الفنان أيمن زيدان يستدرج بريخت إلى مسرح الحمراء الدمشقي

 شخصية الراوي تعود الى قلب اللعبة في "ثلاث حكايا"

أيمن زيدان في مسرحية "ثلاث حكايا" (اندبندنت عربية)

 لا يصح مع المسرح الذي يقدّمه أيمن زيدان أكثر من ذائقة، فالشكل الفني يبدو لدى الممثل والمخرج السوري خياراً لفرجة مفتوحة على عالم الأقنعة والدُمى والترويح الكوميدي؛ مسرح يؤسلب عمل الممثل ويجعله مشروطاً بمراقبة أدائه دون التورط بالاندماج العاطفي مع الدور المُسند إليه، ليكون العرض المسرحي بتوقيع مخرجه وذريعة لملحمة الأحداث بإعادة دور الراوي إلى قلب اللعبة المسرحية، تماماً كما في "ثلاث حكايا" (مسرح الحمراء) لكاتبه أوزوالدو دراكون (1929- 1999). العرض الذي أعقب عدة تجارب لزيدان في فترة الحرب جاء بعد عروضه: "دائرة الطباشير القوقازية" 2014 و"اختطاف" 2017" و" فابريكا" 2018 وصولاً إلى التجربة الراهنة التي قام بطل "نهاية رجل شجاع" بإعدادها للمسرح القومي بدمشق بالتعاون مع الكاتب محمود الجعفوري.

ليست المرة الأولى التي يُقدّم فيها نص الكاتب الأرجنتيني على خشبة المسرح السوري، فقد حققه فواز الساجر (1948- 1988) نهاية سبعينيات القرن الفائت؛ مرةً لصالح المسرح الجامعي، ومرةً أُخرى للمسرح القومي، ليقدمه المخرج السوري الراحل بعدها في صالة "معمل شركة الشرق للألبسة الجاهزة" بريف دمشق، في محاولة وقتذاك للذهاب بالمسرح إلى جماهير العمال والشغيلة في أماكن عملهم. العمال الذين توقفوا وقتها عن تناول وجباتهم أثناء فترة الاستراحة، تأثّروا بالقصص الثلاثة التي قدّمها لهم الساجر في عقر دارهم، إذ علينا أن نتخيل ردة فعل ذلك الجمهور على حكايات دراكون الصادمة، وماذا فعلت بهم بعد مشاهدتها بتمثيل لكلٍ من تيسير إدريس وزيناتي قدسية، والراحل حسان يونس.

الحكايا هي: "ضربة شمس" و"حكاية صديقنا بانشو" و"الرجل الذي صار كلباً" وجميعها تختص بآلام وهواجس طبقة البروليتاريا، وما تكابده للحصول على لقمة عيشها في مجتمع تنقرض فيه أو تكاد الطبقة الوسطى، ففي الحكاية الأولى نحن أمام بائع متجول- "قصي قدسية" يعاني آلاماً شديدة في أسنانه، سوف تضاعفها أشعة الشمس، دون أن يتمكن من تلقي العلاج المناسب لعدم توفر النقود لديه، وهو المعيل الوحيد لأسرته وأطفاله الثلاثة، مما يؤدي في النهاية إلى إصابته بالدوار؛ ووقوعه صريعاً في الشارع بعد معاناة طويلة مع المرض.

القصة الثانية تسرد قصة الشاب المهندس "بانجينو كونزاليس- حازم زيدان" الذي يبيع شرفه المهني؛ مقابل الحصول على مناقصة لبيع اللحوم إلى جنوب إفريقيا، مستبدلاً بها لحوم الجرذان التي تؤدي إلى انتشار الطاعون في البلاد التي تم التصدير إليها، وذلك بعد أن يجد نفسه أمام مسؤولية تربية وإطعام زوجته وأبنائه الأربعة، وأمام واقع قاسٍ لا يعترف بقيمة الإنسان إلا بما يملكه من مالٍ في جيوبه، مما يدفعه إلى الانخراط في صفقات الفساد العام، والقبول بخلاصه الفردي على حساب موت آخرين.

