الممثل والمخرج البرازيلي فاغنر مورا: الحقيقة ماتت ونعيش زمن التضليل

مسلسل "ناركوس" جعله نجما وفيلمه حصد نجاحا في مهرجان برلين

الممثل والممخرج البرازيلي فاغنر مورا (اندبندنت عربية)

اشتهر الممثّل البرازيلي فاغنر مورا من خلال مسلسل "ناركوس"، قبل أن يقرر تقديم فيلم سينمائي عن كارلوس ماريغيللا (1911 - 1969) بصفته مخرجاً. ماريغيللا هو المناضل الماركسي الذي اغتاله العسكر في البرازيل. عُرض الفيلم في الدورة الأخيرة من مهرجان برلين السينمائي، حيث نال اهتماماً كبيراً لأسباب عدة، أهمها نجومية مورا الذي طار صيته عالمياً من خلال حلقات "ناركوس" حيث جسّد دور مروّج المخدّرات الكولومبي بابلو إسكوبار. يُضاف إلى هذا، تزامن العرض مع وصول أقصى اليمين إلى الحكم في البرازيل مع انتخاب بولسونارو رئيساً، ما حوّل مورا مادة دسمة للصحافة الغربية على الرغم منه. فهو بات في صفوف المعارضة، من عداد الفنانين الذين انتفضوا ضد مشروع طاغية بدأ يلوح في الأفق، بعدما مسك السلطة في أكبر دولة لاتينية في القارة الأميركية. وسط هذه المعمعة، بدا مورا، الشاب الأربعيني المهموم بالفنّ والسياسة، شخصية نضالية تحتاج إلى دعم الأقلام الطامحة إلى التغيير لمواجهة آلة التضليل الإعلامي البرازيلية التي أقدمت على شيطنته وإعلانه "العدو الرقم واحد للشعب”، بعدما تجرأ على أفلمة سيرة ماريغيللا المثير للجدل، والذي لا يزال يُنظر إليه، بعد مرور نصف قرن على اغتياله، باعتباره إرهابياً شريراً.

صفحات تاريخية سوداء

لم يخفْ مورا من الحملة التي تعرض لها طوال فترة تصوير الفيلم. أصر أن يقلّب الصفحات السود من كتاب التاريخ الضخم. روى لي أثناء حوار مع "اندبندنت عربية" أنه لم يتخيّل يوماً أن الفيلم سينزل إلى الصالات وبولسونارو رئيساً للبلاد. فانتخابه لم يكن وارداً قط، لا بل من عاشر المستحيلات، وشيء لم يخطر إلى باله حتى في ألعن الكوابيس. يشعر بالأسف أن المجتمعات كافة في سائر أنحاء الغرب بدأت تنحاز إلى أقصى اليمين من دون الأخذ في الاعتبار الخيارات التي تترتب سياسياً واجتماعياً وأخلاقياً على هذا الانحياز. يذكر ترامب في حديثه، قائلاً إنه مهّد الطريق لكلّ هذا الخراب. على الرغم من النجاحات التي حققها على المستوى الشخصي في السنوات الأخيرة، فهذا الممثّل الوسيم يبدو على قدر عال من التشاؤم، وهذا إن دل على شيء، فعلى ذروة الوعي السياسي والقدرة على فصل المسار الشخصي عن المسار العام.

لا يخفي مورا نظرته اليسارية، ولكن لا يعفي التيار الذي ينتمي إليه من التقصير والفشل الدائم في إيجاد علاج لأمراض مزمنة يعاني منه العصر الحالي. يعلن بصريح العبارة أن اليسار في كلّ العالم لم يفهم بعد ماذا يحصل. "نحن نشهد على هذا كله من دون أن نعلم كيف نتعامل معه"، يقول ثم يتابع: "قرأتُ أن ترامب يكذّب ١١ مرة في اليوم، ولا أحد يهتم. هذا شيء يخيفني. الحقيقة كما كنّا نعرفها ماتت".

كثر من اليساريين الذين ينبذون العنف لا يعتبرون ماريغيللا نموذجاً سياسياً لهم. يعلق قائلاً: "حتى في الستينيات، كان شخصية مثيرة للجدل لا إجماع حولها. في أي حال، اليسار يضم الكثير من التوجهات المختلفة. اليسار حالياً يعاني من ضياع شامل في كلّ أنحاء العالم. لا نعرف كيف نرد على كلّ هذا الجنون المتفلت الذي حولنا لنحمي الناس منه".

