مساع إسرائيلية للإسهام في التأثير في الاتفاق المحتمل بين أميركا وإيران

قلق من الصفقة ودعوة إلى ضرورة الاستعداد لاحتمال صناعة قنبلة نووية

نتنياهو يتابع رفقة السفير الأميركي لدى تل أبيب ديفيد فريدمان فيديو حول تجربة صواريخ "حيتس 3" المشتركة مع الولايات المتحدة خلال اجتماع الحكومة الإسرائيلية الأحد 28 يوليو (رويترز)

أجواء الفرح والانتصار التي أبداها رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، بعد الإعلان عن نجاح تجربة صواريخ "حيتس 3" المشتركة مع الولايات المتحدة، لا تعكس حقيقة ما يجول داخل الرجل، وحالة القلق التي تسيطر عليه.
صحيح أن هذه التجربة تشكل رسالةً واضحة لإيران، مفادها أن الولايات المتحدة لم توقف التنسيق الأمني والدفاعي مع إسرائيل، لكن تل أبيب تدرك أن الدعم الأميركي لن ينسحب على أي اتفاق مع إيران. فامتداح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في نهاية احتفال نجاح التجربة الصاروخية المشتركة، قدراته التفاوضية مع طهران وقوله إن "إيران تريد إتمام صفقة. أنا أستطيع أن أقول لكم هذا منذ الآن"، لخبطت حسابات نتنياهو وأعادته إلى حقيقة تقلقه، وهو في ذروة النشوة. ويدرك رئيس الوزراء الإسرائيلي أنه سيجد صعوبةً هذه المرة في الانتقاد العلني لأي اتفاق سيبلوره ترمب مع إيران، ويقلقه التوصل إلى اتفاق جديد غير جيد بما يكفي من قبله بشأن البرنامج النووي، تكون فيه إسرائيل ملزمةً بالتصفيق له والصمت إعلامياً أمامه.
 

اتفاق يتجاوز النووي
 

يتوقع خبراء وأمنيون إسرائيليون ألا يقتصر الاتفاق المتوقع بين إيران والولايات المتحدة، على البرنامج النووي الإيراني، كحال الاتفاق الذي تم التوصل إليه في عام 2015، إذ عملت شخصيات أمنية وسياسية في إسرائيل خلال الأشهر الأخيرة على تنسيق بنود أخرى على أمل أن يقبل بها ترمب ويعرضها في الاتفاق، من بينها "وقف دعم الإرهاب، وفق تعبير الإسرائيليين، الانسحاب من سوريا، تفكيك الميليشيات الشيعية وتقليص البرنامج الصاروخي".
ولم يخفِ إسرائيليون قلقهم من خطورة تنفيذ إيران برامج عدة، بعد الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي وإعادة العقوبات، كتخصيب اليورانيوم بمستوى أعلى من الحد الذي نصّ عليه الاتفاق النووي. وجاء في تقرير إسرائيلي حول الموضوع أنه "في حال بدأت إيران بتخصيب اليورانيوم بمستوى أعلى بكثير، مع أجهزة طرد مركزي متطورة أكثر، وتكثيف نشاطها في مفاعل أراك النووي، فذلك يدل على أنها قررت تكثيف مساعيها للحصول على قنبلة نووية. في هذه الحالة، وكما أشارت "القناة 13" في التلفزيون الإسرائيلي ستجد تل أبيب نفسها وحيدة في مواجهة طهران. وجاء في تقرير القناة "معروف أن ترمب يرتدع عن استخدام القوة العسكرية، ربما سيغرقنا بالسلاح والعتاد، إلا أنه لا يمكن التعويل عليه بأن يكون شريكاً في عملية عسكريّة لردع الإيرانيين". وخلص التقرير إلى القول إنه "أمام هذا الوضع يجب تجديد الخيار العسكري الإسرائيلي وتحسينه، حتى يكون بمقدوره تأخير جدّي في تحقيق إيران طموحاتها النووية".
في هذا الجانب قال الخبير العسكري ألون بن دافيد "ليس سراً أن الخيار العسكري الإسرائيلي أمام إيران محدود. سلاح الجو يعرف كيف يقضي على المفاعل النووي الإيراني لكنه، في حقيقة الأمر، لا يملك القدرة على معرفة ما طوره الإيرانيون من أجل الحصول على قنبلة نووية". وأضاف بن دافيد "حتى ثمن تحقيق الخيار العسكري سيكون كبيراً، فبغض النظر عن حزب الله الذي يشكل تهديداً عسكرياً كبيراً، تملك إيران ترسانة صواريخ متطوّرة، منتشرة في العراق وفي سوريا، وهذا تهديد كبير لإسرائيل".

