الجوائز المصرية للشعر... عندما تقع في عتمة التقليد والانحياز

تساؤل واستهجان... والشعراء غادروا من متردم

 من حفلات الجوائز في مصر (يوتيوب)

عبادة القديم في الشعر وفي غير الشعر تبدو عرضاً لمرض أخطر ما فيه يتجلى في إبطال فكرة التجديد والتعامل معها باعتبارها استعارة زمنية غير مقيمة. وهو الاعتقاد الذي جعل فكرة الزمن في الثقافة العربية لا تنتمي إلى المستقبل بأي معنى، لدرجة دفعت مفكّراً بحجم جورج طرابيشي إلى القطع بأن أول استخدام لمفردة المستقبل في ثقافتنا لم يرد سوى في كتاب يحمل هذا العنوان لطه حسين هو "مستقبل الثقافة في مصر". لم يبحث طرابيشي ولا طه حسين عن الجذر الفلسفي لفكرة المستقبل في ثقافتنا لأنهما كانا أكثر إجرائية، على الرغم من أن الفكرة  كانت مردوداً طبيعياً لفكرة دينية في الأساس هي فكرة الأبدية التي يبدأ الزمن عندها وينتهي، لكنها لم تمثّل أبداً تعاقباً خطياً غير قابل للارتداد سوى للتزود بمعرفة الماضي لاجتناب شياطينه أو لترويضها. وإذا كان لزاماً على الشاعر أن يقرأ تراث آبائه ويفخر به، فعليه أن يعلم أيضاً أن هذا التراث ليس خيراً  كله، لكننا، في ما يبدو، لم نتعلم كيف نقرأ تراثنا. وكان وليم بليك يقول: "كلانا يقرأ التوراة ليل نهار، ولكن أينما أنت تقرأ السواد أقرأ البياض". وللحق، فإن عبادة القديم ليست ربيبة الثقافة العربية وحدها، لكنها ربيبة كل الثقافات في عصورها المظلمة، غير أن الحضارة الحديثة حطمت الكثير من أوثانها حتى تصل إلى سدرتها المنشودة، لكن الثقافة العربية تأبى ذلك، ولنا أن نتصور نقاداً محدثين وشعراء يحتسبهم التاريخ في طليعة ريادتنا ما زالوا يرددون قول ابن رشيق فى تفضيل المنثور على المنظوم من الكلام، لأن "الشعر صاحب الحكم من ظاهر التسمية ولأن كل منظوم أحسن من كل منثور، فيدفعون المـتأخرين للسؤال عما بقي لهم من الشعر بعد الأقدمين". ولا أعرف كيف ينظر المحدثون لقول قدامة بن جعفر أن "شعر الجاهلية والإسلام ذهبا بكل حلاوة ورشاقة وسبقا إلى كل حلاوة ولباقة"، فلم يعد إذن للمحدثين من شيء يقولون مصداقاً لقول عنترة العبسي: هل غادر الشعراء من متردّم؟

 حدث هذا في أوروبا أيضاً في القرن السابع عشر، ودعى الشاعر الإنكليزي  ألكساندر بوب الذي ترجم "الإلياذة" إلى تمثلها وتقليدها، وشرع النقاد في الانتقام من الشعر الجديد بإضفاء الكثير من القداسة على كل قديم. ويذكر بول هازار  في كتابه "أزمة الضمير الأوروبي" أن هذا الاندفاع الأعمى نحو القديم، كان يحدث على الرغم من أن شعر هوميروس لم يخل من العيوب وأعاجيبه لم تكن معقولة، واستعاراته ملؤها المغالاة وتكراره متعب وممل. وكان من نتيجة إبطال قيمة التجديد على هذا النحو أن ذهب الشعراء إلى التقليد، حتى إن كثيرين منهم قلدوا أقدم الشعراء الغنائيين في الثقافة اليونانية، ويذكر هازار أن الإيقاعات والأوزان التي كان يختلقها الشعراء لم تكن إلا تملقاً للآذان.

