عودة واشنطن إلى اتفاق إيران النووي شبه مستحيلة مع أي رئيس

رهانات طهران بالتلاعب لحين موعد الانتخابات الأميركية واهنة

انزلاق واشنطن وطهران بحرب مدمرة يعني الدخول في سيناريوهات جديدة من شأنها الإجهاز على الاتفاق النووي (رويترز)

رهانات البعض في طهران بالانتظار والتحايل والمناورة حتى موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة أملاً في رحيل الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن السلطة وعودة واشنطن إلى الاتفاق النووي مرة أخرى، ليست إلا رهانات واهنة بحسب كثير من الباحثين والخبراء السياسيين في العاصمة الأميركية، ليس فقط لأن فوز ترمب بدورة رئاسية ثانية ما زال احتمالاً قوياً حتى الآن، ولكن أيضاً لعقبات سياسية ولوجستية أخرى.

 ففي الوقت الذي تعهد فيه معظم المرشحين الديمقراطيين للانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2020 بالعودة للاتفاق النووي مع إيران إذا وصلوا إلى المكتب البيضاوي في يناير (كانون الثاني) 2021، فإن جميع المؤشرات والحقائق تؤكد أنه من المستحيل عودة واشنطن إلى الاتفاق النووي، ذلك أن فقرات عديدة من الاتفاق الذي وُقع عام 2015 سوف تنتهي خلال سنوات أو أشهر قليلة، وسيكون من الصعب عملياً إلغاء العقوبات التي فرضها ترمب على إيران.

أكثر من ذلك، فإن الانتخابات الإيرانية المقبلة، قد تأتي في ظل وضع سياسي متوتر وحالة اقتصادية متدهورة بالتيار الأكثر تشدداً إلى سُدة الحكم في طهران، فضلاً عن أن إيران هددت في أكثر من مناسبة، بأن تُخرج نفسها من الشروط والقيود التي حددها الاتفاق خلال الأشهر المقبلة، والعامل الأهم أن الولايات المتحدة وإيران قد تنزلقان في حرب قصيرة أو طويلة تطيح بأي إمكانية ولو ضئيلة بفكرة عودة واشنطن للاتفاق النووي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حال استمرار ترمب أو الحرب

يمثل بقاء الرئيس الأميركي الحالي في السلطة لسنوات أربع أخرى بعد العام 2020 أمراً وارداً بقوة، خصوصاً وأنه تمرس على كيفية حشد داعميه في الحزب الجمهوري الذي يسيطر عليه سيطرة شبه كاملة، فضلاً عن دعم كثير من المستقلين له، ما يتوقع معه في حال فوزه بمعركة نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2020 الإبقاء على قوة الضغط التي واصلها ضد إيران، والتي ستكون ورقة انتخابية يعتقد ترمب جازماً أنها ستكون ورقة رابحة، وبالتالي فإن عودة ترمب إلى اتفاق العام 2015 الذي أبرمه الرئيس السابق باراك أوباما ودول أخرى مع إيران، تُعد أمراً مستحيلاً، فالرئيس الأميركي خرج من الاتفاق بهدف توسيع نطاقه وتعديله ليشمل أنشطة إيران غير النووية مثل دعمها للجماعات الإرهابية وملف الصواريخ الإيرانية ولن يقبل بغير ذلك قبل حلول موعد الانتخابات.

صحيح أن استخدام العقوبات والضغوط لم تدفع إيران نحو التفاوض حتى الآن، إلا أن ترمب بدا غير متعجل وواثق من إحداث الأثر المطلوب مع إيران عبر سياسة "الضغوط القصوى" والاستمرار في فرض عقوبات جديدة ومؤلمة.

أما إذا انزلق الطرفان الإيراني والأميركي في حرب مدمرة في ظل التوترات المتصاعدة وصولاً إلى اسقاط طائرات مسيرة من الجانبين واستهداف ناقلات بترول في مضيق هرمز، فإن هذا يعني الدخول في سيناريوهات جديدة من شأنها أن تٌجهِز على الاتفاق النووي تماماً وتُرسي قواعد جديدة وربما عصراً جديداً في منطقة الخليج وفقاً للشكل الذي يمكن أن تنتهي إليه الحرب.

 ماذا سيفعل الديمقراطيون؟

في فبراير (شباط) الماضي، أصدرت اللجنة الوطنية في الحزب الديمقراطي قراراً يدعو الولايات المتحدة إلى العودة مرة أخرى إلى الاتفاق النووي، وفي المناظرات الانتخابية والمنتديات الجارية الآن، اتخذ المتنافسون الديمقراطيون الموقف نفسه، باستثناء مرشح واحد فقط هو "كوري بوكر" السيناتور عن ولاية نيو جيرسي، الذي رفض العودة للاتفاق النووي قائلاً" "إذا أتيحت لي فرصة للتوصل إلى اتفاق أفضل، فسأفعل ذلك".

