كان عاماً سيئاً على المستثمرين، والأمور لا تبدو على حال أفضل في 2019

عمل الاقتصاد في الولايات المتحدة بكامل طاقته تقريباً، في وقت تدنت البطالة إلى أدنى معدلاتها في 74 عاماً، لكن تباطؤ النمو مرتقب. ويبرز سؤال عما إذا كان الاقتصاد سيهبط بسرعة أو سيهبط هبوطًا آمناً

تذبذب الأسواق قد ترتجى منه فائدة (أ ف ب)

كان عاماً مروعاً على المستثمرين، وما لم يتعافَ الاقتصاد، إلى حد ما، في الأيام الأخيرة من 2018 فستُعتبر حال الاقتصاد الأسوأ منذ الانهيار المالي في 2008.

ومهما كانت الأصول التي تشتريها، سواء كانت أسهماً أميركية، أو أوروبية أو صينية، أو أسهمَ نفط أو ذهب، أو حتى أسهم عملة بيتكوين، أو استثمارات في كثير من صناديق التحوط، أو حتى سندات الخزينة الأميركية، أو سندات بريطانية تستحق بعد عشر سنوات، فإن هذه الاستثمارات ستكون عقيمة في أحسن الأحوال، أو قد تعود بخسائر كبيرة في أسوئها. وكان أداء قطاعات مثل صناعة السيارات الكلاسيكية والنبيذ ذي الجودة العالية، جيداً، ولكنْ قليلةٌ هي الأصول الرائجة التي زادت قيمتها اليوم عما كانت عليه في يناير (كانون الثاني) الماضي. وأفترض أنك إذا بعت أسهمك في الوقت المناسب في مايو (أيار) أو في أكتوبر (تشرين الأول)، فأنت في أفضل حال. ولكن هذا الانقلاب رأساً على عقب منذ الخريف، من حال تشبه النشوة إلى ما يشبه الخوف، هو المقلق او المزعج فعلياً.

وأظهر بعض حسابات بنك "يو بي أس" قبيل عيد الميلاد، أن مؤشر "إس إند بي 500"، وهو مؤشر يشير إلى أوسع تجمع من الشركات الأميركية، تدنى 12.6 في المئة العام الجاري. وفي ما خلا سنوات الأزمة المالية في الثلاثينات، فإن هذا الانخفاض في الربع الأخير من العام، بين أكتوبر وديسمبر (كانون الأول)، هو الرابع من نوعه، أي الرابع في سلسلة هي الأسوأ منذ الأزمة في الثلاثينات. وسبقته فصول أسوأ، وفي صدارة الفصول هذه يتربع عام 1987، ويليه 2008، ويحل عام 1941 (بعد بيرل هاربور) في المرتبة الثالثة في سلم الأسوأ.

وحين تتقلص الأرباح في السوق على هذا المنوال، حريٌّ بك الحذر والتيقظ، فما يجري هو خسارة فعلية في الثروة. ومجمل قيمة الشركات كلها التي يرصدها "إس إند بي 500" هو 25 تريليون دولار، في وقت لا تزيد قيمة "أوراق" بيتكوين كلها المتداولة على 60 بليون دولار. وإذا تبددت قيمة بيتكوين، واختفت من السوق 60 بليون دولار، تراجعت سوق الأسهم العالمية قليلاً. وعلى خلاف ما هو الأمر مع البيتكوين، فإن هبوط مؤشر "إس إند بي" عشرَ نقاط بالغُ الأثر في سوق الأسهم. وتدني المؤشر هذا يفوق اليوم الـ10 نقاط. ويُضاف إلى هذه الخسائر، هبوط الأسهم الأوروبية والصينية. وعليه، انكمش السوق 5 تريليونات دولار، أي ما يساوي الناتج القومي الفرنسي ونظيره البريطاني مجتمعَيْن.

