصابة ثمانية آخرين بإصابات في الوجه والبطن والصدر.
وأكّد بيان لـ"تجمع المهنيين السودانيين" الذي أطلق الاحتجاجات، نشره في صفحته على "فيسبوك" حدوث "إطلاق الذخيرة الحية على موكب طالبات وطلاب المدارس"، داعياً "الكوادر الطبية في مدينة الأبيض إلى التوجه إلى قسم الطوارئ بمستشفى الأبيض التعليمي والمستشفيات الأخرى التي تستقبل حالات المصابين". ودعا التجمّع كذلك الشعب السوداني "للخروج للشوارع في مواكب هادرة تنديداً بمجزرة الأبيض ومطالبةً بتقديم الجناة للعدالة ونقل مقاليد الحكم لسلطة انتقالية مدنية"، علماً أن الأُبيض لم تشهد تظاهرات كبيرة ضد الرئيس السابق عمر البشير خلال الاحتجاجات التي انطلقت في 19 ديسمبر (كانون الأول) 2018.

وعلى إثر ذلك، أعلن حاكم ولاية شمال كردفان، في بيان، فرض حظر تجوّل ليليّ "في مدن الولاية، الأُبيض وأم روابة والرهد أبو دكنة وبارا اعتباراً من الاثنين بين التاسعة مساء (19,00 ت.غ.) والسادسة صباحاً (04,00 ت.غ.) حتى إشعار آخر".

وأفاد شهود، مساء الاثنين، بأن قوات مكافحة الشغب السودانية أطلقت الغاز المسيل للدموع لتفريق مئات المحتجين المندّدين بأحداث الأُبيض، في حي بحري شمال الخرطوم وحي بوري شرق العاصمة، فيما أفاد آخرون بأنّ بعض المتظاهرين بدأوا بإقامة متاريس في الشوارع الرئيسية للمدينة.

استئناف المفاوضات حول الإعلان الدستوري

ولم تذكر اللجنة سبب خروج التظاهرة، لكنّها تأتي في ظل الاستعداد لاستئناف المفاوضات بين "المجلس العسكري" وقادة حركة الاحتجاج في السودان الثلاثاء، بشأن الإعلان الدستوري المتعلّق بتشكيل حكومة مدنية تدير المرحلة الانتقالية في البلاد. وكان قادة المجلس العسكري وحركة الاحتجاج وقّعوا بالأحرف الأولى، صباح 17 يوليو (تموز) الحالي، "إعلاناً سياسياً" لتشكيل مجلس عسكري- مدني مشترك يؤسس لإدارة انتقالية تدير البلاد خلال مرحلة تستمر 39 شهراً، وهو أحد المطالب الرئيسة للمحتجين.
في هذا السياق، قال وسيط الاتحاد الأفريقي محمد الحسن لبات في بيان "دعوت وفدَيْ التفاوض من المجلس العسكري الانتقالي وإعلان قوى الحرية والتغيير إلى الاجتماع لبتّ المرسوم الدستوري نهائياً وغيره من القضايا ذات الصلة، الثلاثاء الساعة 11:00 صباحاً"، مشيراً إلى أن جلسة تفاوض تقنية بين ممثلي الطرفين ستُعقد الاثنين.

وأكد القيادي في حركة الاحتجاج بابكر فيصل لـ"وكالة الصحافة الفرنسية"، استئناف المباحثات حول "الإعلان الدستوري"، متوقعاً "التوصل إلى اتفاق الثلاثاء لأن الخلافات ليست كبيرة" بين الطرفين. وأوضح فيصل أن المباحثات ستتناول "الحصانة المطلقة" التي يطالب بها جنرالات الجيش و"صلاحيات مجلس السيادة" المشترك و"مظاهر الانتشار العسكري" في مختلف مدن البلاد.

