Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يقاوم الاقتصاد الروسي العقوبات الغربية القاسية حتى النهاية؟

استعدادات موسكو قبل الحصار حصنتها من السقوط السريع والإجراءات خففت التداعيات السلبية

بحلول الخامس من ديسمبر 2022، بدأت أوروبا تنفيذ عقوبات حظر النفط الروسي مع فرض سقف السعر (أ ف ب)

ملخص

تمتلك #موسكو أسطولاً معقولاً من #ناقلات_ النفط، لكنه لا يستطيع شحن سوى 20 في المئة، فحسب من #الصادرات_ الروسية

أظهرت أرقام وبيانات شهر يناير (كانون الثاني) الماضي بدء تأثير الحرب في أوكرانيا والعقوبات الاقتصادية غير المسبوقة على وضع الاقتصاد الروسي، إذ تراجعت عائدات الطاقة بنسبة 46.5 في المئة، كما هبطت العائدات الروسية إجمالاً الشهر الماضي بنحو 35.1 في المئة، ليرتفع العجز في الميزانية الروسية إلى مستوى غير مسبوق مسجلاً 25 مليار دولار، مع زيادة الإنفاق بنسبة 60 في المئة بمعدل سنوي الشهر الماضي.

يأتي هذا التدهور الذي بدأ يظهر في الاقتصاد الروسي بعد مرور عام على بدء حرب أوكرانيا نهاية فبراير (شباط) 2022، إثر سلسلة من حزم العقوبات الاقتصادية غير المسبوقة التي فرضها الغرب على موسكو، وعلى رغم ذلك جاء التراجع أقل من المتوقع في بداية الحرب التي كانت تشير إلى أنه مع فرض العقوبات سينهار الاقتصاد الروسي سريعاً حتى ينقلب المواطنون على حكومة الكرملين، وهو ما أشار إليه الرئيس الأميركي جو بايدن في ربيع 2022 عندما توقع انهياراً روسياً مع بدء فرض العقوبات، إلا أن ذلك لم يحدث.

قدرة موسكو على الصمود وتفادي الانهيار السريع في البداية ارتكزت إلى عدة عوامل، منها بالأساس أنها تستعد لذلك الاحتمال منذ فرض العقوبات الغربية السابقة عليها عقب استيلائها على شبه جزيرة القرم وضمها إليها عام 2014، ومنذ ذلك الحين بدأت روسيا في التحسب لاحتمالات عقوبات جديدة عليها تفصلها عن النظام المالي والاقتصادي العالمي.

استعدادات وعلاقات

وعملت روسيا على مدى ثماني سنوات لتحقيق بعض الحصانة من أخطار مزيد من العقوبات، فطورت نظام بطاقات ائتمان خاصاً بها يستخدم في عدد قليل من الدول الصديقة لها، كما طورت نظاماً بديلاً لنظام المراسلات المصرفية العالمي (سويفت)، وإن كان بالطبع محدود القدرة لاستخدامه في روسيا ومع عدد قليل جداً من شركائها وعدم ارتباطه بأي نظام تحويلات ومراسلات مالية عالمي.

كما طورت موسكو قدرة بعض الصناعات الرئيسة فيها على تقليل الاعتماد على المكونات من الدول الغربية، وإن لم تفلح في ذلك تماماً، لكنها في الأقل تمكنت من إنفاذه في بعض قطاعات الصناعات العسكرية.

 لكن كل تلك الاستعدادات لم تكن كافية تماماً لتفادي أضرار العقوبات الاقتصادية المتتالية والمتصاعدة عليها منذ بدء حرب أوكرانيا، إنما في الأقل خففت من تأثير الصدمة الأولى ومكنت موسكو من تفادي الانهيار السريع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومنذ البداية دعمت بعض الدول الصديقة لروسيا مثل الصين والهند ودول أخرى في امتصاص صدمة العقوبات بزيادة وارداتها من صادرات الطاقة الروسية، إلا أن المحللين في الغرب يرون أن الاقتصاد الروسي سيأخذ في التراجع بقوة ويواجه فترة ممتدة من الركود، كما ذكر وزير الاقتصاد الروسي السابق أدنريه نيتشييف في مقابلة مع شبكة "سي أن أن" الأميركية الصيف الماضي، إذ قال وقتها عندما كان مسؤولاً عن الاقتصاد الروسي في فترة انهياره مطلع التسعينيات من القرن الماضي، إن "الشكل الظاهر أن شيئاً لم يتغير"، مضيفاً أنني "أقود سيارتي في موسكو فأجد الزحام كما هو من قبل"، مشيراً إلى أنه "باستثناء أن بعض واجهات المحال التي كانت تستضيف ماركات عالمية تظهر فارغة فإن الصورة العامة في البلاد أن الوضع كما كان من قبل، حتى سلاسل محال الوجبات السريعة التي غادرت روسيا مثل (ماكدونالدز) عادت محالها تعمل تحت اسم جديد هو (فكوسنو أي توشكا)، بينما مقاهي (ستاربكس) عادت إلى العمل تحت اسم لا يختلف كثيراً (ستارز كافيه)".

