Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

القرار 598 لإنهاء الحرب الإيرانية - العراقية: التوقيت والتحديات

تقرير بريطاني سري يتساءل عن التوقيت المتأخر لقبول طهران بقرار مجلس الأمن الدولي

صورة نشرت في أكتوبر عام 1980 تظهر دبابات وأسلحة وذخائر إيرانية استولى عليها الجيش العراقي (أ ف ب)

القرار 598 هو أحد قرارات مجلس الأمن الصادرة في 20 يوليو (تموز) عام 1987، لإنهاء الحرب الإيرانية العراقیة التي بدأت عام 1980، وكان قد سبقتها تدخلات إيرانية في العراق قام بها رجال الدين فور وصولهم إلى السلطة عام 1979، وأبرزها مطالبة قائد الثورة الإيرانية، الخميني، الرئيس العراقي الراحل صدام حسين بالاستقالة، تبعتها أعمال تخريبية من الجانبين أدت إلى حرب دموية استمرت على مدى ثمانية أعوام.

لاقى القرار 598 فور صدوره من قبل مجلس الأمن ترحيباً عربياً ودولياً، إلا أن إيران واصلت هجماتها العسكرية داخل الأراضي العراقية في محاولة للحصول على أوراق للمساومة في حال بدأت مفاوضات، وهو الأمر الذي لم يتحقق حينها حيث أرغمت على إنهاء الحرب في 20 أغسطس (آب) عام 1988. 

تشير وثائق وزارة الخارجية البريطانية الموجودة في الأرشيف الوطني البريطاني إلى القرار 598 والحراك الدبلوماسي العراقي الذي قاده وزير خارجية العراق طارق عزيز، على الساحة الدولية في تلك الحقبة. 

يتحدث تقرير سري مطول مرسل من قبل البعثة الدبلوماسية البريطانية في نيويورك إلى لندن بتاريخ 19 يوليو 1988 ويحمل توقيع "روب يونغ" المسؤول عن قسم الشرق الأوسط في الخارجية البريطانية أنه "من السابق لأوانه أن نقيم بثقة المسار المحتمل للأحداث التي أعقبت قبول إيران أمس قرار مجلس الأمن 598، لكن الآراء الأولية التالية التي تمت مناقشتها معكم بعبارات عامة قد تساعد في تسليط الضوء على بعض المخاطر والتحديات التي تنتظرنا".

لماذا الآن؟

ثم يتساءل ‏هذا الدبلوماسي البريطاني المخضرم المتخصص في قضايا الشرق الأوسط، مستغرباً عن التوقيت المتأخر جداً الذي اختاره الإيرانيون للإعلان عن قبولهم القرار رقم 598، قائلاً "لماذا الآن؟ يبدو هذا التوقيت للموافقة على التفاوض مهيناً بشكل خاص للإيرانيين. لقد فقدوا أخيراً تقريباً جميع الأراضي العراقية التي احتلوها بعد عام 1982 بكلفة باهظة. إنهم محاصرون في الخليج. خائفون من استخدام قواتهم البحرية النظامية في مواجهة التفوق البحري الأميركي. كما أن رفسنجاني لم يفعل شيئاً بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة بالوكالة. ومع ذلك، فقد تزايد الاستنزاف وبان التعب من الحرب بشكل سريع في الأشهر الأخيرة: فقد أثرت التكتيكات العسكرية العراقية (حرب المدن، والضغط المستمر على الجيوب الإيرانية، واستخدام الأسلحة الكيماوية، والهجمات الجوية الثقيلة على الأهداف الاقتصادية) في معنويات المدنيين والعسكريين وفي الاقتصاد المتعثر، وبدأت تظهر الانتقادات العلنية على نطاق واسع وخطير حيث تطرح لأول مرة ضد الحرب وضد الخميني. ومن المتوقع أن يثير الحشد العسكري العراقي الأخير مقابل عبادان المزيد من الخوف والقلق. يبدو أن القادة الإيرانيين قد خلصوا ليس فقط إلى أنهم لا يستطيعون كسب الحرب (يجب أن يكون ذلك واضحاً لمعظمهم بعد الفشل في الاستيلاء على البصرة في أوائل عام 1987) ولكن الثورة نفسها قد تكون مهددة".

