هبوط ابولو 11 على سطح القمر اطلق نظريات المؤامرة التي طبعت عالمنا

من انخرطوا في تشويه الحقائق عما تحقق في 19 يوليو 1969 مزعجون ومحبطون والاخطر انهم مهدوا الطريق امام متطرفين فتكوا بارواح كثيرة

متحف الفضاء في مركز "ناسا" في مدينة "سياتل" الأميركية، يمثّل جزءاً من جهود علمية لشرح حقيقة الإنجاز العلمي الذي تحقق مع السير على القمر في 1969 (وكالة رويترز)

سدّد رائد الفضاء الشهير باز آلدرين لكمة إلى أحدهم، فيما عرضت وكالة "ناسا" على آخرين الصّور، كما شرح لهم العلماء الحقائق والبيانات.

وعلى الرغم من ذلك، لم يتوقف سيل نظريات المؤامرة، ومطلقوها. ولا يزال ملايين من الأشخاص يؤمنون بأنّ الإنسان لم يطأ يوماً سطح القمر، ولم تحقق البشرية بالتالي أحد أكبر الإنجازات التي يمكن تصوّرها على الإطلاق بل وقعت ضحية خدعة خطّطت لها الولايات المتحدة كي تعزّز موقعها عالمياً.

وتكاد تلك الحبكة تكون صادمة بمقدار يساوي الحدث نفسه. إذ يزعم مطلقو نظريات المؤامرة أن مركبة فضائية انطلقت فعلاً من كوكب الأرض وابتعدت عنه في يوليو (تموز) 1969، ولكن مسارها لم يكن سوى الدوران حول الكوكب فيما انهمك البعض على الأرض في تصوير فيديو داخل استديو تلفزيوني كي يُظهر هبوطها على سطح القمر قبل أن يعود رواد الفضاء إلى الأرض عودة الأبطال المظفرين.

في المقابل، لم تتزامن نظريات المؤامرة مع الهبوط على القمر بل انطلقت بعد ذلك الحدث بكثير. وعلى الرغم من مرور 50 عاماً بالضبط على وصول الإنسان إلى سطح القمر، لم تبدأ البشرية برفض تصديق الحدث سوى بعد أعوام من وقوعه.

إذ ظهرت النظرية الرافضة له في العام 1976 مع نشر بيل كايسينغ كتابه الذي حمل عنوان "لم نذهب إلى القمر قطّ: خدعة أميركية بتكلفة 30 مليار دولار". وزعم الكتاب أن احتمال الهبوط الآمن على سطح القمر لا يتعدّى 0.0017 في المئة ولذلك فمن المنطقي أنه لم يحدث أساساً.

وانطلقت تلك المزاعم خلال حقبة شهدت اهتزاز ثقة الأميركيين بحكومتهم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فقد سبقها في بداية ذاك العقد نشر أوراق البنتاغون التي أثبتت ضلوع الحكومة الأميركية في مؤامرة كبيرة هدفها خداع الرأي العام الأميركي كي يؤيد التدخل العسكري في فيتنام. ولم يطل الأمر قبل أن تتلقى ثقة الرأي العام ضربة أخرى سددتها له "فضيحة ووترغيت" التي أكّدت من جديد سعي الحكومة الأميركية إلى خداع شعبها.

وأرست تلك الفضائح نمطاً من المساءلة صبغ الخمسين سنة التي تلته. وفي بعض الأحيان، ثبتت صحة تلك المقاربة في مساءلة الروايات الرسمية. فقد ظهر مثلاً أن برنامج الولايات المتحدة الغامض للسيطرة على العقول، الذي حمل اسم "أم كي ألترا" MK Ultra كانت أكثر فظاعة على أرض الواقع من الصورة التي روّجتها عنه الروايات.

وفي المقابل، استُخدِمَ ذلك الشك المنطقي في أحيان أخرى سلاحاً وُجّه إلى كل ما يبدو في مرحلة ما، أنه ضحية مناسبة. في ذلك الإطار، هاجمت نظريات المؤامرة مثلاً مناصري حمل السلاح والمسلمين.

ويبدو أن نظرية المؤامرة التي تحيط بالهبوط على القمر تعود بشكل كبير إلى أن الحدث نفسه عصيّ على الفهم والتصديق، فيما كان لجوء الحكومة إلى الخداع أمراً واقعاً. وفي المقلب الآخر من الصورة نفسها، لا شك في خطأ الحجج التي تدعم القول بزيف الهبوط على القمر. واستطراداً، إنّ الإثباتات على ذلك الإنجاز متوفرة للعيان.