الحكاية الثالثة كانت عن الرجل- "مازن عباس" الذي يبحث عن شاغر لوظيفة كميكانيكي أو عامل مخرطة، لكنه وبعد لأيٍّ طويل لا يعثر على عملٍ يسد به رمقه ورمق زوجته وأطفاله، مما يضطره للعمل لدى عائلة ثرية كحارس مكان كلبِهم النافق، لكن وبعد إذعانه وقبوله بهذه الوظيفة، يجد نفسه أنه شيئاً فشيئاً استحال كلباً فعلاً، فشروط الوظيفة تطلب منه أن يسكن في بيت الكلب، وأن ينبح ويعوي مثله، وأن يتدرّب على الطاعة بوضع السلاسل في رقبته، وتلقي العِظام بفمِه وهو جاثياً على أربعة، وبعد هذا وكله؛ أن يهزَّ ذيله امتناناً لسيّده على هذه النِعم! يقبل صاحبنا بهذه الشروط تحت ضغط جوع أولاده الصغار، وصولاً إلى اللحظة التي تأتي  زوجته "ماريا- لمى بدور" وتزوره في الحديقة- مكان عمله، لتُفاجأ أنه فعلاً تحوّل إلى كلب، وفقد خصائصه الآدمية، فما أن يقترب منها كي يقبّلها تصيحُ به صارخةً خائفة: "إنكَ تعضُني"!

حكايا عبثية

استطاع مخرج العرض أن يدير هذه الحكايا الأقرب إلى العبثية عبر شكل فرقة مسرحية جوالة، تجوب الأمصار والبلدات بعربتها لتقديم عروضها للناس في الساحات- "صمم الديكور هاني جبور"، مقترباً بذلك من أسلوب الكوميديا ديلارتي، منوّعاً بين ظاهر كوميدي مرح، وباطن مأساوي عنيف وساخر لقصصه "غروتيسك" منتصراً لعبودية الممثل لتعاليم المخرج لا الممثل الشريك، لاسيما في أقنعة المهرجين التي ألبسها لممثليه الخمسة-"صممها هاني جبور"، حيث يصبح الممثل هنا أداة لرواية الحكاية وأدائها والتعليق عليها، دون أن ينغمس فيها، وبعيداً عن المعايشة الداخلية أو تكلف المعاناة لأجلها. ساعده في ذلك المستويان اللذان ترُوى الحكاية عبرهما، فالتعليق وكلام الرواة أتى بالمحكية الشامية الدارجة، فيما تم أداء الحكايات تمثيلاً باللغة العربية الفصحى، ليتاح الدخول والخروج بسلاسة بين المستويين، دون السماح لعواطف الممثل بالنفاد إلى الدور الذي يقوم بلعبه على الخشبة، وحتى دون الحصول على معالم لوجوه الممثلين التي طمسها زيدان خلف ألوان فاقعة لوجه أقرب إلى شخصية المهرّج- "مكياج خولة ونوس"  الحاوي الذي يحكي قصته ويعقّب عليها، وذلك بشراكة مع الدمى-"صممت الأزياء والدمى ليندا جاموس" التي يحرّكها هؤلاء الممثلون ويستعيرون أصواتاً لها من مثل: "رجل الأمن، الطبيب، النادل، الأطفال، الممرضة- حرّك جزءاً كبيراً وقام بأداء أصواتها خوشناف ظاظا".

هكذا بدت اللعبة مُحكمة ومصنّعة بحرفية عالية لخوض تجربة التغريب بين الممثل والشخصية من جهة، وبين الممثل والجمهور من جهةٍ أُخرى، فلم يُرد زيدان استجداء العواطف من متفرجيه في صالة الحمراء؛ بقدر ما أراد تحريك التفكير الجماعي بالمأساة بشكل ساخر، مُحرّضاً موقفاً إزاء ما يحدث في بلاده من سحق للطبقة الوسطى بعد نيف وثمانية سنين من حرب لم تبقِ ولم تذر من ظروف العيش الكريم والكرامة الإنسانية، وعليه يمكن فهم الخيارات الفنية التي اعتمدها في "ثلاث حكايا- إنتاج مديرية المسارح الموسيقى" إذ نسف زيدان آليات المسرح الواقعي والأداء شبه الطبيعي، ذاهباً بعرضه نحو تغليب الرموز والإشارة والحركة المنضبطة والموزونة لممثليه، والذين تبادلوا أدوارهم وقاموا بأداء شخصيات محورية وثانوية؛ فحرّكوا دمى وغنوا ورقصوا ونقروا على الدفوف، في مقاربة مسرح احتفالي يستخدم كل عناصر الفرجة لخدمة "عرض المخرج" ورؤيته لا "عرض الممثل" واستعراضه ونجوميته.

