Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"تنمر الأطفال" الهزيمة الكاملة للضحية والجلاد

يرى متخصصون أن الثقة في النفس تقي الصدمات النفسية والمتنمر حلقة ضعيفة داخل سلسلة

طفل يلعب لعبة أوزة تقرأ "توقف عن التنمر" (أ ف ب)

"تعرّض ابني للتنمر من زملائه الذين يشاركونه تمرين الكرة الذي يداوم عليه منذ أكثر من عامين، وأثر فيه ذلك لدرجة لم يعد يرغب في الذهاب إلى التمرين".

على هذا النحو أخبرتنا منى وهي أم مصرية لطفل في التاسعة من عمره، وإذا كان الطفل ذو السنوات التسع امتنع من مواصلة تدريباته، فإن ثمة طالبة في المرحلة الثانوية وافتها المنية بعدما تعرضت إلى تنمر زميلاتها بالمدرسة فترة طويلة، حتى سقطت مغشياً عليها لتفارق الحياة، فإلى متى يصمت الجميع عن التنمر؟ ومتى يعد الأمر جريمة يهرول المسؤولون نحو تداركها كي لا يسقط ضحايا جدد؟

تقول الأم تحدثت مع المسؤولين في المكان أكثر من مرة ولكنهم لم يتخذوا رد فعل حاسم وتكرر الأمر، أحاول بث الثقة في نفس طفلي ومساعدته في التعامل مع الموقف، ولكني لا أعرف هل من الأفضل أن أنقله إلى مكان آخر أم كيف يكون التعامل الصحيح مع الأزمة؟

واقعة الفتاة ربما تدق ناقوس الخطر بأن حوادث التنمر تحتاج إلى مواجهة بصورة أكبر مع تكاتف المجتمع لأنه يمكن أن يصل الأمر إلى أن يفارق من يتعرض لها الحياة نتيجة للضغط النفسي الذي يتعرض له.

ما هو التنمر؟

 عرّفت مؤسسة "يونيسف" التنمر بأنه أحد أشكال العنف الذي يمارسه طفل أو مجموعة من الأطفال ضد طفل آخر أو إزعاجه بطريقة متعمدة ومتكررة، وقد يأخذ التنمر أشكالاً عدة مثل نشر الإشاعات أو التهديد أو مهاجمة الطفل المُتنمَر عليه بدنياً أو لفظياً، أو عزل طفل ما بقصد الإيذاء أو حركات وأفعال أخرى تحدث بشكل غير ملحوظ.

ووصّفت "يونيسف" التنمر في أشكال عدة بينها البدني واللفظي والنفسي والاجتماعي والإلكتروني، كما أوضحت أن ضحايا التنمر قد يعانون مستقبلاً عدم الاستقرار في الوظائف أو الفشل في إقامة علاقات صحية مع غيرهم.

انعكاسات مختلفة

لا يقتصر الأمر على موقف عارض يقع ضحيته الطفل وينتهي، بل يمتد إلى تعاملاته مع مواقف مختلفة ونظرته إلى ذاته وربما استمرار اشتراكه في أنشطة معينة أو التأثير في المستوى الدراسي.

وتشير مروة، وهي أم لطالبة في المرحلة الثانوية بواحدة من مدارس اللغات، أن ابنتها عانت التنمر في المدرسة من مجموعة من الفتيات اعتدن السخرية من شكل وطبيعة شعرها مما أثر كثيراً في نفسيتها.

وتضيف، "توجهت حينها للاختصاصية الاجتماعية بالمدرسة وطلبت التدخل في حل الأمر، وبالفعل استجابت المدرسة بتنظيم حملة للتوعية من التنمر إلا أن الأمر يحتاج إلى جهد متواصل لأن الحالات لم تنته، وحتى بعد مرور فترة أشعر أن ابنتي لم تتجاوز الأمر على الإطلاق".

كيف نواجه التنمر؟

كيف يمكن للآباء والأمهات مواجهة الأمر في حال تعرض أحد أطفالهم للتنمر من زملائه؟ وما هو التصرف الأمثل الذي ينبغي عليهم القيام به في مثل هذه الحالة؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويرى استشاري الطب النفسي على بهنسي أن "التنمر يعتبر شكلاً من أشكال فقدان الإنسانية الذي يشعر به الشخص أو الطفل المتنمر عليه، وغالباً ما ينعكس ذلك على سلوكه في ما بعد فيتحول إلى طفل عدواني، وفي سياق آخر يمكن أن يصبح انطوائياً ويتجنب الناس".

ويوضح بهنسي لـ "اندبندنت عربية" أن للتنمر أشكالاً كثيرة وكلها ذات تأثير سيئ في الطفل، فأحياناً يتنمر عليه زملاؤه لوجود شيء مميز فيه مثل ارتدائه نظارة طبية أو أي شيء مميز في شعره أو مظهره، ويسبب هذا أزمة للطفل لفقدانه ثقته بنفسه.