إيران تتخلى عن الاتفاق تدريجياً

خلال الأسابيع القليلة الماضية، بدأ القادة الإيرانيون الانتقام من خروج الولايات المتحدة منفردة من الاتفاق النووي، واتخذوا خطوات تضع إيران بعيداً عن الامتثال بتنفيذ الاتفاق، كما تعهدوا بمزيد من الخروقات للاتفاق كل 60 يوماً، إلا إذا رفعت واشنطن العقوبات الاقتصادية، أو ساعدت الأطراف الأخرى الموقعة على الاتفاق في تخفيف أثر العقوبات الأميركية.

فإذا استمرت إيران في تنفيذ ما تعهدت به من سياسة عدم الامتثال حتى موعد انتخابات الرئاسة الأميركية في نوفمبر 2020، ربما تكون إيران قد تخلت بالكامل عن الاتفاق النووي، وهو ما يمثل مشكلة عويصة للديمقراطيين الذين تعهدوا بالعودة للاتفاق مطالبين طهران بالامتثال الكامل وعدم الاخلال بأي من بنوده، فإذا فاز مرشح الحزب الديمقراطي بالانتخابات الرئاسية المقبلة سيكون السؤال هو: ما الطرف الذي يتعين عليه المبادرة بالخطوة الأولى؟ فإيران سوف ترفض العودة للاتفاق قبل رفع العقوبات، والإدارة الديمقراطية الجديدة سترفض أيضاً رفع العقوبات قبل التزام إيران ببنود الاتفاق.

من يدفع ثمن العقوبات؟

بعض المتشددين داخل إيران يرفضون العودة إلى الاتفاق النووي إلا بعد أن تدفع الولايات المتحدة ثمن الخسائر التي تكبدتها إيران، والدمار الذي لحق بالاقتصاد الإيراني جراء العقوبات الاقتصادية الأميركية، وهو أمر لن تقبل به واشنطن، بل إن الديمقراطيين أنفسهم داخل الكونغرس يرفضون أن تتحمل الولايات المتحدة أية مبالغ تدفعها لإيران في هذا الصدد.

ويقول "آريان طبطبائي" الباحث السياسي في مؤسسة "راند" الأميركية" "الاعتقاد السائد في واشنطن حالياً هو أن الولايات المتحدة تتمتع بنفوذ وتأثير يخوّل لها الحصول على تنازلات من الإيرانيين، بينما يفكر الإيرانيون بالطريقة نفسها ويعتقدون أن بوسعهم نيل تنازلات من الأميركيين".

المتشددون قادمون

مثلما تنتظر الولايات المتحدة استحقاقاً انتخابياً رئاسياً وتشريعياً، تنتظر إيران أيضاً استحقاقاً تشريعياً في العام المقبل، بينما تنتظر استحقاقاً رئاسياً في مايو (أيار) 2021 أي بعد ستة أشهر من موعد الانتخابات الأميركية، ومن المتوقع أن تمنح العقوبات الاقتصادية المؤلمة على إيران التيارات الأكثر تشدداً طوق النجاة، ليصلوا إلى سُدة الحكم في طهران، وهي تيارات تعارض بشدة إجراء مفاوضات مع الولايات المتحدة، خصوصاً وأن الرئيس الإيراني الحالي "حسن روحاني" الذي يُصنف داخل إيران ضمن جناح المعتدلين، هو الذي وقع الاتفاق النووي، ولا يحق له هذه المرة الترشح لمدة رئاسية ثالثة في إيران.

وبصرف النظر عن موقف المتشددين، فإن صاحب الكلمة الأخيرة في شؤون الدولة في إيران هو المرشد الأعلى "علي خامنئي" الذي أوضح جلياً رفضه فكرة التفاوض مع ترمب، بل إنه كان متردداً حتى خلال توقيع الاتفاق النووي عام 2015، فإذا فاز الديمقراطيون بالرئاسة في الولايات المتحدة، فقد يظل خامنئي على موقفه ويرفض التفاوض، غير أن الوضع الاقتصادي في إيران، ربما سيكون قد تضرر كثيراً بحلول نهاية العام المقبل، وحينئذ قد لا يكون أمام خامنئي سوى التفاوض أياً كان الفائز بالانتخابات الأميركية.

