Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عاملات الفلاحة في تونس وقود لـ"ناقلات الموت"

النساء يمثلن 75 في المئة من عدد العاملين بمجال الزراعة ولا وجود للضمانات الاجتماعية والصحية

العاملات بالقطاع الفلاحي في تونس يواجهن ظروفاً صعبة (أ ف ب)

لا يكاد يمر يوم في تونس من دون الإعلان عن انقلاب شاحنة لنقل النساء العاملات بالقطاع الفلاحي وتسجيل وفيات في صفوفهن، مما جعل أوساط حقوقية وسياسية تطلق على تلك الشاحنات تسمية "ناقلات الموت" كدلالة على الخطورة التي تمثلها.

وتدفع الحاجة المتزايدة في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي ترزح تحت وطأتها تونس، آلاف النساء إلى اللجوء للعمل في القطاع الفلاحي الذي لم تطله تداعيات الأزمة على رغم أعوام الجفاف التي تعرفها البلاد.

وتحجم السلطات عن تقديم أرقام دقيقة حول العاملات في القطاع الفلاحي والظروف التي تحيط بذلك من نقل وضمانات صحية واجتماعية، لكن أوساط حقوقية تقدرها بالآلاف.

ملف شائك ومعقد

وعلى رغم غياب الإحصائات الرسمية حول عدد النساء العاملات في القطاع الفلاحي إلا أن وزيرة المرأة والأسرة والطفولة آمال موسى قالت في تصريحات بثتها وسائل إعلام محلية في وقت سابق إن النساء يمثلن 75 في المئة من عدد العاملين في هذا المجال.

وكشف المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في تقرير له عن أنه منذ 2015 سجلت وفاة 51 امرأة من العاملات بالقطاع الفلاحي في 56 حادثة، لكن هذا الرقم مرشح للارتفاع إذ يتم الإعلان بشكل يومي عن حوادث جديدة من دون أن تنجح السلطات في إيجاد حل لهذه المعضلة.

وقالت رئيسة الاتحاد الوطني للمرأة في تونس راضية الجربي إن "العاملات في القطاع الفلاحي موضوع شائك ومعقد، ومع تقدم الوقت يزداد صعوبة، لأننا لم نهتدِ إلى الحل الأسلم والجذري لمعالجة قضايا النقل وقضاياهن بشكل عام سواء بالأجر أو الضمانات الاجتماعية والصحية".

 

 

وأضافت الجربي لـ"اندبندنت عربية" أن "تغيير واقع النساء العاملات في الفلاحة من شأنه النهوض بهذا القطاع، وتغيير واقع النقل يقتضي تحديث البنية التحتية حيث تنتشر المسالك الترابية ولا وجود لأي نقل منظم".

وشددت على أن "عدم تنظيم هذا القطاع وعدم دراسة هذه القضايا يجعلان النساء عرضة للعنف والاستغلال وحوادث مستمرة إذ ليست هناك وسائل نقل منظمة".

وفي عملية نقلهن إلى أماكن العمل تواجه النساء معاملات تثير هاجساً لدى الأوساط الحقوقية، فتقول الجربي إنه "أحياناً يقوم من يملكون الشاحنات بسكب الماء في العربات لإجبار النساء على البقاء واقفات، بالتالي نقل أكبر عدد منهن على رغم وجود قانون يحظر  النقل العشوائي ويجرمه، لكنه لا يطبق، المسألة معقدة جداً".

وهجر الرجال والشباب قطاع الفلاحة خلال الأعوام الأخيرة بشكل كبير بحثاً عن موارد أخرى، مما جعل النساء يلجأن إليه كملاذ لتوفير قوت العيش في بلد تزداد فيه القدرة الشرائية صعوبة مع الانهيار الاقتصادي المستمر.

وتنتشر البساتين وغيرها في مدن عدة على غرار محافظة سيدي بوزيد (وسط) التي شهدت كثيراً من الحوادث خلال الأعوام الأخيرة لعاملات في القطاع الفلاحي.

فجوة بين القانون والواقع

هذه الظروف الصعبة التي تئن تحت وطأتها العاملات في القطاع الفلاحي التونسي ليست وليدة اللحظة، مما أجبر البرلمان السابق على أن يخطو نحو وضع قوانين من شأنها تحسين هذا الوضع.

عام 2019 صدر القانون عدد 51 الذي ينص على ضرورة إحداث نوع جديد من النقل مخصص للعاملات في القطاع الفلاحي، لكن يبدو أن الفجوة عميقة بين التشريعات والتطبيق في بلد يشهد أوضاعاً اجتماعية وسياسية محتقنة أصلاً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

واعتبرت عضو المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية المكلفة ملف العاملات في القطاع الفلاحي سامية بوسلامة أن "الإرادة السياسية غائبة لتحسين ظروف عمل العاملات في القطاع الفلاحي".

وأضافت في تصريح خاص أن "القانون 51 يضمن نقلاً سالماً للعاملات، لكن هذا القانون الذي صدر في 2019 بقي حبراً على الورق، إذ ليس هناك جزء لضمان هذا النوع من النقل في الموازنات لوزارة الفلاحة أو غير ذلك ووزارة المرأة لا تملك أي إحصائات حول العاملات".

وشهدت تونس منعطفاً سياسياً لافتاً في 2021 عندما أطاح الرئيس قيس سعيد المنظومة التي أمسكت بمقاليد الحكم بعد ثورة 14 يناير (كانون الثاني) 2011 ووعد بأن تعود للقانون سيادته على الجميع وفق قوله، لكن من غير الواضح ما إذا كان ذلك سيقود إلى تغير ملموس في واقع العاملات بالفلاحة.

 

 

وإلى جانب ظروف النقل، تطالب العاملات في القطاع الفلاحي باعتراف رسمي بهن من خلال توفير ضمانات اجتماعية وصحية لهن، خصوصاً أن الأخطار تحدق بأعمالهن مثل رش المبيدات على الزراعات وغير ذلك.

وتسعى تونس التي تشهد أزمة اقتصادية خانقة فاقمها غياب الإنتاج إلى تحقيق الأمن الغذائي الذاتي عبر تعزيز الإنتاج، لكن يبدو أن هذا الهدف صعب المنال في ظل سنوات الجفاف التي تضربها.

وقالت بوسلامة إن "القانون عدد 51 لن يكون نافذاً ما لم يتم توفير وسائل مادية ولوجستية لتنفيذه ولحماية العاملات في القطاع الفلاحي، مما يؤكد غياب الإرادة السياسية لتطبيقه".

وأكدت أنه "تم على سبيل المثال لا الحصر التفاهم على أن يتولى القطاع الخاص توفير وسائل لنقل العاملات، لكن السلطات وضعت كراسة شروط تعجيزية أمام الراغبين في الاستثمار في هذه المشاريع".

المزيد من العالم العربي