Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بالبصيرة لا بالبصر... مكفوفون يحفظون حِرفا تقليدية من الاندثار

صناعة مكانس القش بأنواعها بسرعة وإتقان على الرغم من العمى

انفجار كبير، وصراخ ورائحة دماء في كل مكان، هي آخر الصور التي حفرت في ذاكرة الشاب عماد سلامة (29 سنة) من مدينة نابلس شمال الضفة الغربية، عندما أصيب بقذيفة من مخلفات الجيش الإسرائيلي، استخدمها الجنود آنذاك خلال اجتياح نابلس في أبريل (نيسان) 2002، ما أدى إلى إصابته بالعمى، ناهيك عن مئات الشظايا التي ما زالت مزروعة في جسده على الرغم من إجرائه أكثر من 10 عمليات جراحية، في سبعة مستشفيات داخل فلسطين وخارجها.

سلامة الذي لم يتقبل بداية الأمر إصابته بالعمى الكلي، تمكن بعد فترة وجيزة من التأقلم مع وضعه الجديد لكن بطريقة فريدة وملفته، فبمجرد انضمامه إلى جمعية رعاية الكفيف في نابلس، استطاع احتراف صناعة مكانس القش التقليدية بأنواعها بسرعة وحرفية، لنجده وعدداً آخر من المكفوفين داخل الجمعية يصنعون المكانس التقليدية الخشنة يدوياً بسرعة ومهارة فائقة، يتحسّسون لوحاً خشبياً ذا ثقوب متقاربة، ليدخلوا حزمة من القش داخل تلك الثقوب ومن ثم يشدّونها بحبل معدني لكي تتزن على صف واحد، جودة في الصنع تضاهي ما يصنع من آلات إلكترونية حديثة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتحدث سلامة إلى "اندبندنت عربية" قائلاً "كنت أزور جمعية رعاية الكفيف عام 2009 مع رفاق لي للحديث والجلوس وإضاعة الوقت، ليس أكثر، وما إن تحسست مكانس القش التي يصنعونها، تمكنت خلال ساعة من احترافها وصناعة مكنسة كاملة، فهي لا تحتاج إلى البصر بقدر حاجتها للبصيرة واللمس والإدراك، شعرت حينها بأنني أنجزت شيئاً ما، ولفتت انتباه الحاضرين قدرتي على احتراف مهنة شارفت على الاندثار والضياع، فما عاد أحد يصنع مكانس القش التقليدية والبضائع الصينية تغزو الأسواق، وبأسعار أقل. صحيح أن انفجار القذيفة حرمني البصر، لكنّه لم يحرمْني البصيرة لإكمال طموحي وحيويتي في الحياة، وأنا اليوم أقوم بتعليم المكفوفين وتشجيعهم على العمل، وعدم الاستسلام للواقع."

حراس الحرف التقليدية

انتسب سلامة إلى جمعية رعاية الكفيف في نابلس منذ 10 سنوات ويُنجز عدداً من المكانس والفرش يومياً، فالسرعة والخبرة في العمل تلعبان دوراً في الإنجاز بحسب تعبيره، إذ يتقاضى كغيره من المكفوفين العاملين في صناعة مكانس القش، دولاراً واحداً مقابل كل مكنسة ويصل إنتاج كل عامل يومياً إلى 20 فرشاة، لكن في كثير من الأحيان لا يستطيعون بيع ما ينتجون، بسبب شحّ الطلب على المنتج الذي يباع بأسعار متفاوتة تتراوح ما بين دولارين إلى خمسة دولارات للقطعة، فبلدية نابلس تطلبها بشكل دائم، أما التجار فيطلبونها بشكل متفاوت وضعيف، إذ تستخدم مكانس القش التقليدية الى اليوم في تنظيف الشوارع والسجاد وغيرها.

وبدأت فكرة صناعة المكفوفين المكانس عام 1932 في جمعية المكفوفين في عكا، التي تأسست عام 1919، ولكن في نابلس بدأت هذه الفكرة ودخلت حيز التنفيذ مع تأسيس الجمعية عام 1955، على يد مجموعة من المكفوفين المحبطين مجتمعياً آنذاك والذين فكروا في إيجاد عمل كريم يضمن لهم حياة شريفة، كغيرهم من المبصرين من دون تسول او شفقة، فوجدوا صناعة المكانس والفرش العمل الملائم لهم.