عناصر الاتفاق تنتهي قريباً

الحقيقة الأخرى التي تستبعد معها عودة واشنطن للاتفاق النووي، تتمثل في أن عناصر الاتفاق المبرم عام 2015 بما فيها الحدود والشروط المفروضة على إيران، سوف تصل إلى نهاية إطارها الزمني خلال أشهر أو سنوات قليلة، فعلى سبيل المثال، سوف ينتهي الحظر الذي فرضته الأمم المتحدة على بيع الأسلحة التقليدية إلى إيران العام المقبل، وبحلول عام 2023 سوف ينتهي أيضاً إجراء أممي آخر يدعو إيران إلى تقييد برنامج الصواريخ الباليستية، وبعد سنوات أخرى قليلة ستكون أجزاء كثيرة جداً من الاتفاق قد انتهت، بما يسمح لإيران باستخدام أجهزة الطرد المركزي المتقدمة، وتخصيب اليورانيوم فوق المعدلات المنصوص عليها في الاتفاق النووي الحالي.

ووفقا للاتفاق النووي، وافقت إيران على السماح بدعم عمليات التفتيش الدولية بشكل دائم، وبمراقبة الأنشطة النووية، كما وقعت إيران على اتفاق منع انتشار الأسلحة النووية الذي بدأ عام 1970، ما يعني أنها التزمت أمام المجتمع الدولي أنها لن تسعى أبدا إلى انتاج أسلحة نووية، لكن سجل إيران وسياسات التحايل التي اتبعتها في الماضي بشأن أنشطتها النووية، واقتراب موعد نهاية الكثير من عناصر الاتفاق النووي، ستكون على الأرجح سبباً في عدم العودة للاتفاق الحالي.

عودة واشنطن للاتفاق مستحيلة

يشير "إيلان بيرمان" نائب رئيس مجلس العلاقات الخارجية في واشنطن وهو مؤسسة تفكير محافظة إلى "أن عودة واشنطن للاتفاق الإيراني بينما تدق عقارب الساعة منذرة باقتراب نهاية الموعد، ليست إلا عملية حمقاء"، وأضاف "الرسالة التي يجب أن يحملها أي اتفاق تتطلب أن توافق الولايات المتحدة على إطار زمني أطول وبشروط أفضل عن الاتفاق الحالي".

وهكذا ، سوف تتطلب العودة إلى الاتفاق الأصلي من أي رئيس للولايات المتحدة رفع العقوبات التي فرضها ترمب على إيران، وهي تعد مشكلة معقدة للغاية وقد لا تكون كافية للإيرانيين، لأن الرئيس ترمب ذهب إلى مدى أبعد في فرض العقوبات إذ أصبحت أكثر وأعمق من تلك التي كانت مفروضة على إيران قبل اتفاق 2015، إذ امتدت عقوبات إدارة ترمب لتشمل مواطنين وهيئات ومؤسسات إيرانية، ولهذا السبب قد يُصر القادة الإيرانيون على ضرورة رفع كل أشكال وأنواع العقوبات، وهو أمر سيكون صعباً للغاية إن لم يكن مستحيلاً من الناحيتين السياسية واللوجستية.

فعلى سبيل المثال، صنفت إدارة ترمب "الحرس الثوري الإيراني" منظمة إرهابية، وهي المرة الأولى التي تضع فيها الولايات المتحدة هذا التصنيف ضد مؤسسة تابعة لدولة أجنبية، بل إن الديمقراطيين قالوا إن قوات الحرس الثوري الإيراني ليست إلا "لاعبة خبيثة"، الأمر الذي قد يُحدث ردات فعل سياسية داخلية خطيرة في حال قرر أي رئيس ديمقراطي رفع هذا التصنيف عن الحرس الثوري الإيراني.

ملف إيران في معركة الانتخابات

لا يشكك أحد في واشنطن بأن الرئيس ترمب سوف يتهم خصمه الديمقراطي في المناظرات والندوات الانتخابية، بأنه يُعرّض أمن ومصالح أميركا للخطر عبر التعهد برفع العقوبات عن إيران أو بالعودة لاتفاق 2015 الذي أبرمه أوباما. الديمقراطيون على الجانب الآخر سيتخذون مواقف حذرة عند مخاطبتهم قواعدهم الشعبية، إذ قال نائب الرئيس السابق "جو بايدن" إنه سيعود لاتفاق 2015 فقط إذا امتثلت إيران بالاتفاق، لكنه أيضاً تعهد بالبحث عن طريقة لدعم الاتفاق وتمديد إطاره الزمني.

ويقول أحد مستشاري حملة "بايدن" الذي يعد الأوفر حظاً حتى الآن للفوز بترشيح الحزب الديمقراطي لسباق الرئاسة، إن نائب أوباما السابق يعلم أن الكثير يُمكن أن يتغير بحلول 2021، ولكنه يرى أن التعهد بالعودة للاتفاق النووي هو إشارة مهمة ينبغي إرسالها إلى حلفاء واشنطن في أوروبا القلقين من انعكاسات انسحاب ترمب من الاتفاق النووي.