إجراءات وسياسات

مع بدء فرض العقوبات الغربية انهار سعر صرف العملة الروسية "الروبل" مقابل الدولار الأميركي وارتفعت معدلات التضخم بشدة، مع تجميد الغرب نحو نصف الاحتياطات الروسية من العملة الأجنبية البالغة 600 مليار دولار، لكن الروبل عاد وارتفعت قيمته لتصل في مرحلة ما من النصف الثاني من العام الماضي إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2018، على رغم تهديدات الرئيس الأميركي جو بايدن بأنه سيحول العملة الروسية إلى "ركام".

ونجحت إجراءات البنك المركزي الروسي للانضباط المالي والنقدي في البلاد في تفادي الانهيار الاقتصادي الكامل والمستدام، ففور بدء العقوبات فرضت روسيا قيوداً على رأس المال ورفع البنك سعر الفائدة بشكل كبير وبنسب غير مسبوقة، وبعد فترة بدأ تخفيف تلك الإجراءات حتى عاد سعر الفائدة إلى نسبة أقل مما كان عليه قبل الحرب بنهاية العام الماضي.

في غضون ذلك تراجعت معدلات التضخم، التي وصلت إلى أعلى مستوياتها في أبريل (نيسان) 2022 عند نسبة 18 في المئة إلى ما بين 12 و15 في المئة في الصيف الماضي، وعدل البنك المركزي وقتها توقعاته لانكماش الاقتصاد بنسبة ما بين أربعة وستة في المئة، بعد أن كانت التوقعات في أبريل 2022 الانكماش بنسبة ما بين ثمانية و10 في المئة، وهو ما اتسق مع توقعات صندوق النقد الدولي بانكماش الاقتصاد الروسي بنسبة ستة في المئة في 2022.

وأسهم استعداد روسيا لاحتمالات فرض العقوبات في تفادي كارثة الانهيار السريع للاقتصاد، كما ذكر وزير الاقتصاد السابق "لم يكن لخروج شركات ماستركارد وفيزا تأثير في نظام المدفوعات الداخلية في البلاد، لأن البنك المركزي كان لديه نظام بديل للمدفوعات بالفعل". وسبق أن أطلقت روسيا في عام 2017 بطاقة الائتمان "مير كارد" للتعامل في البلاد.

كما ساعدت الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الروسية لتفادي انهيار السوق المحلية مع خروج الاستثمارات الأجنبية في قدرة روسيا على سرعة تشغيل سلاسل المحال للماركات العالمية التي غادرت روسيا، وذلك نتيجة إجراء مهم بدأت الحكومة تطبيقه منذ عام 2014، فوفقاً لما قاله المؤسس المشارك لشركة "ماكرو أدفايزوري ليمتد" كريس ويفر، التي تقدم المشورة للشركات الأجنبية العاملة في روسيا، فقد أجبرت الحكومة الشركات الأجنبية منذ ذلك الحين على اعتماد سلاسل توريد محلية لأعمالها، ورضخت الشركات لذلك، موضحاً أن "مع انسحاب شركات مثل (ماكدونالدز) و(ستاربكس) وغيرهما، لم يكن صعباً على الروس تشغيلها لأنها لا تعتمد على سلاسل توريد خارجية".

