Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تعليم مجاني هدية معلم الرياضيات المقعد لفقراء غزة

يقطع الأستاذ 8 كيلومترات في اليوم لإعطاء دروسه الخصوصية من دون مقابل

على سبورة مهترئة كتب المعلم شحادة الخطيب معادلة حسابية وكان يردد بصوته الجهوري كل ما يخطه قلمه وأدار بيديه الضعيفتين عجلات كرسيه المتحرك ليسأل طلابه "من يرغب في حل المسألة؟".

تنافس التلاميذ للإجابة عن السؤال، لكن المعلم المقعد قرر أن يختار بنفسه من يحل مسألة الرياضيات وبدأ يتجول بكرسيه المتحرك داخل الغرفة الصغيرة التي تكدس بها الطلاب من أجل الحصول على حصة درس خصوصي.

 

دروس مجانية

في الواقع، شحادة ليس معلم رياضيات في الأساس، ولم يعمل في أي مدرسة، على رغم حصوله على شهادة جامعية في علم الإحصاء والمحاسبة والعلوم الإدارية، ومع ذلك لم يوظف في السلك الحكومي وهو عاطل من العمل منذ عام 2003 بعد تعرضه لعيار ناري إسرائيلي اخترق عموده الفقري وحوله إلى مقعد على كرسي متحرك.

وكل ما في الأمر أن لديه طاقة إيجابية وعلماً وفيراً في الرياضيات ويحاول ألا تمنعه الإعاقة من تقديم خدمة مجانية للفقراء في مجتمعه، تتمثل في إعطاء دروس خصوصية مجانية للطلاب الضعفاء في هذه المادة.

وقال شحادة "بعد انقطاع التلاميذ عن التعليم لمدة عامين على التوالي بسبب جائحة كورونا، لاحظت انخفاض مستوى الطلاب في الرياضيات، وحتى أتحرر من سجن الإعاقة، قررت تنفيذ مبادرة فردية غير مدعومة من أي جهة على شكل دروس خصوصية"، وأضاف "أنا إنسان دخلي محدود جداً وهذا جعلني أشعر بعذاب الأسر الفقيرة التي يمتنع أبناؤها عن الدروس الخصوصية بسبب قلة المال، ومن أجل ذلك، كانت مبادرتي التعليم المجاني لمادة الرياضيات".

ويستهدف شحادة في دروس الرياضيات التي يقدمها مختلف المراحل التعليمية (الابتدائي والمتوسط والثانوي)، وكذلك يصور بالفيديو المواضيع المهمة وينشرها على وسائل التواصل الاجتماعي في محاولة منه لإيصال ما يقدمه إلى الطلاب في الضفة الغربية.

 

بكرسيه المتحرك يقطع محافظتين

يسكن شحادة في محافظة خان يونس جنوب قطاع غزة، لكنه يعطي دروس الرياضيات الخصوصية في محافظة رفح التي تقع أيضاً جنوباً ويقطع يومياً نحو ثمانية كيلومترات للوصول إلى الطلاب الفقراء، ويقول إنه بذلك يوفر على طلابه كلف النقل إحساساً بالمسؤولية تجاه الفقراء أمثاله.

وفي كثير من الأوقات لا يجد شحادة وسيلة نقل توصله إلى الطلاب المتشوقين لدروسه، فيضطر إلى دفع الكرسي المتحرك بيديه ويقطع على هذه الحال مسافة طويلة، مما يشكل مجهوداً ومشقة عليه.

وأوضح شحادة أن صعوبة الطريق تتسبب في ضياع ساعتين أثناء الذهاب والإياب، ويعاني في مسلكه كثيراً من الحفر والمطبات وبرك المياه في الشوارع المهترئة، لكن على رغم ذلك يؤكد أنه لن ينقطع عن تقديم الدروس المجانية للطلاب ولن يطلب منهم الذهاب إليه.

باب ثلاجة

ويخصص شحادة ست ساعات من يومه للطلاب ويعلم يومياً نحو 50 تلميذاً، يقسمهم على شكل مجموعات، تضم كل واحدة 10 طلاب، ويعطي المعلم المقعد دروسه داخل غرفة صغيرة في بيت ابنه بعدما جهزها بإمكانات متواضعة وعمل على تحويل باب ثلاجة قديمة إلى سبورة بعدما غطاه بمواد جيلاتينية ليتمكن من التعامل معه.

يقبل المساهمات

لا يفرض شحادة أي رسوم على التلاميذ الذين يحضرون حصصه الخصوصية، لكنه يقبل مساهمات الطلاب، ويقول "التعليم مجاني ولا أقبل الأموال، لكن هناك من يوفر أوراقاً لنكتب عليها، أو أقلام الحبر، وبعضهم جلب كراسي بلاستيكية، وهذا من أجل مواصلة المسيرة التعليمية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويحاول شحادة من خلال مبادرته تقديم خدمة لمجتمعه بحسب القدرات التي يمتلكها من باب إحساسه بالمسؤولية الاجتماعية، لكنه يتساءل عن حقوق ذوي الإعاقة المسلوبة في غزة.

أفقر الفقراء

وبحسب بيانات التعداد العام للسكان لعام 2021، فإن في غزة نحو 135 ألف شخص من ذوي الإعاقة، بينهم نحو 56 ألفاً يعانون الإعاقات الحركية، ويشكلون بمجملهم 6.8 في المئة من إجمالي السكان في القطاع، وتقول منظمة الصحة العالمية إنهم يعيشون ظروفاً صعبة للغاية تشمل عدم ضمان حصولهم على عمل.

ويؤكد رئيس جمعية المعوقين حركياً سمير أبو جياب أن رفاقه يعانون تهميشاً رسمياً مستمراً، وباتوا من أفقر الفقراء بسبب عدم وجود برامج تشغيلية لهم، وهذا ما دفع المعلم شحادة إلى تنفيذ مبادرته، لكنه لا يبحث عن مال بل عن اهتمام، ويضيف "كثيرة هي العراقيل أمام ذوي الإعاقة، وتشمل عدم ضمان عمل لنا وعدم مواءمة الشوارع، وهذا ما يظهر بوضوح في قصة المعلم، ويتنافى ذلك مع القانون الفلسطيني الذي يمنحنا فرصاً متساوية مع الأشخاص السليمين".

لكن في المقابل يقول مدير دائرة المعوق في وزارة التنمية الاجتماعية سعيد أبو عشيبة إن "لذوي الإعاقة الحق في ممارسة أنشطتهم وضمان جميع حقوقهم، واستوعبنا ما يزيد على 19 ألف حالة ضمن البرنامج الوطني للمساعدات النقدية التي تقدمه الوزارة، وبدأنا العمل على مشروع لتوفير سماعات وكراس كهربائية، إلى جانب عملنا على مواءمة الطرق العمومية"، وينفي تقصير المؤسسات الحكومية في حق ذوي الإعاقة، مشيراً إلى أنهم يعملون وفق القانون الفلسطيني وينفذون لوائحه بالتفصيل ويستوعبون ما لا يقل عن خمسة في المئة منهم في المؤسسات الرسمية كما نص التشريع.

المزيد من تقارير