 

في المقابل كانت الحكومة العراقية متخوفة أيضاً من التأثير الأيديولوجي الإيراني وممارسة عملية غسل الأدمغة على الأسرى العراقيين في معسكرات الأسرى في إيران. وجاء في التقرير "حاول الإيرانيون تغيير معتقدات أسرى الحرب العراقيين أثناء أسرهم، لأنه كانت لديهم مخططات في شأن العراق. أرادوا إعادة أسرى الحرب كمؤيدين للخميني. وكان العراق يعلم أن الإيرانيين سيسعون إلى استخدام أسرى الحرب".

انعدام الثقة بين العراق وإيران

تضمن التقرير أبرز النقاط التي كان قد أشار إليها طارق عزيز في تلك الفترة. وأهمها قلق القيادة العراقية من نوايا إيران المستقبلية وتشكيكها بمصداقية طهران في قبول قرار مجلس الأمن رقم 598، إذ أكد وزير الخارجية العراقي وقتذاك "أن إيران والعراق جاران، وإذا لم تكن التسوية نظيفة فقد تعود المشاكل قريباً مرة أخرى بين البلدين". 

وينقل التقرير ما قاله عزيز بهذا الخصوص "لفت طارق عزيز الانتباه إلى نقطتين على وجه التحديد؛ أولاً، في ما يتعلق بالتنفيذ، قال إنه على رغم أن أي حجج في شأن هذه المسألة هي في المرحلة الحالية حجج نظرية، فإن العراق يرغب في توضيح موقفه الآن لأن العراق يجب أن يكون قلقاً بشأن نوايا إيران الحالية والمستقبلية. وحتى لو قررت إيران الموافقة على إنهاء الحرب، فإنه لم يكن متأكداً من أنها ستكون على استعداد لإنهائها بطريقة تحافظ على حقوق كلا البلدين سليمة. على سبيل المثال، إذا تم الاتفاق على وقف إطلاق النار ولم تكن إيران ملزمة بالانسحاب في الوقت نفسه، فإنها ستحاول استغلال هذا الواقع. وبالمثل، إذا كان وقف إطلاق النار مرتبطاً بإنشاء هيئة محايدة لتقرير المسؤولية عن الحرب، يمكن أن يحدث أحد أمرين: إما أن يقبل الإيرانيون وقف إطلاق النار حتى يتم الإبلاغ عن التحقيق بطريقة يجدونها مرضية ثم يستخدمون النتيجة لتبرير استئناف عدوانهم. أو إذا لم تكن النتيجة مرضية فإنهم سيرفضون الانسحاب. وسيتعين على العراق استئناف الأعمال العسكرية، على رغم أن ذلك سيكون صعباً ومحرجاً للعراق".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هل يعني الإيرانيون ما يقولون؟

ويتحدث التقرير عن صدق النوايا الإيرانية حين يطرح سؤالاً آخر وهو "هل يعني الإيرانيون ما يقولون؟" وتأتي الاجابة عن السؤال كالتالي "توقع عدد قليل من المراقبين (بما في ذلك كاتب هذا التقرير) الوجه الإيراني المتغير. بالنسبة إلى الخميني ومعظم الإيرانيين، كانت الحرب مع العراق مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمصير الثورة لدرجة أن أي شيء أقل من النصر العسكري وإطاحة صدام حسين لم يكن من الممكن تصوره لمدة ثماني سنوات. والآن يبدو أن الإيرانيين قد تخلوا عن إصرارهم على تسمية العراق مسبقاً كمعتد. يبدو أن التغيير حقيقي، وفي نيويورك يجب أن يؤخذ على هذا النحو. لكن المتشددين في طهران لن يتم كسبهم بسهولة. سيراقب العراقيون (وغيرهم) مثل الصقور ليروا إلى أي مدى تستخدم إيران فترة المفاوضات لإعادة التسلح وإعادة تجميع صفوفها وترتيب اقتصادها. يجب أن يبقى الشك قائماً. يبدو أن قرار قبول قرار مجلس الأمن 598 قد تم الترويج له داخل القيادة الإيرانية على أساس أنه إذا افتعل العراقيون صعوبات أثناء المفاوضات، أو إذا لم تنته عملية السلام بتسوية مرضية لإيران، فإن الإيرانيين سيكونون قد ضمنوا استراحة محارب وسيكونون في وضع أفضل لاستئناف القتال، فالمحادثات بالنسبة إليهم هي فترة استراحة وكذلك وسيلة لتحقيق غاية".