قطاع الطاقة

ربما يكون قطاع الطاقة الأكثر تضرراً بين قطاعات الاقتصاد الروسي، وسط العقوبات الغربية المتصاعدة، بداية من وقف أوروبا استيراد الغاز الطبيعي ثم النفط الخام ثم المشتقات من روسيا، وأخيراً فرض دول مجموعة السبع سقف سعر للنفط الروسي عند 60 دولاراً للبرميل الواحد، إذ تستهدف تلك العقوبات حرمان موسكو من عائدات بعشرات مليارات الدولارات نتيجة تصدير النفط والغاز في سياق الضغط المالي على الكرملين لوقف الحرب في أوكرانيا.

وقبل عقوبات فرض سقف سعر للنفط الروسي والمشتقات كانت أوروبا بالفعل قللت اعتمادها على الغاز الطبيعي من موسكو والذي كان يشكل نسبة 40 في المئة من حاجات أوروبا من الغاز، مما تسبب في انخفاض حاد في صادرات روسيا من الغاز إلى أوروبا، إذ لم تتخط حدود الـ20 في المئة مما كانت عليه قبل الحرب.

إلى ذلك تمثل صادرات النفط والمشتقات القدر الأكبر من عائدات صادرات الطاقة لموسكو، وبحلول الخامس من ديسمبر (كانون الأول) 2022، بدأت أوروبا تنفيذ عقوبات حظر النفط الروسي مع فرض سقف السعر، الذي يستهدف في المقام الأول وقف تقديم أي خدمات تأمين أو غيرها للناقلات التي تحمل شحنات النفط الروسية لمشترين يدفعون أكثر من سقف السعر المحدد.

الهند والصين

في المقابل تمكنت موسكو منذ بداية الحرب وقبل العقوبات من إيجاد مشترين لنفطها خارج أوروبا والغرب، إذ كانت الهند والصين في مقدمة الشركاء الذين زادوا وارداتهم من الطاقة من روسيا، فوفقاً لشركة الاستشارات في مجال السلع "كبلر" فإن غالب شحنات النفط الروسي بالناقلات تذهب إلى آسيا منذ بداية الحرب في أوكرانيا، وبلغ نصيب آسيا من صادرات النفط الروسي المنقول بالبحر في يوليو (تموز) 2022 نحو 56 في المئة من إجمالي صادرات روسيا بالناقلات، مقارنة بـ37 في المئة في الشهر المناظر من عام 2021.

أما الصين فخلال النصف الأول من 2022 رفعت نسبة وارداتها من النفط الروسي المشحون براً بالناقلات بنحو 40 في المئة، بينما الهند رفعت وارداتها من نفط روسيا في تلك الفترة بنسبة 1700 في المئة، كما زادت روسيا صادراتها من الغاز الطبيعي إلى الصين عبر خط أنابيب سيبيريا بين البلدين.

أسطول الظل

وللالتفاف على عقوبات سقف السعر على النفط الروسي استعدت موسكو لتشغيل أسطول من الناقلات "الخفية"، إضافة إلى أسطولها من الناقلات كي تنقل شحنات الخام والمشتقات من موانئها إلى وجهات غالبها آسيوية.

وتمتلك موسكو أسطولاً معقولاً من ناقلات النفط، لكنه لا يستطيع شحن سوى 20 في المئة، فحسب من الصادرات الروسية، وبالطبع هذا الأسطول من الناقلات يعمل من دون تأثر بالعقوبات الغربية أو قرار فرض سقف السعر، لأنه لا يحتاج إلى الخدمات البحرية من تأمين وغيره من شركات غربية.

وكثفت روسيا تشغيل ناقلات أسطولها كي تتمكن من مواصلة التصدير بالقدر الكافي، على جانب الاعتماد على الناقلات التي استحوذت عليها ضمن "أسطول الظل" من الناقلات الخفية التي تعمل خارج قواعد الملاحة البحرية الدقيقة.

يشار إلى أن "أسطول الظل" يضم ما بين 200 و300 سفينة، غالبها تم الاستحواذ عليها في الأشهر الأخيرة قبل فرض الحظر الأوروبي.

الإجراءات السابقة قد تكون غير كافية لامتصاص التداعيات السلبية للعقوبات الغربية، مما يقلص من حظوظ الصادرات الروسية وتراجع العائدات التي تصل إلى موسكو من مبيعات الطاقة، وهو ما يجعل كثيرين يتوقعون ركوداً اقتصادياً طويل الأمد في حال استمرار الحرب والعقوبات.

اقرأ المزيد