مطاردة الشعر الجديد

وأعتقد ويعتقد غيري أن تلك الصورة التي كرستها ثقافة القرن السابع عشر تجد صداها في ثقافتنا، لكن ذلك يحدث في القرن الحادي والعشرين. ولست مشغولاً هنا بما تفعله المؤسسة الرسمية ورجالاتها في ما يتعلق بمطاردة واسئتصال الشعر الجديد، فهذه باتت حقيقة تبدو مملة في قدمها وكثرة تكرارها وبداهتها، لكن ربما استطعنا، من دون أدنى تأنيب للضمير أن نضيف الفساد إلى تلك التركة الثقيلة من المخازي. أشير هنا، من دون إسراف أو مبالغة، إلى جوائز الدولة لعام 2019 التي مُنحت للشعر، إذ فاز بالجائزة التقديرية الشاعر محمد الشهاوي، وبجائزتَيْ التفوق كل من فؤاد طمان وأحمد فضل شبلول، وبالجائزة التشجيعية الشاعر الشاب عبد الرحمن مقلد. وباستثناء الجائزة الأخيرة التي مُنحت لشاعر شاب يُعوّل عليه، فإن الجوائز الثلاث المتبقية لا تثير فقط الكثير من التساؤل، بل تثير الكثير من الاستهجان والمرارة. فالشاعر محمد الشهاوي في أعلى تجلياته كان ولا يزال يوصف بأنه "ربيب تجربة الشاعر محمد عفيفي مطر وأنه أحد ظلاله"، لكنه، في أحسن أحواله، لم يتمكن من تطوير ظله ليملك مشروعاً شعرياً يتمتع بفرادة تخصه، فارتد منذ سنوات طويلة إلى قصيدة العمود، مكتفياً بتقليد القدماء. أما الشاعر فؤاد طمان، فلم يكن في أية لحظة من المؤثرين في حلقات الشعر المصري المتتابعة. وعلى الرغم من أنه ينتمي سنياً إلى جيل الريادة، إلا أنه لم يكن شريكاً في مشروعهم في أي وقت، فقد بدأ شاعراً رومانسياً في شرخ شبابه، ثم توقف عن الكتابة لأكثر من ثلاثين عاماً حتى عاد بأربعة دواوين لا تمثل، في أحسن الظن، إلا شعرية متوسطة لا يمكنها أن تملك تمايزاً من أي نوع إزاء التجربة الشعرية الريادية. أما الشاعر أحمد فضل شبلول، فهو ينتمي إلى جيل السبيعينيات لكنه لم يكن شريكاً أيضاً، على أي نحو، في بناء تصورات هذا الجيل التي بدت جارفة ومتأججة على المستويَيْن الشعري والنظري وأنتجت في النهاية شعراء مؤثرين بغض النظر عن اختلافنا أو اتفاقنا مع آثارهم الشعرية. لذلك، ظلت شعرية شبلول ضمن ركام هائل من الشعريات التابعة التي لا يمكن وصفها إلا باعتبارها نوعاً من التراكم الكمي الذي لم يرفد الشعر بأية قيم جديدة. فكيف ذهبت الجوائز إلى هؤلاء الثلاثة وتجاهلت أهم الأسماء في الشعرية المصرية؟!