جمعية رعاية الكفيف

تضم الجمعية حوالى 140عضواً، بين مكفوفين ومبصرين منهم طلاب جامعيون وشباب وكبار سنّ من كلا الجنسين، لكن الفتيات لا يعملنَ في مكانس القش بأنواعها مهما كانت سهلة وبسيطة، لعدم توافر الإمكانات والمكان المناسب لاحتوائهنّ، فمقر الجمعية الحالي صغير وضيق وبالكاد يتسع للعاملين الخمسة، إضافة لذلك، فإن الجمعية تعمل على المساعدة في تدريس الطلاب الجامعيين المكفوفين، وتوفر حواسيب عدة ناطقة وكتباً متنوعة بلغة بريل(نظام من النقاط البارزة التي يمكن قراءتها بالأصابع من قبل المكفوفين أو ضعاف البصر).

مدير جمعية رعاية الكفيف محمد البري يقول لـ "اندبندنت عربية" إن "جميع المواد التي نستخدمها في صناعة المكانس والفرش "طبيعية" مستوردة من الكونغو، وذات جودة إنتاجية عالية، إلا أننا نعاني وبشدة من منافسة البضائع المستوردة، وهو ما أدى إلى تراجع مبيعاتنا بشكل كبير، إذ لا يتجاوز إنتاجنا السنوي 2000 قطعة من المكانس التقليدية بأنواعها، والاقتصار على بيع معظم الإنتاج إلى بلدية نابلس، وبأعداد قليلة لا يضمن مردوداً اقتصادياً يضمن العيش الكريم، فالمهنة جميلة وممتعة إلا أنها لا تستطيع أن تعيل عائلة، لتدنّي الدخل المجنيّ منها بالإضافة إلى منافستها من قبل المكانس البلاستيكية والمستوردة والمكانس الكهربائية داخل المنازل."

لا تقدير للإبداع

ويتابع البري "الجمعية تعتمد بشكل أساس على المساعدات من أهل الخير، وعدم دعم الإنتاج المحلّي من قبل التجار الفلسطينيين يشكل لنا تحدياً كبيراً في استمرارها، ولو كان هناك دعم حكومي أو على الأقل زيارات من المسؤولين إلى الجمعية ليشاهدوا بأعينهم أن العزيمة والإرادة في نفوس هؤلاء المكفوفين لا مثيل لهما حتى عند المُبصرين، فهم يعشقون هذه الحرف التقليدية (صناعات القش التقليدية) لكنّهم يفتقرون إلى الدعم النفسي والمادي على حد سواء، ويحاربون من أجل عدم اندثارها في ظل التطوّر التكنولوجي."

قانون مجمد

بحسب الاتحاد الفلسطيني العام لذوي الإعاقة في فلسطين، فإن الفلسطيني من ذوي الحاجات محبط جداً في ظلِّ غياب تنفيذ قانون المعاقين رقم (4) الصادر عام (1999) والذي لم يطرأ أي تحسّن عليه، فعدد المعاقين في الضفة وقطاع غزة، وصل إلى 300 ألف، 5.8 في المئة من إجمال سكان الضفة الغربية وقطاع غزَّة هم من فئة ذوي الحاجات وفق تعداد (2017) للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، 4.3 في المئة من الذكور بينما 5.4 من الإناث، والإعاقة الحركيّة هي أكثر الإعاقات انتشاراً بنسبة 2.9 في المئة تليها البصرية 2.6 في المئة فالسمعية 1.6 في المئة.

شذى أبو سرور ممثلة "المنتدى العربي لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة" تقول لـ "اندبندنت عربية" هناك صعوبة في التعليم بالنسبة إلى الأشخاص ذوي الحاجات الخاصة، إضافة إلى عدم توافر البيئة المناسبة للعمل لهم، وتهميشهم واعتبارهم عبئاً على المجتمع، وعلى برامج الإغاثة والرعاية، وعلى الرغم من كل الجهود التي بذلت بهدف دمج المعاقين في سوق العمل إلا أن 78 في المئة منهم ما زال خارج هذه السوق، على الرغم من أن  ديوان الموظفين العام ملتزم بتوظيف ما نسبته خمسة في المئة كحد أدنى في الوزارات والدوائر الحكومية وهو ما نص عليه القانون الفلسطيني."

يذكر أن القانون رقم 4 لسنة 1999، ينص بحسب المادة (2) على أنه لا يجوز أن تكون الإعاقة سبباً يحول دون تمكّن المعاق من الحصول على حقوقه، كما وتشير المادة (4) من القانون ذاته، إلى أن تتكفل الدولة بحقوقه وتسهيل حصوله عليها، وتقوم الوزارة والجهات المعنية بشؤونهم بإعداد برامج التوعية لهم ولأسرتهم ولبيئتهم في كل ما يتعلق بتلك الحقوق المنصوص عليها في القانون.