وجهة النظر الإيرانية

وحول القرار 598 كان رئيس وزراء إيران، حينها، مير حسين موسوي قد بعث برسالة في 31 مارس (آذار) 1988 إلى رئيسة وزراء بريطانيا، مارغريت تاتشر يشرح فيها وجهة نظر الحكومة الإيرانية وموقفها من القرار المذكور. رسالة موسوي كانت تحمل في طياتها تهديداً مبطناً وهو الأمر الذي أثار شكوك المراقبين حول صدقية إيران في تحقيق السلام مع العراق وجديتها في طي صفحة الماضي.

 

بدأت الرسالة الإيرانية بالتركيز على قضية حلبجة الكردية وتعرض سكانها لهجوم كيماوي، واصفاً المجزرة بـ "واحدة من أفظع جرائم الحرب في التاريخ المعاصر، وهي جريمة لم يسبق لها مثيل في التاريخ، لأنها ارتكبت من قبل حكومة على نطاق واسع لا يمكن تصوره ضد شعب بلدها. أود أن تعرفوا أنه لا توجد كلمات أو صور يمكن أن تنقل عمق هذه الجريمة البشعة لأولئك الذين لم يروا بأنفسهم مسرح الجريمة". مضيفاً "إن القصف الكيماوي المتكرر والمكثف لمدينة حلبجة العراقية ومدن عدة أخرى في العراق وإيران يجب أن يشعر به ضمير العالم الصافي بالضيق العميق نفسه الذي آلمنا وآلم شعبنا المسلم. والذين ظلوا غير مبالين بهذه الجريمة، على رغم التحذيرات العديدة لجمهورية إيران الإسلامية، هم جميعاً شركاء في هذه الجريمة".

واتهم موسوي في رسالته المجتمع الدولي بالتراخي تجاه السياسات العراقية، مطالباً بمعاقبة العراق على ما وصفته الرسالة بـ "الجرائم والإبادة الجماعية"، إذ تقول الرسالة "إن النظام العراقي، بحجة الحرب واستمرارها، يسمح لنفسه بانتهاك جميع القوانين والأنظمة الدولية المتعلقة بالحرب. وقد أعلن هذا الموقف رسمياً ودافع عنه في البيان الذي أدلى به أخيراً حكام بغداد. وترى جمهورية إيران الإسلامية أن اتخاذ العراق مثل هذا الموقف غير المعقول لا يستند إلا إلى ثقة هذا النظام وتأكده من الموقف السلبي للمنظمات الدولية وتراخي القوى المؤثرة، التي يعرف أنها لن تشرع أبداً في اتخاذ أي تدابير عملية لمواجهة هذه الجرائم. وتعلن جمهورية إيران الإسلامية صراحة أنه إذا لم يتخذ المجتمع الدولي خطوات جادة لمنع النظام العراقي من ارتكاب جرائم الحرب هذه، ولا سيما استخدام الأسلحة الكيماوية، فسوف نشهد مشاهد أكثر كارثية وينبغي للبشرية أن تتوقع مستقبلاً أكثر فظاعة. ومن الضروري جداً أن نلاحظ حقيقة أنه في معظم أنحاء العالم يمكن إنتاج الأسلحة الكيماوية بسهولة بالغة، وأنه يمكن نشرها بالسهولة نفسها. ولذلك، إذا أصبح استخدام هذا السلاح اللاإنساني ممارسة شائعة، فإن البشرية ستعيش في قلق دائم".

وبالعودة للتقرير البريطاني يؤكد التقرير أن المماطلة الإيرانية أضاعت وقتاً ثميناً وأسهمت في استمرار الحرب، مشيداً بالمبادرة التي اتخذتها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا لصياغة القرار 598، وذلك على رغم ضعف موقف العضوين الدائمين الآخرين وهما الصين والاتحاد السوفياتي.