من ناحية ثانية، تُظهِر ردات الفعل على تلك الصور سهولة انتشار منطق المؤامرة. إذا كنتم تؤمنون باختلاق كذبة الهبوط على القمر، فلن تثبت لكم الصور العكس بل ستعتبرونها برهاناً على تغطية تتخطى حتى توقعاتكم نفسها، إذ يمكن تحوير كل إثبات على الحقيقة كي يصبح إثباتاً على وجود مؤامرة. 

ربما يصح القول بأنّ الهبوط على القمر كان أنجح الإنجازات الإنسانية وأكثرها طموحاً. إذ تطلّب تنفيذه عقوداً من الدراسات في مجال الفيزياء ونظام الدفع الصاروخي، إضافة إلى صناعة ماكينات جبارة وفقاً لأحدث ما تتوصل إليه التكنولوجيا، وجهد ذهنيٍ بذله الآلاف من أذكى الناس.

من ناحية اخرى، كل تلك الجهود لا تساوي الشيء الكثير أمام تلك التي يتطلبها تزييف مثل ذلك الحدث. كانت البشرية لتحتاج معظم التكنولوجيا التي استخدمت من أجل إنجاز الهبوط على القمر فعليّاً، حتى أصحاب نظريات المؤامرة أنفسهم يقرّون بأن رواد الفضاء انطلقوا نحو مدار الأرض على متن صاروخ جبار، لكن البشرية لم يكن لديها ما يكفي لتنفيذ خدعة كانت لتتطلب الكثير من الاختراعات التكنولوجية مثل الكاميرات والمؤثرات الخاصة التي لم تظهر سوى بعد عقود على الحدث. وكانت الحكومة ستحتاج في ذلك الحال أيضاً إلى تعاون الآلاف من العلماء الذين انكبّوا على وضع الحسابات والعمليات التي شكّلت الأساس النظري والعملي لإيصال البشرية إلى القمر، إلى جانب الآلاف غيرهم للمساعدة في تزييف الحدث والحفاظ على سرية تلك العملية.

ولذلك، فيما تُصوّر نظريات المؤامرة غالباً على أنها تحدٍّ جذري لأقطاب السلطة، تتغذى تلك النظريات في الوقت ذاته على اعتقادٍ بأن نفوذهم أكبر مما هو عليه في الحقيقة. وكذلك توحي بأن الحكومة الأميركية أو كل جهاز آخر يسيطر على العالم، ربما تكون شريرة، ولكنها على الأقل تتحكم بسير الأمور.

على نحو مماثل، إذا كانت حوادث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) مفتعلة من قِبَلْ الداخل الأميركي، وحوادث إطلاق النار الجماعية مسرحيات أبطالها من الممثلين، وتغير المناخ غير حقيقي، و"المنطقة 51" مخبأً لإخفاء الكائنات الفضائية... إذا كان ذلك كله صحيحاً فلسوف تتحمل إحدى الجهات على الأقل مسؤوليتها. ويرجع ذلك إلى أن المؤامرة أخف وطأة من الفوضى. 

واستطراداً، حتى أكثر المؤامرات خطورة تبدو أحياناً وسيلة لاستيعاب بعض النواحي الفظيعة من الحضارة أو التعامل معها. وخلال السنوات الأخيرة طغت نظريتان للمؤامرة على اليمين المتطرف، هما "بيتزاغايت" و"كوانون"، وكانتا وسيلة لاستيعاب الفظائع التي تحيط بنا.  

وفي التفاصيل، تدّعي النظريتان تورّط السلطة بانتهاكات جسيمة واسعة النطاق بحق الأطفال نفّذتها وحرضت عليها أكثر الشخصيات نفوذاً حول العالم.

مع مرور الوقت وظهور فضائح كالتي تحيط بقناة "بي بي سي" وجيفري إيبستاين، لا تبدو المخاوف من استغلال النافذين سلطتهم من أجل إيذاء الأطفال مستبعدة. وفي المقابل، قد يكون الملفت في نظرية "كانون" أنها تلمح إلى إمكانية إنقاذ العالم. وتوضيحاً، يعتقد المؤمنون بتلك النظرية أن دونالد ترمب طرف في خطة سرية واسعة النطاق لفضح ومعاقبة المتورطين في ذلك الموضوع. ومرّة اخرى، تفيد نظرية المؤامرة في التغلّب على الارتباك، كما توفر بعض الراحة. 

