رفوف وطاولة... مبادرات فردية سورية لتشجيع القراءة

تفوقت التكنولوجيا على الكتاب الورقي وانتزعت منه ما تبقى من معجبيه

مبادرة فردية في سوريا لمَن لا يملك المال لشراء الكتب (اندبندنت عربية)

ليس سهلاً أن تنفض الغبار المتراكم على أغلفة الكتب المكدّسة على الرفوف، وتُشرع أبواب خزائن الصحائف تاركاً النور يتغلغل إليها في زمنٍ يخطفنا فيه بريق شعاع الألواح الضوئية نحو الحواسيب والهواتف النقّالة. تحدٍ يضع متعة الكتاب في مواجهة جاذبية التطبيقات البرمجية في كل المجالات، التي أمسكت بقوة قبضتها أنماط معيشة الناس ومسارات حياتهم.

المكتبة التبادلية

وتتفوق التكنولوجيا على الكتاب الورقي اليوم، نازعةً منه ما تبقى من معجبيه الذين يألفون ملمَس الورق واستنشاق رائحة الحبر منه كعطر وردة من بستان زهور. ومع كل انتصارات الكتاب الإلكتروني وانحسار المعجبين والمهتمين بالكتب الورقية، ما فتئ عشاق "الكتاب"، سعياً نحو مبادرات تشجّع القراءة الورقية على الرغم من خذلان وتشاؤم يلفّان واقعه. وعلى الرغم من قلة المبادرات الفردية مقارنةً بالمبادرات الأهلية أو المراكز الثقافية التي تأطّرت بالعمل المؤسساتي، إلا أن المبادرات الفردية تميزت بحرية الأفكار ومخاطبتها لجمهور مهتم مع قابلية تبدل الفكرة وتطويرها.
في المقابل، تحكم الأفكار المؤسساتية، بخاصة تلك التي تتبع للمراكز الثقافية، نمطية العمل وقوالبه الجاهزة من دون إبداع يُذكر، ما عدا أفكار مميزةٍ تفرّدت بها بعض المبادرات، ومنها مبادرة ثقافية أُطلقت أخيراً تهتم بتشجيع تبادل الكتب بين القراء في إحدى حدائق العاصمة السورية دمشق، سُمّيت بـ"المكتبة التبادلية".
تمحورت فكرة المبادرة كما أعلن عنها المشرفون من الوسط التربوي والثقافي، بتثبيت عددٍ من الرفوف الخشبية على جذع شجرة، وُضِعت عليها مؤلفات، ليتبادلها روّاد الحديقة في ما بينهم، أمام اللوحة الجدارية في حي المزة الدمشقي وبإشراف من الفنان السوري، موفق مخول.


رف القراءة

في المقابل، يستهجن أحد أصحاب المكتبات طريقة التعاطي مع واقع القارئ العربي، وما يروَّج له عن الصورة النمطية التي جسدتها الماكينة الإعلامية طوال عقود من الزمن بأن القارئ الغربي يقرأ أكثر من القارئ العربي، معتمدين بذلك على إحصاءات ودراسات مشكوك بمصداقيتها.
لا يتوانى وليد كردية، صاحب مكتبة في مدينة اللاذقية الساحلية غرب سوريا، عن إبراز الثقافة الواسعة للقارئ العربي، معتبراً كل ما يُشاع عن تراجع العرب عن القراءة عارٍ عن الصحة.
ويذهب بالاعتقاد إلى أن عدد القراء العرب ونسبتهم أكثر مما يُروَّج له، مبرهناً ذلك بتنامي واستمرار إقامة معارض الكتب وازدهارها بخاصة في لبنان والسعودية.
يروج كردية ويبيع كتباً متنوعةً في مكتبته، ولا يخفي إقبالاً على اقتناء الكتب وحرص رواد المكتبة على متابعة جديد المطبوعات، وأطلق مبادرة "بوكس فور فري" التي قدّم من خلالها خدمةً للناس الذين لا مقدرة لديهم على شراء الكتاب ويرغبون في القراءة. ويقول إن أحد المتبرعين والمبادرين أوحى بهذه الفكرة، سعياً منه إلى تشجيع الناس على القراءة ونشر الثقافة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أزمة القارئ

من جانب آخر، يرى كردية أن أزمة القارئ المحلي هي أزمة مادية، فسعر الكتاب ليس مرتفعاً في سوريا بل الأزمة الاقتصادية وفروقات أسعار صرف العملات الأجنبية مقارنة بالليرة السورية تلعب دوراً كبيراً. وقال إن "الشخص الذي كان يقرأ ثلاثة كتب شهرياً، انخفضت قراءاته بسبب الأزمة المالية، وبالنهاية في اللاذقية يوجد جمهور قارئ. الناس هنا تقتني الكتب وتتابع كل ما يُطبَع".
ويدعو صاحب مبادرة "الرف المجاني" إلى تغيير الصورة النمطية وهي أننا شعب غير قارئ، واصفاً إياها بالصورة الخاطئة. وأضاف "انظر إلى معارض الكتب مثلاً في جدة يُدهشك حضور الناس ودور النشر والتنظيم والاهتمام بالمعارض، ومعرض دمشق للكتاب عاد من جديد بعد الحرب ولاقى إقبالاً ولكن الشراء ضعيف بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج".

المستديرة والقراء

حين نستعرض المبادرات الفردية لتشجيع القراءة، تستوقفنا مبادرة "الطاولة المستديرة" في دمشق التي توقفت في ظل الحرب، بعدما تلقفها المركز الثقافي من صاحبها الأديب صباح حديدي.
طرح حديدي فكرةً لتشجيع الشباب المثقف على القراءة عبر شراء كتب من ماله الخاص للإصدارات الجديدة وتوزيعها على رواد "الطاولة" ممَن يرغبون في مناقشتها بعد شهر من قراءتها كاملةً.
أصحاب "الطاولة المستديرة" الذين فاق عددهم الـ 100 كانوا يجتمعون شهرياً ويستقبلون مؤلف الكتاب، فيخوضون في نقاش نقدي ثقافي لمحتويات المطبوعة. تجربة تشير إليها واحدة من أعضاء الفريق بأنها من أنجح التجارب الفردية على الإطلاق، نظراً إلى ما تتمتع به من حرية في النقاش مع المؤلف. أرغمتها "الطاولة" على المواظبة على القراءة والاجتهاد الدائم لكسب مزيد من المعرفة والثقافة المتجددة في كل العلوم. وتقول "مع أنني في ذلك الوقت كنت طالبة في كلية الهندسة المدنية، إلا أنني لم أتخيل أنني سأتبحر بعلوم الفلسفة والشعر والأدب وأعشق متابعتها".
على مدار ثلاث سنوات ونصف السنة، استمرت مبادرة "الطاولة المستديرة" بالعمل واستقطاب جامعيين وتشجيعهم على القراءة، لكن هذا المشروع وغيره من المبادرات الفردية الكثيرة في سوريا، محكومة بالتعثر لكثير من الأسباب كونها لا تلاقي الدعم المطلوب أو لأنها تُدعم لفترة ثم تُغلق، وما "رف الكتب" أو "الطاولة" أو حتى مقاهي حلب مثل "مقهى الفن" الذي أُغلق، أو "أثر الفراشة" أو "قصيدة نثر" في اللاذقية ومقاهٍ عدة في العاصمة، أخذت تنحو في اتجاه أن تكون مقاهٍ ثقافية غير ربحية تروّج للقراءة عبر رفوف مكتبية متواضعة الحجم، ومع فنجان قهوة وموسيقى هادئة وسط ضجيج القذائف والحروب.

المزيد من ثقافة