ربما يمتلك من هو مثلي جسارة السؤال، على الرغم من ما يمكن أن يجلبه مثل هذا الحديث من عداءات لا أخشاها، لكن عزائي أنني لم أتقدم لجائزة من جوائز الدولة ولا أنوي فعل ذلك. وقد روى لي صديق، توثقتُ مِن صحة روايته، أن إحدى الجامعات رشحت الشاعر محمد سليمان، وهو أحد أبرز وأهم شعراء جيل السبعينيات، لجائزة الدولة للتفوق، لكن جهة ما رشحت شاعراً شعبياً متواضعاً هو مصطفى الضمراني للجائزة ذاتها وأُعْلِنت النتيجة بفوز الضمراني على عكس التوقعات كافة. وقد برر المسؤولون هذا الأمر بأن الرجل كان مريضاً ويحتاج إلى قيمة الجائزة! وأتصور أن الأمر الأكثر رشداً، كان يقتضي من وزارة الثقافة بأن تمنح الضمراني قراراً مجانياً بالعلاج على نفقتها، بينما تمنح جائزة الشعر للشاعر، فالجائزة يجب أن تُبقى على كونها مكافأة للموهبة. الأمر هنا لا يقتصر طبعاً على المرضي، فالجميع يعلم كم من جائزة راحت لقاء تعضيد شبكات المصالح، وكم من جائزة راحت لأعضاء في هيئات ومؤسسات رشّحوا أنفسهم من دون أن يمثل ذلك عبئاً على أي ضمير فيهم. وكم من جائزة راحت لمسؤولين سابقين ومسؤولين ما زالت تتدلى كروشهم على مقاعدهم السلطوية الوثيرة. وأذكر أنني كنت عام 2010 عضواً في أول مجلس أمناء لبيت الشعر، لكنني استقلت منه لأنني رفضت ترشيح أعضاء اللجنة لأنفسهم لجوائز الدولة، وقد حل مكاني شاعر من جيلي وطلب مني إحاطته بأسباب استقالتي، وبعدما شرحت له أسبابي، أثنى على مافعلت حد المبالغة، لكنه في العام التالي ترشح، هو نفسه، لجائزة التفوق عن طريق مجلس الأمناء الذي أصبح ينتسب لعضويته. بعد سنوات قلائل،  ترقّى الشاعر نفسه ليترأس بيت الشعر، وقد نجح خلال عامين اثنين في تحويله إلى حاضنة رؤوم لغربان الماضي!

إذن يمكننا التحدث إلى الناس عن فضيلة التجديد؟ بينما الذين يكفرون بما نقول محقون في موقفهم، والذين نكصوا وعادوا إلى عتمة التقليد يجب أن نعذر هزيمتهم. هذا المناخ الذي يؤله القديم دفع، ذات زمان، شاعرا مثل جان باتست روسو، وهو شاعر فرنسي وُلد في نهاية القرن السابع عشر، إلى القول إنه ظل زمناً طويلاً يعتقد أن أكثر الطرق إلى الإجادة تقع في تقليد القدماء، لكنه في النهاية لم يجن شيئاً سوى الحسرة. والشعر لم يتلق الطعنات فقط من تلك التحولات المعرفية الهائلة التي طرأت على العالم في القرنين الأخيرين ولكنه يجد طاعنين من أبناء جلدته ومن أدعيائه أيضاً. فكيف امتلك هؤلاء صفاقة الاجتراء على الشعر بهذا السفور؟! على الرغم من أن صنعة الشعر على من يعرفها، أشد من نقل الصخر كما يقول خلف الأحمر. فقد قيل للمفضل الضبي "لم لا تقول الشعر وأنت أعلم الناس به؟" قال: "علمي به هو الذي يمنعني من قوله. فالشعر مذلة العقول وذلك أن أحداً ما صنعه قط فكتمه، وقد يكون في إفشائه الفضيحة!" لقد استصغر هؤلاء الشعرَ فأهانوه، فلم يعد إلا صورة من مادة معادية لطبيعته، صار إنشادياً لدى البعض، خاطرة هشة لدى البعض، خطابياً لدي البعض ورديئاً وتقليدياً لدى الكثرة الكاثرة من شعرائه. إن ما فعلته لجان جوائز الدولة في الشعر لعامنا الجاري، لا يمكنه إلا أن يذكرنا بتلك الحوارية الهازلة التي تتبدى في حديث إعرابي لصاحبه بينما يسأله: الشعراء ثلاثة... شاعر وشويعر ولاعق... فأيهم أنت؟! فيرد صاحبه: أنا الشويعر واختصم أنت وامرؤ القيس في الباقي! وها قد منحت اللجنة جائزتها للشويعر، لكنني لا أظن أن امرؤ القيس سيختصم أحداً في ما تبقى. فالشاعر، مهما تكالبت عليه النصال، سيظل أرفع من تلك الخصومات الهازلة.  

 

المزيد من ثقافة