ويتابع، "بعيداً من قصة التنمر فإن دور الأسرة هو رفع ثقة الطفل بنفسه وإعطائه شعوراً بأن له أهمية مقدرة، وأنه شخص مقبول ومحبوب لأن هذا يعزز ثقته بنفسه، وهذا هو السلاح الذي سيمكنه من مواجهه التنمر حال حدوثه، فالطفل الذي يشعر بقيمته ولديه ثقة سيكون أكثر قدرة على مواجهة مثل هذه المواقف، وسيكون تأثيرها فيه أقل من آخر محروم من الثقة ولا يشعر بقيمته، وفي الوقت ذاته يجب على الأسرة اتخاذ الإجراءات اللازمة لمساعدة الطفل سواء باللجوء للمدرسة أو المكان الذي حدث فيه التنمر، ومساندة الطفل بشكل فعلي وليس فقط بالتضامن المعنوي".

الطفل المتنمر

وغالباً ما ترتبط مشكلات التنمر بطرفين، الأول هو الطفل الذي يتم التنمر عليه والثاني هو الذي يقوم بالتنمر ذاته، ودائماً ينظر إليه باعتبار أنه يقوم بفعل سيئ يستحق العقاب أو التوبيخ، وفي معظم الأحوال يتم التعامل معه من هذا المنطلق، إلا أن الأمر في كثير من الأحيان قد يكون له وجه آخر ينبغي أن يتم الالتفات إليه.

ويشير بهنسي إلى أن "الطفل المتنمر دائماً ما يكون التفكير فيه في إطار كيف يمكن معاقبته أو تقويم سلوكه، إلا أن هناك جانباً آخر ينبغي النظر إليه من زاوية أخرى، فهذا الطفل الذي يتنمر على زملائه غالباً ما يكون ضحية لأسباب مختلفة، فقد يعاني مشكلات أسرية ينعكس صداها عليه بشكل كبير، وقد يعاني فقدان الثقة في نفسه، وفي كثير من الأحيان يكون هو شخصياً يتعرض للتنمر من مجموعات أخرى، وقد يكون تعرض إلى اعتداء نفسي وربما جنسي، وكل هذه الأزمات النفسية تنعكس على سلوكه وتنمره على زملائه".

ويضيف، "الطفل المتنمر ينبغي بحث حاله في المقام الأول والتعرف على خلفيات حياته وظروفه والمشكلات التي يعانيها، لأن هذا سيكون الحل الأساس للمشكلة، ولأنه في هذه الحال سيكون هو الآخر ضحية ويحتاج إلى الدعم والمساعدة لتخطي أزماته النفسية، فهنا التعامل مع الأزمة يجب أن يكون من جذورها وهذا أمر مهم ينبغي الالتفات إليه ويشكل فارقاً كبيراً عند العمل على إيجاد حل لحالات التنمر".

التوعية والتأهيل

أزمة انتشار التنمر وإن كان أبرزها بين الأطفال في المدارس إلا أنها تنعكس على المجتمع بكامله، ومن هنا فلا بد من أن يكون هناك تكامل بين المؤسسات كافة في مواجهة هذه الظاهرة، سواء بالتوعية في وسائل الإعلام المختلفة، وهو ما بدأ يظهر خلال الفترة الأخيرة إلى حد ما سواء في قنوات الأطفال المتخصصة أو في وجود حملات إعلامية تدعو إلى الحفاظ على الأخلاق بشكل عام.

ويقول بهنسي إنه يتمنى أن يكون هناك تأهيل للمدرسين في المدارس حول كيفية التعامل النفسي مع الأطفال في مثل هذه الحالات، فإلى جانب الدورات التدريبية المتعددة التي يحصل عليها المدرسون في ما يتعلق بالدراسة والمناهج، يجب إضافة دورة تدريبية معنية بهذا الشأن وسيكون هذا في غاية الأهمية، لأنها أصبحت ظاهرة منتشرة في المجتمع وينبغي التعامل معها ومواجهتها وعدم إنكارها، والمدرس هو الشخص الذي يواجه هذه المواقف بشكل دائم.

ويضيف، "وجود المتخصص النفسي في المدارس مهم جداً، فمتابعته للأطفال بشكل دائم وتعامله مع أي أزمة بمجرد ظهورها وعدم إهمال الأمر باعتباره موقفاً عارضاً يساعد في مواجهة الظاهرة، ودور المدارس هو التربية إلى جانب التعليم، وهو دور أساس لا يمكن إغفاله إلى جانب ضرورة تكاتف مؤسسات المجتمع كافة من أجل مواجهة هذه الظاهرة، فالمجتمع المدني له دور ووسائل الإعلام كذلك لأن نشر الوعي حول هذا الأمر ضرورة ملحة".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير