"حماس" تدرب فتية غزة على مهارات عسكرية

يشارك في مخيمات "طلائع التحرير" نحو 26 ألف فتى من مختلف المراحل العمرية

تدريبات للفتية على تجاوز خط النار في حالات الطوارئ (اندبندنت عربية)

"انتبه جيداً، النار تقترب منك". بصوت قوي يقول أبو بلال، محذراً عشرة من الفتية الذين يقفزون عن إطارٍ دائريٍ مشتعل. وبعد تجاوزه ينبطحون على الأرض زحفاً على بطونهم، ثم يتخطّون السلك الشائك ليحمل كل واحد منهم سلاحه الخشبي، ثمّ يقف في مكانه داخل الطابور.

هذا المشهد يتكرّر يومياً في قطاع غزّة. فتية يتدربون على المهارات العسكرية الخفيفة، ضمن مشاركتهم في مخيمات "طلائع التحرير"، التي أطلقتها كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة "حماس"، للعام الخامس على التوالي، وتخصّصها لمن هم دون سن 18، أيّ لفئات عمريّة محدّدة، وعادة ما تكون للمراحل الدراسية الإعدادية والثانوية.

أهداف وخبراء

تقوم فكرة مخيمّات "طلائع التحرير" على استقطاب الفتية من مختلف محافظات قطاع غزّة، وتدريبهم على ثلاثة عوامل. الأوّل: المهارات العسكرية والبدنية، وتشمل بناء القوة الجسدية واستخدام السلاح مع اتخاذ تدابير السلامة والأمان، وتدريبات في مجال الدفاع عن النفس واللياقة البدنية وقوة التحمل. والثاني: تأهيل مهاراتهم في جوانب العمل التطوعي والإنساني، مثل الدفاع المدني والإسعاف الأولي. والثالث: تقويم الجانب السلوكي، وتعزيز قيم التسامح والتعاون والعمل التكافلي، وتحصين الشباب فكرياً وأمنياً، وفقاً للمتحدث باسم مخيمات طلائع التحرير أبو بلال.

ويتمّ الإعلان عن مخيّمات "طلائع التحرير" في العطلة المدرسيّة الصيفية، ويكون التسجيل فيها اختيارياً، إمّا في المساجد أو المواقع العسكرية التابعة لكتائب القسام، التي عادة ما تتولى بنفسها الإعلان عن هذه المخيّمات. ويعلّق المحلّل السياسي حسام الدجني على ذلك، بأنّه رسالة إلى إسرائيل بأنّ "حماس" تعد القوّة من اليوم، وتتولى الإشراف على تأهيل قدرات الشباب.

بالفعل، تخصّص "حماس" عدداً من المدربين ذوي المهارات العالية والخبراء في التدريب العسكري والبدني الملائم لأعمار المشاركين في مخيّمات "طلائع التحرير". ويوضح أبو بلال أنّ كتائب القسام يعمل على استثمار الجيل الصاعد، ويأتي ذلك من موقع المسؤولية في الدفاع عن القضية الفلسطينية، خصوصاً أنّ فئة الشباب تعد رأس المال المُعوّل عليه في مشروع التحرير.

إقبال

هذا العام كان الإقبال وفق القيادي في كتائب القسام كبيراً جداً. ووفق تقديراتٍ حصلت عليها "اندبندنت عربية"، فإنّ عدد المسجلين الراغبين في تلقي تدريبات فاق حاجز الـ 26 ألفاً من الفتية الشباب. ويرى أبو بلال في هذه الأرقام أنّها رد عملي من سكان غزّة على المراهنين على تصفية القضية الفلسطينية، وأنّ "الجيل الصاعد لا ينشغل بمغريات الحياة".

وفي الأصل، لا يوجد في غزّة أي مغريات للحياة، وعادة ما يكون انشغال الناس الأكبر في الحديث السياسي ومدى تطوّر الفصائل المسلّحة. وهذا ما يؤكده الدجني، الذي يشير إلى أنّه يجب استغلال العطلة الصيفية لتنمية مهارات الفتية، لكن ظروف غزّة السيئة الخالية من فرص العمل أو الترفيه والسفر، تجعل الفصائل تقف أمام مسؤوليتها في الاهتمام بتطوير قدراتهم العسكرية.

بدأت فكرة هذه المخيمات عام 2008، بعد تولي "حماس" سدّة الحكم في قطاع غزّة، إثر فوزها في الانتخابات التشريعية عام 2006، ولكنها انقطعت فترة طويلة من دون أيّ أسبابٍ واضحة، وعادت عام 2015.

فصائل أخرى

ليست حركة "حماس" وحدها من تنظّم هذه المخيّمات، بل تعمل حركة الجهاد الإسلامي على إقامة أكثر من مخيّم. لكن وفقاً للمتحدث باسم الحركة معصب البريم، فإنّ هذه المخيمات مخصّصة للأنشطة الترفيهية ولملء أوقات فراغ الفتية، ولا جوانب عسكرية فيها.

لكن إسرائيل تتّهم الجهاد الإسلامي بأنّ مخيّماتها أكثر تطرفاً. فيقول البريم "هذه المخيمات تعمل على التوعية تجاه القضية الوطنية، والمهارات التي يتلقاها المشاركون عبارة عن تدريبات كشفية، إضافة إلى العديد من قيم التكافل الاجتماعي مثل مساعدة المزارعين وتنظيف الشوارع".

رسائل

هذا العام تُقام المعسكرات الشبابية على بعد أقل من 500 متر من الحدود الفاصلة بين غزّة وإسرائيل، سواءً داخل المواقع العسكرية لكتائب القسام، أو في مخيّمات العودة التي يشارك فيها المتظاهرون كلّ يوم جمعة في مسيرات العودة. ويشير أبو بلال إلى أنّه تمّ اختيار هذا المكان لفرض معادلات سياسية وعسكرية جديدة على إسرائيل.

مجموع المواقع والنقاط التي يتدرّب فيها الفتية يصل إلى 15 بؤرة تدريبية، وكلّ مخيّم فيه طلائع عدّة. وعادة ما تحمل كلّ طليعة اسم قرية من فلسطين، تضم كل واحدة 150 مشاركاً، يشرف عليهم خمسة مدربين خبراء، ويمتد تدريبهم على مدار ستة أيّام متواصلة. وبدأت كتائب القسام أسبوعها الأوّل بتدريب المرحلة الثانوية، على أن تنتقل إلى المرحلة الإعدادية تباعاً.

فارق

لكن عند مقارنة هذه المخيّمات بالمدارس الإسرائيلية الدينية، فإنّ الفارق من وجهة نظر الدجني في كون المدارس الإسرائيلية هذه تحث على الإرهاب وكراهية العرب، وتدفع إلى ارتكاب الجرائم بحق الفلسطينيين، وعادة ما يحمل منتسبوها السلاح معهم بشكلٍ دائم.

وفي إسرائيل قانون التجنيد الإجباري، لكن المخيّمات الشبابية تحمل طابعاً مختلفاً. ويوضح الدجني بأنّه لا يمكن مقارنة التجنيد في إسرائيل بتدريب الفتية، فالفارق واضح من حيث القوة العسكرية ونوعية التدريب.

المزيد من العالم العربي