عالم ينهار

بهذه الأسلوبية الصارمة والفهم العميق لمسرح بريخت، قدّم زيدان حكاياته الثلاث، مُطلاً على عالم ينهار تحت سطوة المال والقتل الجماعي، والهجرة والجوع وتغوّل الفساد، وجائحة التكفير والتخوين في آنٍ معاً، مُرسلاً إشارات قوية لتردي الحالة المعيشية العامة للسوريين تحت الحصار، ورضوخهم المزمن للعيش ضمن أقل من الحد الأدنى، بما يعيد للمسرح وظيفته الثورية وحضوره النقدي، وموقفه الواضح من الظلم والبهتان وتفشي البطالة، وسيادة جشع التجار ورجال الأعمال على مرافق ومناحي الحياة العامة، مع الملاحظة أن "زيدان" هو ذاته من اتُهِم بإدخال لغة المسرح التجاري إلى المسرح القومي، أو ما كان يسمى بالمسرح الجاد، وذلك بعد تقديم عرضه "سوبرماركت" 1992 العنوان السوري لنص "لا تدفع الحساب" للكاتب الإيطالي درايو فو (نوبل آداب - 1997)، حيث يمكننا التقاط ذلك التنويع في الأسلوب، وتلك الرغبة في اللعب، فمع كل تجربة جديدة لهذا الفنان مع المسرح نلاحظ هواجس التمرد على الأشكال المتداولة، والحفاظ أكثر فأكثر على عراقة فن المسرح وخصوصيته في زمن طغيان فنون أكثر رواجاً لدى جمهور اليوم كالسينما والتلفزيون، مؤكداً أن ما نعيشه في صالة العرض لا يمكن لفنون الشاشة أن تكون قادرة على نقله ومعالجته على هذا النحو من التأمل والتحريض.

الهروب من الرقابة بشكل فني كان حاضراً أيضاً، لاسيما مع إضاءة الفنان بسام حميدي التي آثرت الحفاظ على بقع لونية ركزت على عمل الممثل، مغيبةً الأماكن المتخيلة والمشروطة في مخيلة الجمهور، بين بيوت ومعمل وشارع وعيادة طبيب وساحة عامة، وذلك عبر انتقالات رشيقة أرادها مخرج العرض أن تبدو بالتناوب لزيادة الجرعة التأملية في مقولات المسرحية، وفي خدمة عمل الممثلين وذهابهم وإيابهم من وإلى شخصياتهم المتعددة. بهذا المعنى أمسك النجم السوري بمفاتيح اللعبة، موجّهاً الحدود الصارمة للميزانسين (رسم الحركة) في مسرح بلا أسرار، يتم فيه تجهيز الديكور للمَشاهد أمام الجمهور، ويُستعان عن الشمس بمصباح صغير خلف دف من الدفوف التي يضرب عليها الممثل، مهيئاً زملاءه للدخول في إيقاع المشهد، والخلاص مباشرةً من إيقاع المشهد الذي سبقه، خطوةً إثر خطوة للخلاص من مسرح يعمل على تخدير الجمهور بالتسلية وتأجيج المشاعر البرانية، نحو العمل على "مسرح مسرحي" يترك مسافةً مع كراسي الفرجة ومن يجلس عليها، لكنه في الوقت ذاته يقترب أكثر من عقل الجمهور الذي رأى بأم العين كيف يتحول البشر إلى كلاب تحت ضغط الحاجة، وكيف أنه- أي الإنسان- يعتاد كل شيء ما أن يمارسه، حتى أن يصير كلباً بشرياً يجثو على أربعة! 

المزيد من ثقافة