"شارة" فايز قزق... مسرحية الاختبار المفتوح على إمكانات الممثلين

شخصية الاب والصراع الطبقي على مسرح الاوبرا السورية

من مسرحية "شارة" السورية (اندبندنت عبية)

أكثر من مرة، كرر فايز قزق ثيمة الأب الميت وأبناءه المختصمين في عروضه التي حققها أخيراً مع متخرجي المعهد العالي للفنون المسرحية، فمن "وعكة عابرة" 2006 مروراً بـ "أ.ب سلبي" 2007 و"حكاية السيدة روزالين" 2011، وصولاً إلى عرضه الأخير "شارة" (دار الأوبرا السورية). وفيها كلها اشتق المخرج والممثل السوري مواضيعه الأثيرة من مسرحيتي "المرحوم" و"العائلة الحزينة" للكاتب اليوغسلافي- الصربي (برانيسلاف نوشيتش- 1864-1938)، إذ نشاهد الأب المتوفى أو المريض في غرفة العناية المشددة، بينما يتنازع أبناؤه وبناته وأهله إرثه، وينهشون سيرته الشخصية، في مكاشفة كوميدية ساخرة، نقلها قزق على ألسنة ممثليه وممثلاته في فضاء "القاعة المتعددة الاستعمالات"، مُسقطين على الكارثة السورية، التي تبدو شخصية الأم فيها غائبة تماماً، إلى جانب أبٍ ميت أو محتضر على فراش النهاية.

نهل مخرج العرض وممثلوه الخمسة عشر من تمرينات يومية امتدت لأربعة أشهر، مغلّبين لازمة صوتية شبه موحّدة في أدائهم لشخصياتهم، محاولين التقاط اللحن العام للحوار عن لسان مخرجهم، فلم يتعدَ الممثلون صوت أستاذهم ونبرته في فن التمثيل، إلا عبر أعشار بسيطة من الصوت الأصل، مكرّسين مزايا التشابه غير المسبوق بين اللهجات والنبرات الصوتية التي قاموا بأدائها تحت غطاء سلطة المخرج، وسطوة الملهاة السوداء، ليصلوا إلى ما يشبه مناحة مفتوحة استعرضوا عبرها طاقاتهم "النِمرة" تلو "النِمرة"، وبشكلٍ أقرب إلى مونودرامات متجاورة، أبعد ما تكون عن مشروع ارتجال جماعي، فـ"العم أبو الليث- هافال حمدي" والخادم زاهر- همام رضا" وزوجته "غزالة- إليانا سعد" "والابن الأكبر غسان- سليمان رزق" جميعهم وإلى جانبهم كل من شخصيات "الشيخ- أنس الكاتب" و"ندى- لارا بدري" و"الممثلة ليلى- مرح حجاز"، إضافةً إلى الأبناء "قصي- علي كمال الدين" و"سموأل- نوار سعد الدين" و"صهيب- مجد سلوم" و"كريستين- غدير سلمان" الشاب المتحول جنسياً و"العمة آسيا- سالي أحمد"، أضف إلى دور "المحامية سناء- جنا العبود" و"شغف الابنة الحامل- مرح حسن". جميع هؤلاء كانت لهم المساحة العريضة لقول مونولوغات مطوّلة بدا أن الارتجال فيها كان فردياً، ولصالح الدور الذي يجسدونه، بعيداً من الصيغة الجماعية التي صدّرها بروشور العرض على صفحته الأولى، مما أسهم في إنتاج مطوّلات أدائية، جعلت العرض يمتد إلى ثلاث ساعات ونصف الساعة، فاقداً في بعض مواطنه المقدرة على ضبط الإيقاع العام له.

صراع الشخصيات

هكذا ظلت هذه التجربة في صيغة أقرب إلى صيغة التمرين على شخصيات نمطية، بدلاً من إنتاج صراع درامي واضح، تكون فيه العلاقة مثمرة بين الممثل والممثل الشريك، لكن بالمقابل كان هناك تصادم أساليب جريء عبر المساحة الفارغة التي أوجدها المخرج على الخشبة، مستعيناً بسينوغرافيا حسن التكريتي، وموسيقى طاهر مامللي، جنباً إلى جنب مع أزياء ريم الماغوط، ومكياج منور عقاد، لتبدو هذه العناصر متجانسة إلى حدٍ كبير في تهيئة مناخ لوني وضوئي لعمل الممثل ولعثماته وانتفاخه وغليانه على مساحة اللعب، مقترباً أكثر فأكثر من مسرح البيوميكانيكا لميرخولد، وما يقترحه من الدمج بين عالم الممثل الداخلي وحركاته الجسدية.

