من مئات المليارات إلى تريليونات... خسائر حرب الخليج بين الأمس واليوم

تداعيات سلبية خيمت على الإقتصاد العربي وسط إنكماش الناتج المحلي في التسعينات

بعد ثلاثة عقود على غزو العراق للكويت مطلع أغسطس (آب) 1990 وحرب تحرير الكويت منتصف يناير (كانون الثاني) 1991، لم يصل أحد بعد إلى تقدير حاسم لتكلفة تلك الحرب العبثية، التي أودت بحياة حوالى 100 ألف أغلبهم من العراقيين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى الرغم من أن حياة البشر لا تقدر بمال، فإن الخسائر في عالم الحسابات تقدر بالدولارات، وتعكس بالأساس الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الحرب التي أدت إلى فورة في أسعار النفط لفترة قصيرة ما لبث سعر البرميل بعدها في الهبوط من 22 دولاراً إلى 17.80 دولار للبرميل.

لم تقتصر الآثار الاقتصادية لحرب الخليج الأولى على الكويت والعراق أو دول الخليج والمنطقة فحسب، بل ترددت أصداؤها السلبية في العالم كله. ولم تهدأ الأسواق العالمية إلا بعد نهاية تحرير الكويت في ربيع 1991.

لكننا سنحاول في عجالة رصد التكلفة المباشرة، وغير المباشرة، لتلك الحرب على الدولتين المعنيتين ودول الخليج ومنطقة الشرق الأوسط. ذلك في فترة الأزمة، إذ إن المنطقة ظلت تعاني لنحو عقد من الزمن بعدها حتى حرب الخليج الثانية عام 2003 والتي فاقت تكلفتها وتبعاتها تريليونات الدولارات.

مليارات وتريليونات

حسب المصدر العربي الرسمي الموثوق، الذي قدر التكلفة المباشرة لحرب الخليج وقتها، "فإنها بلغت 620 مليار دولار (بسعر صرف الدولار وقتها). وإذا أخذنا في الاعتبار متوسط التضخم في سعر صرف العملة عن 2.29% سنويا كما تعتمده أغلب المؤسسات الدولية يكون المبلغ بسعر صرف الدولار في 2018 نحو تريليون و140 مليار دولار"، وفقا لـ"التقرير الاقتصادي العربي" لعام 1991 الصادر عن صندوق النقد العربي والجامعة العربية ومنظمة الدول العربية المصدرة للبترول (أوابك).

وفي التفصيل، قدر التقرير خسائر الحرب نتيجة دمار آبار النفط وخطوط الأنابيب ووسائل الاتصالات والطرق والمباني والمصانع بقيمة 160 مليار دولار للكويت و190 مليار دولار للعراق.

وأشار التقرير إلى "أن دول الخليج تكفلت بانفاق  84 مليار دولار،  لتحرير الكويت، تحملت السعودية القدر الأكبر منها."كما دعمت السعودية والكويت، ومعها إلى حد ما بقية دول الخليج، 51 مليار دولار لدعم 600 ألف من قوات دول التحالف في الفترة من أغسطس (آب) 1990 إلى مارس (آذار) 1991، بالإضافة إلى إنشاء ممرات طائرات وبناء معسكرات".

كل هذه الأرقام بسعر الدولار قبل ثلاثة عقود طبعا، وهناك أيضا تكلفة مباشرة لا تدخل في الحسابات لأسباب عديدة. لكننا هنا نأخذ بما هو موثق من مصادره من أرقام معلنة.

 

 

تقديرات إضافية

حسب تقرير صندوق النقد العربي "فإن الحرب أدت إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية (21 دولة وقتها) بنسبة 1.2% عام 1990 و7% عام 1991. ومن الصعب تقدير هذه التكلفة لتباين الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية ما بين 1989 و1991.

لكن بالعودة إلى التقرير السنوي لمنظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) لعام 1991، نجد أنه يحسب خسارة دول المنظمة (وأغلبها من دول المنطقة) نتيجة تراجع الانتاج بنسبة 16% وهبوط سعر البرميل بنحو 10 دولارات.

وفي الإجمال قدّر تقرير أوبك خسارة دول المنظمة خلال الأزمة بنحو 12 مليار دولار بسعر صرف الدولار وقتها (أي 22 مليار بسعر صرف الدولار في 2018). ولا تتضمن تلك التقديرات خسائر الكويت والعراق، إذ استثناهما تقرير أوبك المذكور.