غالباً ما تصبّ نظريات المؤامرة اهتمامها على كل غريب ومستهجن، وتعتني بروايات تبدو غير صحيحة ولا يؤدي إثبات زيفها إلى كثير من الألم. في المقلب الآخر، بات منطق المؤامرة والتواطؤ يؤثر أكثر فأكثر في مسارات السياسة والمواضيع التي تطرح على طاولة النقاش السياسي، ويمكن أن ينتج عن ذلك الأمر عواقب خطيرة.

وفي بريطانيا مثلاّ، يعتقد 30 في المئة من الناس أن الحكومة متورطة بعملية تغطية لحقيقة الهجرة، وترتفع تلك النسبة في باقي أنحاء أوروبا. وينتشر ذلك الاعتقاد بشكل خاص في أوساط من صوّتوا لمصلحة بريكست أو ترمب، بحسب الأبحاث التي أجرتها "جامعة كامبريدج".

وربما يبلغ ذلك النوع من التفكير السامّ والمؤذي ذروته في نظرية مؤامرة "الاستبدال العظيم" التي تلمح إلى استبدال العرق الأبيض بالشعوب غير الأوروبية بشكل سري ومنتظم في أرجاء الغرب كافة. وصارت تلك الأسطورة الحجة الأساسية التي يلجأ إليها اليمين المتطرف لكسب التأييد، ولا يعيق انتشارها البتة غياب الإثباتات الداعمة لها.

ذلك التفكير مدمّر. وحين قتل أحد الرجال 51 شخصاً في مسجد بنيوزيلندا في وقت سابق من العام الجاري، ترك وراءه مقالة فيها إشارات كثيرة إلى تلك النظرية عن المؤامرة، ما يوحي بأن المذبحة وقعت بسببها.  

وعلى نحو مشابِه، تظهر معاداة السامية أيضاً على أنها نوع من نظريات المؤامرة التي انتشرت في أوساط اليسار واليمين على حد سواء. وغالباً ما تضاف إليها بعض نظريات المؤامرة الخيالية، فتنتج عن ذلك مثلاً نظرية الجمعية السرية التي تسيطر على العالم، أو تلميحات بأن بعض الأشخاص في مواقع السلطة ليسوا بشراً في الحقيقة بل سحالي أو حيوانات، ما يساهم في نشر خطاب مبطّن معادٍ للسامية.

وتناول ذلك الشأن المؤرخ ريتشارد إيفانز من "جامعة كامبريدج" الذي كان شاهداً بوصفه خبيراً أثناء محاكمة شهيرة في المحكمة الأميركية العليا جرى فيها التشكيك بوقوع الهولوكوست في الأساس. وبحسب إيفانز، "تشكل معاداة السامية ضرباً خاصاً جداً من نظريات المؤامرة... وخلافاً لغيرها من النظريات، لا تستند تلك النظرية إلى اعتقاد بوجود مجموعة صغيرة من الناس تحبك المكائد، ذلك أن العنصرية الصرفة غالباً ما تقف وراء أصل النظرية والتعبير عنها. وعلى غرار غيرها من أشكال العنصرية، تبني تلك النظرية على اعتقاد بوجود شيء ما في الدم وفي الوراثة يولّد شخصية نمطية... وفي تلك الحال، (يؤدي ذلك الشيء الموجود في الدم أو الوراثة إلى صنع) شخصية تحوك المؤامرات والمكائد والنشاطات التخريبية الاستغلالية".

وكخلاصة، لا تعدو نظريات المؤامرة كونها رواية تقصّها البشرية على نفسها، وتشكّل انعكاساً عمن يختلقها. وتبدو نظرية المؤامرة التي تحيط بالهبوط على القمر محبطة وخاطئة، أمّا سلسلة القصص الكاذبة التي حيكت حول حوادث حقيقية، وقد أطلقتها نظريّة المؤامرة عن المركبة "أبولو"، فقد أوقعت حوادثاً أكثر فتكاً وصاغت شكل عالمنا الحالي.

© The Independent

المزيد من فضاء