 

تطوير أدوات "المعركة بين الحروب"
 

في ظل التخوف الإسرائيلي من طبيعة الاتفاق المتوقع بين ترمب وطهران، يتم بحث سبل التعامل مع مواجهة التحديات المتوقع أن تنتج من هذا الاتفاق بالنسبة إلى إسرائيل.
واقترح الرئيس السابق لوحدة الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي، عاموس يدلين، على القيادتين السياسية والعسكرية في إسرائيل وضع خطة شاملة تضمن نشاطاً استخباراتياً إلى جانب الاستعداد العسكري لمواجهة المخاطر المختلفة المتوقعة من إيران، من بينها خطوة عسكرية إيرانية مباشرة أو غير مباشرة ضد إسرائيل، في كل الجبهات التي تشهد حضوراً إيرانياً.
ودعا يدلين إلى التوصل إلى تفاهمات إستراتيجية مشتركة مع الولايات المتحدة حول الرد على خطوات عسكرية إيرانية، وتعديل النشاطات التي تُنفَذ ضمن ما تسميه إسرائيل "المعركة بين الحروب"، وهي العمليات العسكرية التي ينفذها سلاح الجو الإسرائيلي بداعي أنها تؤجل الحرب.
وقال يدلين "علينا الاستعداد لاحتمال أن تتوصل الولايات المتحدة وإيران إلى تفاهمات حول تعديل الاتفاق النووي، بخاصة بشأن تمديد الفترة إلى حين انتهاء مدة الاتفاق، إلى جانب الاتفاق بشأن تحسين الإشراف على المنشآت النووية الإيرانية، إنتاج سلاح نووي، البرنامج الصاروخي الإيراني وسعي إيران إلى تحقيق هيمنة إقليمية".
كما لحظ يدلين أهمية أن تكون إسرائيل مستعدة لاحتمال أن تختار إيران التصعيد وتستأنف نشاطها النووي لجمع مواد مخصبة بنسبة 20 في المئة، وتختصر الفترة المحتملة للوصول إلى المادة الانشطارية، وحتى الاستعداد لاحتمال انسحاب إيران من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية. وحذّر يدلين من تجاهل إمكان عدم قيام واشنطن بأي عمل فعال من أجل وقف البرنامج النووي الإيراني.
 

الملف الإيراني في ألاسكا
 

سياسياً، تجري تحركات إسرائيلية لمحاولة التأثير في الاتفاق المتوقع مع إيران، ووصل إلى ولاية ألاسكا، السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة رون دريمر، لإجراء محادثات تتعلق بالملف النووي الإيراني.
وجرت هذه المحادثات خلف أبواب مغلقة لكن الاهتمام الإسرائيلي بالملف دفع ببعض المسؤولين إلى الحديث عبر "القناة 13" التلفزيونية، فأصدرت الرقابة العسكرية أمراً يمنع أي نشر عما دار فيها.
وجاء في تقرير القناة أن وصول دريمر إلى ألاسكا لبحث الملف الإيراني إنما يدل على تعميق أكبر للتعاون الأمني بين تل أبيب وواشنطن. ولفتت القناة إلى أن الرقابة العسكرية الإسرائيلية منعتها من نشر تفاصيل إضافيّة عن اللقاء، على أن يتم نشرها خلال الأيام المقبلة.
وربط تقرير القناة بين زيارة السفير وبين تصريحات مسؤولين في وزارة الدفاع الأميركيّة، كشفوا فيها أن إيران أجرت تجربة لإطلاق صاروخ باليستي متوسط المدى، من طراز "شهاب 3" يصل مداه إلى 1000 كيلومتر.
يذكر أن واشنطن حريصة جداً على الحفاظ على العلاقات الأمنية مع إسرائيل، بل وتوطيدها، وينعكس ذلك في الدعم المادي الكبير الذي تقدمه واشنطن إلى تل أبيب، حيث تصل قيمة المساعدات العسكرية إلى حوالى أربعة مليارات دولار، إضافة إلى التدريبات العسكريّة المشتركة وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مجال الدفاع الصاروخي، وآخره كان في تجربة "حيتس-3".

المزيد من العالم العربي