ولمعرفة التكلفة المباشرة على اقتصاد العراق والكويت من خسائر النفط وحدها، يذكر أن إنتاج نفط الكويت وصل إلى 400 ألف برميل يوميا من 2.5 مليون برميل من قبل، بخسارة أكثر من مليون برميل يوميا. وبحساب أسعار ذلك الوقت تبلغ خسارة الكويت السنوية عام 1990-1991 أكثر قليلا من 6 مليارات دولار (11 مليار دولار بأسعار الدولار هذه الأيام).

ووصل إنتاج نفط العراق نتيجة الحرب إلى 300 ألف برميل يوميا، بينما كان ينتج نحو 3 ملايين برميل يوميا قبل الحرب. وحسب أسعار ذلك الوقت تكون خسارة العراق من فقدان إنتاجه النفطي أكثر من 15 مليار دولار (28 مليار دولار بسعر الدولار اليوم).

 

 

تأثيرات أوسع

بنظرة سريعة على التقرير السنوي الداخلي لصندوق النقد الدولي الصادر قرب نهاية عام 1991 نلاحظ التأثير الأوسع لحرب الخليج على الاقتصاد العالمي ككل. فقد تراجع نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي من 3% إلى 2%.

وبالطبع يركز التقرير في تبعات الحرب على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، خصوصا منطقة الخليج لتأثرها المباشر بالحرب وتبعاتها.

ويقول التقرير بالنص: "تأثرت اقتصاديات دول الشرق الأوسط بشدة من الأزمة التي بدأت بغزو العراق للكويت في 2 أغسطس 1990. وكان الدمار الناجم عن الحرب هائلا في الكويت والعراق حيث توقف النشاط الاقتصادي تماما في مناطق واسعة من البلدين خلال الأزمة. كما تأثرت دول أخرى مثل مصر وتركيا والأردن بسبب توقف تحويلات العاملين المغتربين وعائدات الصادرات".

ويخلص التقرير في ذلك الجزء إلى "تراجع الناتج الاقتصادي لدول الشرق الأوسط بنسبة 1.5%، وكان الانكماش الأكبر في الكويت والعراق والأردن".

تقديرات غير مباشرة

يضاف إلى كل هذه التقديرات للتكلفة المباشرة للحرب في الأشهر الستة من أغسطس 1990 حتى مارس 1991، تبعات غير مباشرة تقدر بعشرات، إن لم يكن مئات المليارات من الدولارات (بسعر صرف الدولار في تلك الأيام)، أي ما قد يصل الى تريليون دولار أو أكثر بأسعار هذه الأيام.

فكما يشير تقرير صندوق النقد الدولي وقتها، "كان الأردن من أكثر الدول التي تأثرت اقتصاديا بالحرب بعد العراق والكويت. فلم يحرم الأردن فقط من تحويلات مئات آلاف العاملين من أبنائه الذي عادوا من العراق والكويت إليه، إنما أيضا خسر نتيجة توقف علاقاته الاقتصادية والتجارية مع البلدين".

ويصعب تقدير التكلفة غير المباشرة التي تحملها الاقتصاد الأردني نتيجة الحرب، وموقفه أيضا المعارض للحرب وعدم مشاركته في التحالف الدولي لتحرير الكويت من الغزو العراقي. ولم يكن الأردن وحيدا في ذلك التأثر الاقتصادي السلبي، وإنْ كان أكثر من عانى، نتيجة الحرب.

 

 

فقد تأثرت أيضا دول مثل مصر وسوريا، رغم مشاركتهما في التحالف وتلقيهما دعما خليجيا، نتيجة عودة عمالتهما المغتربة في البلدين وخسارتهما لمليارات الدولارات من تحويلات العاملين في الخارج. كذلك خسرت دول مثل السودان والمغرب والجزائر وتونس للسبب ذاته.

ثم هناك مبالغ أخرى تعد خسائر غير مباشرة منها على سبيل المثال الدعم غير المباشر من دول الخليج، وتحملت القدر الأكبر منه السعودية أيضا، لدول المنطقة المتضررة أو التي شاركت في التحالف.

من ذلك شطب الديون على بعض الدول، مثلما حدث لمصر التي شطبت الولايات المتحدة ديونا لها عليها بقيمة 6.6 مليار دولار بينما شطبت دول الخليج 6.3 مليار دولار من ديون لها على مصر. ويصبح إجمالي ما شطب من ديون مصر 12.9 مليار دولار (23.78 مليار دولار بأسعار الدولار اليوم).

ولا يتضمن كل ذلك حرائق آبار النفط الكويتية وتكلفة إطفائها فيما بعد، ولا ما احتاجته الكويت لإعادة البناء ولا الدمار الذي لحق بالعراق نتيجة العقوبات على مدى أكثر من عقد حتى حرب غزو واحتلال العراق في 2003.

المزيد من اقتصاد