 وثمة سبيلان إلى تقييم فداحة الخسائر، الأول يحتسب أن سوق الأسهم هي نتاج تقلبات الأهواء، وأن الاقتصاد العالمي في منأى من دورانها وتقلباتها. ولكن في الأمد الطويل، تعود الأسهم بأرباح فعلية تتراوح بين 6 إلى 7 في المئة سنوياً، بعد اقتطاع نسبة التضخم. وهذه نسبة تفوق أرباح أسهم ثابتة الفوائد أو الفوائد على الأموال، وتفوق أرباح الملكية في معظم الأسواق. ولكن الأرباح هذه متقلّبة. وهذا لا يُخفى على أحد، ولذا يستطيع الاقتصاد الحقيقي النأي بنفسه عنها، فهبوط في أسعار السندات أو أسعار العقارات يهدد استقرار النظام المالي كله، على خلاف الهبوط في أسعار الأسهم. أما السبيل الثاني إلى تقييم فداحة الخسائر فيقتضي ملاحظة أن الانكماش غالباً ما يلي هبوطاً حاداً في سوق الأسهم، بعد مدة فاصلة تبلغ حوالى 18 شهراً. ولكن الأمور لا تسير على هذا المنوال غالباً، ولا يشير انخفاض أسعار الأسهم إلى مدى التراجع المقبل أو حجمه، إذا ما حصل (التراجع هذا). وعليه، سرعان ما طوي انهيار 1987 ولم يحدث تراجع دوري قبل مطلع التسعينات. وهبوط 2008 كان وثيق الارتباط بالركود في العام التالي (أي في مدة فاصلة تقل عن 18 شهراً). ولكن هذه الظروف كانت استثنائية وقاهرة، أما الهبوط بعد انفجار فقاعة الإنترنت في العام 2000، فآذن بركود في العام التالي، ولكن الركود هذا كان جزئياً في الولايات المتحدة، ولم يُسجل أي ركود في المملكة المتحدة.

إذاً، ماذا سيحصل في 2019؟ وهل الترنح المفاجئ في الأشهر الأخيرة من العام الجاري يشي بأمر قادم؟

في ما يلي خمس ملاحظات استخلصتها:

أولاً، لا شك في أننا مقبلون على نوع من التباطؤ، فالاقتصاد في الولايات المتحدة يعمل بكامل طاقته على وجه التقريب، في وقت تدنت البطالة إلى أدنى معدلاتها في 74 عاماً، ولذا فإن تباطؤ النمو مرتقب. ويبرز سؤال عما إذا كان الاقتصاد سيهبط بسرعة أم يُسجل هبوطاً آمناً. وأحدس بأنه سيكون هبوطاً آمناً، وهذا يعود في شطر كبير إلى عدم زيادة التضخم. وفي وقت تبقى الأسعار منضبطة ومقيدة، والتوظيف في ذروته، سترغب الأسر في شراء سلع وخدمات، وعلى وجه التحديد خدمات، وهذه تشكل ثلاثة أرباع الاقتصاد.

 وثانياً، لا يخفى أن حجم الديون كبير. وأبرز ما نجم عن سياسات الوفرة المالية والفوائد المخفضة في العقد المنصرم هو تشكّل فقاعة أسعار الأسهم، وارتفاع حجم الدين. واليوم، أُغلق صنبور ضخ الأموال، ولذا ترتفع عائدات السندات، وتحديداً سندات الشركات. ولكن هل يتحمل المدينون ارتفاع معدلات الفوائد؟ ما يقلقني هو افتقار معظم الناس إلى خبرة كافية في [التعامل مع] ارتفاع الفوائد، وحسبانهم أن المصارف المركزية ستتدخل لحمايتهم، ولكن إذا ارتفعت معدلات التضخم، لن يسع البنوك المركزية التدخل.

وثالثاً، تقلقني حال الصين، فاقتصادها يتباطأ (والعام الجاري هو أول عام منذ مطلع التسعينات يشهد تدنياً في بيع السيارات)، وفي جعبتها جبال من الدين، وشطر من هذا الدين تالف. والجمع بين تباطؤ الاقتصاد والديون التالفة سيء، وحتى لو كنتَ (مثلي أنا أيها القارئ) تعتقد أن السلطات الصينية قادرة على حماية الاقتصاد من الضغوط المالية.

 ورابعاً، تقلقني حال أوروبا، ولا أعني البريكزت (رغم أن التوترات مع المملكة المتحدة تأتي في وقت غير مؤات للاقتصاد الأوروبي) بل التكيف مع وقف التيسير الكمي، فضخُّ البنك الأوروبي المركزي السيولةَ كان يحرك عجلة اقتصاد منطقة اليورو. ومع توقف ضخ الأموال، ورغم معدلات الفوائد المتدنية، تباطأ الاقتصاد على حين غرة. وقد يكون الركود تقنياً - نمواً سلبياً في الربعين الأول والثاني من العام - رغم أننا لا نملك بَعد أرقاماً محددة. والعام المقبل سيكون عسيراً على الاقتصاد الأوروبي، في حال حصول انكماش عالمي جديد.

وفي نهاية المطاف، قد ترتجى فائدة من تذبذب الأسواق، والأمور كادت تنفلت من عقالها مع بلوغ حجم شركة آبل تريليون دولار، في سابقة من نوعها، ومع تعاظم حجم شركة أمازون، واليوم لم تعد الشركتان هاتان في ذروة نموهما. وانفجرت الفقاعة حين بروزها. وتنفيس الفقاعات في وقت مبكر أفضل، وعليه فإن التباطؤ في العام المقبل قد يكون خيراً إذا حال دون الأسوأ في 2020.

© The Independent