طاقات أخاذة انبلجت دفعةً واحدة ومنذ اللحظة الأولى من العرض، معلنةً عن أجواء توتّرت لحظةً إثر لحظة، في تدافع ممثلين وممثلات "شارة"، إذ يشير العرض بقوة إلى وحشية الإنسان وأنانيته وتماديه في العسف والخيانة، لا سيما في مشهد غروتيسك، إذ يفتح العم فيه، تابوت الأب ويقطع إبهامه بالسكين، كي يأخذ بصماتها على عقود وكالة مزوّرة، تجيز له أن يكون الوريث شبه الوحيد لمعامل ومستودعات أخيه الميت.

بالمقابل، يمكن ملاحظة التباينات بين عالم الأثرياء والفقراء من خلال شخصية الخادم وزوجته، مطلَّيْن بقوة على عالم الشهرة التي عكسته شخصية "ليلى" وما تدفعه المرأة من تنازلات في الوسط الفني مقابل بلوغها المال والشهرة، في حين نطل لأول مرة في المسرح السوري على موضوع المتحولين جنسياً، وذلك من خلال شخصية الابن "سومر" الذي يصبح في العرض "كريستين" المرأة - الرجل في شخصية قضت الحداثة وصيحات علم الجينات والاستنساخ على هويتها الأصلية!

وكما في كل العروض التي حققها قزق، يطل بجرأة على ثنائية الدين والسلطة، وكيف ينتصر رجل الدين في النهاية بالتحالف مع أولي الأمر، مهيمناً على تركة الأب الميت، التي نكتشف في نهاية العرض أنها أصبحت وقفاً للمؤمنين، وذلك بعد مكاشفات عنيفة وصادمة تمررها المنولوغات المتتابعة للشخصيات المتناحرة على حجز مساحتها الأطول والأكبر أمام جمهور دار أوبرا دمشق. ومع ذلك، يصح القول أن "شارة" تفوّق بممثلين وممثلات على عتبة الاحتراف، منتزعاً الاعتراف مرةً أخرى بـ "مسرح الحكي" الذي يعتبر الكلام مادة العرض المسرحي لا اللغة الفصحى التي تحوّل الممثل إلى منبرٍ لها.

هكذا يبرم المخرج والمشرف عقداً جديداً مع ممثليه الجدد، بعد أقل من شهر على عرضه الأخير "مشاهد من المسرح الواقعي" الذي قدمه مع طلاب السنة الثالثة تمثيل في حافلة من مخلّفات الحرب السورية، معيداً إلى الأذهان أمجاد فرقة المعهد العالي للفنون المسرحية، التي تعطّلت أنشطتها منذ تسعينيات القرن الفائت مع عرض "جنكيز خان" لمخرجه مانويل جيجي وبطولة غسان مسعود، وذلك على الرغم من وجود بند في النظام الداخلي للمعهد ينص على وجود هذه الفرقة، وضرورة تمويلها ودعمها من ميزانية المعهد ذاته.

المتأمل في تجارب فايز قزق يجد أن العروض التي اشتغل عليها تكاد تكون مختبراً مفتوحاً مع الممثل، وفسحة لتطوير عمل المسارح القومية، بعيداً من المسرح المتجهم أو المسرح العابس، الذي كانت قوامه نصوص أجنبية مترجمة، ظلت تعتبر التأليف عبر الارتجال الجماعي ضرب من التسلية وتقليد للمسارح التجارية، فيما يختصر "شارة" معملاً فنياً جديداً في محاكاة الواقع، والتماس حاجة الجمهور الجديد إلى ما يخصه من هواجس وأفكار وأزمات، بات المسرح اليوم أقربها كفن لمحاكاتها، وفي تقديم قراءة مغايرة ومختلفة، لتبقى الخشبة بمثابة منصة خلاص في مواجهة منصات الإعدام الجماعية، لا سيما في بلاد تدخل عامها التاسع حرب بلا ألم يذكر!

 

  

 

 

    

    

    

المزيد من ثقافة