موقف الصين والاتحاد السوفياتي

كان الاتحاد السوفياتي قد أثار الشكوك "حول الحكمة من اعتماد القرار قبل أن ينهي الأمين العام جهود السلام مع كلا الجانبين. لقد أخبر السوفيات مجلس الأمن أنه إذا كان لديه أي توقع حول احتمالية تغيير إيران رأيها، فسوف يصابون بخيبة أمل". كما أن الصين وضعت شرطاً بالنسبة إلى تأييد القرار 598 وهو أنهم "سوف يؤيدون القرار إذا أيدته غالبية أعضاء مجلس الأمن".

ويذكر التقرير أن الاتحاد السوفياتي ونتيجة للضغط العربي بمجلس الأمن تجاوز بشكل ملحوظ عن تحفظاته على القرار لكنه اشترط تسريع العمل عليه. وكان الموقف الصيني هو الأصعب في تلك الفترة إذ "كانت الصين توفر نحو 40 في المئة من صادرات الأسلحة إلى إيران وكانت هناك بالفعل تلميحات إلى أنهم سيواصلون بيع الأسلحة حتى بعد اعتماد القرار. وقد التزموا الصمت إلى حد كبير أثناء المحادثات في شأن القرار ولكنهم أعربوا عن تفضيلهم أن يوافق بقية أعضاء المجلس على المشروع قبل أن يلتزموا ذلك".

وكان الموقف البريطاني تجاه القرار قريباً جداً من الموقف العربي بشكل عام والعراقي على وجه التحديد، إذ ينقل هذا التقرير السري قول السيد ميلور "إن وجهة النظر البريطانية هي في الأساس نفس وجهة نظر العراق. لم تعتقد بريطانيا أن إيران ستقبل قرار مجلس الأمن 598، وذلك على رغم تصريحاتنا في شأن الهجمات على الملاحة في الخليج (العربي)... والهدف الأساسي للسياسة البريطانية الآن هو الحصول على قرار لمتابعة (وقف إطلاق النار)، وتعمل بريطانيا جاهدة على حث الأعضاء الخمسة الدائمين معاً لصياغة مشروع متابعة مفيد".

العراق يثمن دور السعودية والكويت

ويذكر التقرير أن العراق كان يقدر ويثمن الموقف السعودي والكويتي ودورهما في دعم العراق لوجيستياً واقتصادياً على رغم المخاطر وتداعيات الحرب الإيرانية العراقية على البلدين العربيين المجاورين للعراق، "ويقدر العراق أن الحالة في الخليج صعبة، ولكنه يبذل قصارى جهده لتجنب أي أخطاء ولا يرغب في الإضرار بالملاحة المحايدة. ومع ذلك، فإن العراق بلد من بلدان العالم الثالث، وبالنظر إلى تواتر الهجمات العراقية، لم ترتكب سوى أخطاء قليلة جداً. وهذا يدل على رغبة العراق الحقيقية في تجنب المخاطر وحقيقة أن العراق لم يكن متهوراً. وهكذا لم تكن نية العراق جلب القوى العظمى إلى الخليج (العربي) ومع ذلك، فقد قدر الجوانب الإيجابية لما يفعله الغرب في حماية الملاحة الكويتية والخليجية، بالنسبة إلى العراق كانت الكويت تعمل مثل البصرة لأن غالبية إمدادات العراق كانت تأتي من خلالها. لعبت المملكة العربية السعودية أيضاً دوراً مهماً في المجهود الحربي العراقي. كانت كل من السعودية والكويت تساعدان مالياً ولوجيستياً ومن خلال بيع نفط المنطقة المحايدة. ومن الواضح لذلك أن العراق لا يستطيع أن يكون متهوراً إزاء أمن السعودية والكويت. لم يكن البلدان مجرد أخوين بل كانا حليفين على رغم عدم وجود تحالف رسمي".

وكما توقع وزير خارجية العراق طارق عزيز عام 1988 لم ينه قرار مجلس الأمن رقم 598 الصراع بين إيران والعراق فحسب، بل استغلت طهران الخطأ الاستراتيجي الذي وقع فيه العراق بغزو دولة الكويت عام 1990، ولم تكتف بدعم المعارضة العراقية وحث المجتمع الدولي على إسقاط النظام في بغداد بل دخلت الميليشيات الموالية لطهران عام 2003 على ظهر الدبابات الأميركية وهيمنت على مقدرات الدولة العراقية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير