جنود عراقيون يروون ذكرياتهم عن الغزو

صدام حاول كسب الكويتيين بمعاقبة جنوده لكنه لم يفلح

"طُلب منا التحرك باتجاه البصرة وعبور الحدود الكويتية والإفطار هناك وانتظار الأوامر وفعلنا". بهذه العبارة يبدأ أحد الجنود العراقيين الذين شاركوا في غزو الكويت عام 1990 حديثه إلى "اندبندنت عربية".

ويضيف محمد جاسم حسن "سبقنا الحرس الجمهوري إلى هناك وحين دخلنا بعده وجدنا كل شيء تم بالفعل. كانت المدينة تغط في نوم عميق صبيحة ذلك اليوم من أغسطس (آب) وكنت أقف في أحد الأزقة بجانب المدرعة، حين فتح أحد سكانه الباب صباحاً فجأة، فصاح به أحد أفراد الحرس الجهوري بصوت حازم طالباً منه العودة إلى منزله فوراً فأغلق الرجل الباب مرتبكاً من دون أن يسأل عن السبب".

 

 

مخابز مغلقة

الساعات الأولى للغزو كانت صامتة كما يصفها بعض الجنود الذين شاركوا فيه، فالسكان تفاجأوا صباحاً بوجود قطعات الجيش العراقي أثناء فتحهم لأبواب المنازل والخروج لجلب الخبز، لكن بعد منتصف النهار سمحت القوات العراقية للناس بالذهاب إلى المخابز التي كان معظمها مغلقاً.

ويؤكد العسكري المتقاعد الذي كان برتبة ملازم آنذاك أن الجنود أنفسهم لم يفهموا ما يحدث وكانوا يطيعون الأوامر فحسب، وفوجئوا حين عبروا الحدود ووجدوا الحرس الجمهوري مسيطراً على نقاط التفتيش ونشر نقاطاً أخرى رئيسية داخل مدينة الكويت العاصمة.

ويضيف "كان النظام يعتمد على الحرس الجمهوري بشكل كبير في المعارك الحاسمة أثناء الحرب مع إيران، واعتمد عليهم مجدداً في غزو الكويت إذ كانوا أول قوة تدخل البلاد، وكان الجيش قوة إسناد فحسب".

"لم يتعرض الجيش العراقي للمقاومة من قبل السكان العزل، لكن بعض جيوبها ظهرت بالفعل في الأيام الأولى للغزو. وكانت هناك طلقات نارية في مناطق متفرقة لكن الحرس الجمهوري تمكن من إخمادها آنذاك" يقول سالم نايف هاشم، وهو جندي آخر شارك في غزو الكويت.

شارك سالم في الحرب العراقية- الإيرانية بعد عامين من انطلاقها ولم يغادر الجيش سوى عام واحد حين توقفت الحرب.

السكان يغادرون

يقول سالم "أنهيت خدمة مضاعفة في الجيش بسبب تلك الحرب ولم يتركني النظام مثل بقية أبناء جيلي نغادر حتى توقفت الحرب. وبعد سبعة شهور انتهت خدمتي رسمياً في الجيش العراقي، لكن بعد إعلان النظام غزو الكويت صبيحة الثاني من آب طالب الشباب من مواليد سنوات محددة بالالتحاق بالخدمة العسكرية في بيان منفصل مساء ذلك اليوم وكنت واحداً منهم".

 

ويروي تفاصيل يومه الأول في الكويت "وحدتي العسكرية دخلت بعد ثلاثة أيام إلى العاصمة الكويتية، لذا كانت الأوضاع هادئة نسبياً ولم يكن في المكان سوى المدنيين العزّل. لكننا لاحظنا تذمر بعض السكان من وجودنا هناك، وكان معظم الناس خائفين ومتوترين وبعضهم كان يلزم منزله ويرسل الخادم أو الخادمة لجلب الطعام من الأسواق، فيما غادر بعض السكان المدينة بعد أيام لاحقة باتجاه السعودية. وكان الحرس الجمهوري العراقي آنذاك يسمح لهم بذلك بعد توقيع ورقة يتعهدون فيها بالتخلي عن أملاكهم".