السيسي يلتقي "حميدتي"

ونصّ الاتفاق بين طرفي النزاع في السودان على أن يتألّف مجلس السيادة المشترك من 11 عضواً، ستّة مدنيين، من بينهم خمسة من "قوى الحرية والتغيير"، وخمسة عسكريين، على أن يترأسّه العسكريون أولاً لـ 21 شهراً ومن ثمّ المدنيين لـ 18 شهراً.
وفيما كان مقرّراً استكمال المفاوضات حول "الإعلان الدستوري" بعد يومين من توقيع "الإعلان السياسي"، أُخِّر إجراؤها بعد تحفّظ ثلاث حركات متمرّدة منضوية في حركة الاحتجاج على اتفاق تقاسم السلطة، لأنه لم يضع مسألة تحقيق السلام في ثلاث ولايات سودانية، هي دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان كأولوية، وفق المعترضين. وانتهى الخلاف بين قادة الاحتجاج والحركات الثلاث بعد عقد مفاوضات في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا لتسوية الخلافات الداخلية بينهم.

في غضون ذلك، التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي صباح الاثنين، نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي محمد حمدان دقلو، المعروف بـ "حميدتي"، وناقش معه الأوضاع في السودان، وفق المتحدّث باسم الرئاسة المصرية بسام راضي. وأضاف راضي أن السيسي شدّد على "الموقف الاستراتيجي الثابت لمصر تجاه دعم استقرار وأمن السودان وشعبه الشقيق".

 

نتائج تحقيق النيابة العامة في أحداث فض الاعتصام

وشكّل الاتفاق الذي توصّل إليه طرفَيْ النزاع في السودان خرقاً في الأزمة السياسيّة التي تشهدها البلاد منذ الإطاحة بالرئيس عمر البشير، في 11 أبريل (نيسان)، بعد أشهر من التظاهرات ضدّ حكمه. وتصاعدت حدة التوتر في البلاد مع فضّ اعتصام المحتجين أمام مقر القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم، 3 يونيو (حزيران) الماضي، الذي أوقع عشرات القتلى والجرحى.

في هذا الصدد، كشف محققون سودانيون من النيابة العامة والمجلس العسكري الحاكم السبت، أنّ عناصر من قوات الأمن، من بينهم جنرال في قوات الدعم السريع، شاركوا في العملية الدامية لفض الاعتصام من دون أن يتلقوا أوامر رسمية بذلك. وأعلن رئيس فريق التحقيق فتح الرحمن سعيد أنّ ثمانية ضباط يواجهون اتهامات بارتكاب جرائم ضدّ الإنسانية، مؤكّداً مقتل 87 شخصاً بين يومي 3 و10 يونيو 2019، سقط 17 منهم في ساحة الاعتصام يوم فضّه، بينما تقول لجنة أطباء السودان المركزية إن 127 شخصاً قُتلوا في ذلك اليوم.

المعارضة ترفض النتائج

لكنّ قادة الاحتجاجات شكّكوا في نتائج التحقيق ورفضوها بالكامل، وجددوا مطالبتهم بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة لا تضم ممثلين عن الأجهزة الأمنية. وقال "تجمّع المهنيين السودانيين"، الذي أطلق الاحتجاجات ضدّ البشير، في بيان السبت، إنّ "اللجنة كُوِّنت بتكليف من المجلس العسكري، وهذا يطعن بنزاهتها لأن المجلس العسكري متهم في هذه القضية وهو خصم فيها ولا يمكن أن يكون الخصم هو الحكم".

وإثر ذلك، خرجت تظاهرات السبت والأحد في الخرطوم، استجابةً لدعوات "تجمع المهنيين". وهتف المحتجون "حرية سلام وعدالة" و"مدنية مدنية". وأفاد شهود بأن قوات مكافحة الشغب فرّقت المحتجين سريعاً بواسطة الغاز المسيل للدموع، بينما ردّ المحتجون برشق القوات بالحجارة.

واتهم المحتجون ومنظمات حقوقية مراراً قوات الدعم السريع التي يقودها "حميدتي"، بالهجوم على المعتصمين، فيما يرفض الأخير هذه التهم، مؤكّداً أنه لم يأمر بفض الاعتصام. واعتبر أن هدف هذه الاتهامات تشويه سمعة قواته.

المزيد من العالم العربي