صعوبات في التمويل

واجه مورا صعوبات كبيرة في تمويل الفيلم. أحد لم يرغب في التورط في المشروع. استغرق تحقيقه خمس سنوات. حتى الآن، لا يوجد في البرازيل مَن يتولى توزيعه. يتوقع مورا ردوداً متضاربة حوله، إذ إن السردية التي يقوم عليها هي إدانة الديكتاتورية في البرازيل (1964 - 1985) والتذكير بأنها نهشت الجسد البرازيلي لأعوام، وكذلك نسفْ محاولات البعض للتخفيف من وطأتها وتحريف التاريخ. "لم تكن ديكتاتورية ناعمة بل كانت انقلاباً عسكرياً"، يردد مورا هذه الفكرة مشدداً عليها.

خلافاً لكثر يحاولون إخفاء رأيهم السياسي والتحول تدريجاً إلى فنّان مساوم يساير الأطراف كافة، يقول مورا إنه مسيّس للعظم، ومواقفه هذه يدفع ثمنها غالياً. يروي أن في مقابلة مصوّرة أجراها مع موقع إلكتروني يساري، قال إن الحوار هو من صلب العمل الديموقراطي، وهو مستعد لمحاورة مَن يخالفونه الرأي، ولكن المشكلة أنه عندما ينظر إليهم لا تعود له رغبة في التحدّث مع أي منهم، لشدّة عدائيتهم. إلا أنه، خلال المقابلة، أخذته الرغبة في مسح أنفه بسبب إصابته بالزكام، فاستغل الشعبيون هذا ونشروا المقطع قائلين عن مورا بأنه فنان وصولي يتعاطى المخدّرات.

يذكّر "ماريغيللا" بعض الشيء بأسلوب كوستا غافراس يوم كان أحد أقطاب الفيلم السياسي في العالم. سألته كيف تعامل مع مشاهد الحركة، فقال: "ببساطة، وقد أبدو غبياً وأنا أكشف هذا، قلتُ لمدير التصوير: تخيل أن الأخوان داردن ينجزان فيلم حركة (ضحك). وهذا ما فعلناه".

هل نجد شخصيات كماريغيللا في هذه الأيام؟ يقول: "مارييل فرنكو، سياسية من أصول أفريقية، اغتيلت وهي في سيارتها، والاحتمال الأكبر أن رجل أمن هو الذي اغتالها. حصل هذا العام الماضي. كانت حقوقية، يسارية، ومناصرة لقضية المرأة ومثلية. هناك كثر مثل ماريغيللا. صديقي جان ويليس، أول سياسي يعلن عن ميوله الجنسية في البرازيل، اضطر إلى الفرار بعدما واجه الكثير من التهديدات. لذلك، أريد لهذا الفيلم أن تدعمه الأقليات: السود الذين يعيشون في بيوت الصفيح، مجتمع الميم، السكّان الأصليون للبرازيل. أريد أن يجدوا في ماريغيللا الصوت الذي فقدوه، لأنهم أكثر المستهدفين في هذه السلطة الجديدة. تخيل أن محافظ ريو دو جانيرو الجديد سافر إلى إسرائيل لشراء أجهزة دروم مزودة برشاشات، كي تتمكن الشرطة من قصف العشوائيات وقتل سكّانها. ما أطمح إليه اليوم هو أن يصبح ماريغيللا أكثر شهرةً وانتشاراً".

ختاماً، كان لا بد من الحديث عن بابلو إسكوبار. قال مورا: "التطرق إلى موضوع المخدّرات شيء جد معقد. إسكوبار في رأيي ليس بطلاً. في المقابل، أراعي ظروف الكولومبيين في تقييمي لهم، وأتفهمهم. إسكوبار كان له دور مهم في ظرف اجتماعي لا يمكن تجاهله. احتل منطقة كاملة وأعطاها للناس كي يبنوا عليها بيوتهم، يوم كانت الدولة تهملهم. لا يوجد ما هو أسوأ من تصوير هؤلاء الناس باعتبارهم غير آدميين. عندما مثّلتُ في "الفرقة النخبة"، تعاطيتُ مع الشرطة المدربة لمداهمات خطرة. اكتشفتُ أنهم أناس في منتهى اللطف. ولكنهم، كانوا يعتبرون تصفية الناس في العشوائيات واجباً لا غنى عنه وهم مكلفون به. يعذّبون ويقتلون ولهم في المقابل سمات إنسانية. الحياة شيء في منتهى التعقيد. ولكن، مهما يكن، إني أميل دائماً إلى الثوّار".

 

المزيد من سينما