ويتحدث سالم عن واقعة حدثت أمامه حين تحركت وحدته إلى مدينة الأحمدي، ويقول إن أحد أصحاب المحال في مدينة الأحمدي كان إيرانياً وحين شاهد أحد القادة الكبار يتجول مع جنوده خاف أن ينتقموا منه لأنه إيراني فقال للقائد بلهجة متكسرة "خذ ما تريده من المحل يا سيدي واتركني"، فسأله القائد عن أصوله وأجاب الأخير "أنا إيراني، لكن والله أحبكم"، فابتسم القائد لإجابته وتركه.

إعدامات لكسب السكان

ويوضح "في إحدى المرات حاول قائد كبير تهريب سبائك ذهبية من الكويت في تابوت مغطى بالعلم العراقي ليوهم نقاط تفتيش الحرس الجمهوري بأنه شهيد، لكن نقطة التفتيش اكتشفت اللعبة وحكمت المحكمة العسكرية بإعدام القائد المذكور. وحدث الأمر ذاته حين اشتكت سيدة كويتية من اعتداء ضابط برتبة نقيب عليها فثبتت إدانته وحكمت عليه المحكمة العسكرية بالإعدام، وبالفعل نفذوا العملية وعلقوه يوماً كاملاً في إحدى الساحات، وكتبوا على اللوحة التي علقت على صدره بأنه خائن".

يبرر سالم تلك الوقائع بأن صدام حسين كان يعلم أن الكويتيين لا يريدون هدم دولتهم وضمها إلى العراق كما كان يدعي آنذاك، ولذا حاول أن يفهم الناس بأنه سيعدم كل من يعتدي على الكويتيين ليكسب ثقتهم، ويقول "لم يتمكن من ذلك فكثيرون كانوا يطالبوننا بالرحيل علناً، لا سيما في الأيام الأخيرة قبل اندلاع الحرب، إذ كانوا على يقين أننا راحلون".

وفي المعركة الحاسمة التي غادر فيها الجيش العراقي الكويت استسلم كثيرون من الجنود لقوات التحالف بعدما أدركوا أن القتال ليس لصالحهم، لا سيما أن صدام حسين الذي كان يهدد ويتوعد باستخدام أسلحة فتاكة ويحث الجنود على التمسك بالكويت وعدم الانسحاب، هو ذاته طلب من القطعات الخلفية الانسحاب إلى العراق.

يقول كريم كاظم جواد أحد الجنود الذين أسروا لدى قوات التحالف أثناء الحرب "كان صدام حسين يطلب منا في خطاباته الصمود والبقاء مهما حدث، لكن حين هجمت قوات التحالف وشاهدنا حجمها وتسليحها استسلمنا كي نحافظ على حياتنا، إذ كنا كمن يقف في وجه صاروخ متسلحاً بسكين".

 

 

ويضيف "بقيت في الأسر داخل الأراضي السعودية لحين إطلاق سراحنا، وكنا بالفعل نستغرب من التعامل الإنساني لقوات التحالف والقوات المساندة لها هناك، حتى عائلاتنا لاحظت الفرق بين الأسرى العائدين من السعودية بكامل صحتهم ولياقتهم والأسرى العائدين من إيران والذين تعرضوا للتعذيب هناك لسنوات ومنهم خالي الذي عاد فاقداً للذاكرة بسبب التعذيب".

معظم الجنود الذين شاركوا في غزو الكويت باتوا كهولاً اليوم لكن ذاكرتهم لم تشيخ وما زالوا يحتفظون بذكرياتهم عن تلك الأيام الغريبة، وبعضهم الآخر في نهاية العقدين الرابع والخامس من أعمارهم اليوم ويتحدثون عن الغزو كجزء من تاريخ مؤلم في حياتهم لما سببه من ألم لكلا الشعبين.

المزيد من العالم العربي