تباطؤ في ألمانيا وديون بإيطاليا... ما أدوات المركزي الأوروبي؟

التوقعات تشير إلى خفض سعر الفائدة على الودائع وتدشين برنامج الإقراض طويل الأجل

كشف محضر اجتماع المركزي الأوروبي لشهر يونيو أن البنك في طريقه إلى تيسير السياسة النقدية بخفض سعر الفائدة أو زيادة حجم برنامجه لشراء الأصول (أ.ف.ب)

عندما أتى ماريو دراغي لرئاسة البنك المركزي الأوروبي في 2011 كان أول قرار له بشأن السياسة النقدية هو خفض سعر الفائدة، ويبدو أن آخر قرار للرجل سيكون خفض سعر الفائدة أيضاً خلال الثماني سنوات مدة رئاسته المركزي الأوروبي، وبذلك يكون محافظ البنك المركزي الذي لم يرفع سعر الفائدة قط ماريو دراغي، تنتهي ولايته في نهاية أكتوبر (تشرين الأول) 2019، ومتوقع أن يقر البنك خفضاً لسعر الفائدة قبل مغادرته، والعودة إلى برنامج شراء الأصول "السندات الحكومية وسندات الشركات"، وستأتي خلفاً له كريستين لاغارد رئيسة صندوق النقد الدولي الآن.

تباطؤ نمو الاقتصاد في ألمانيا
في يناير (كانون الثاني) 2019 انخفض مؤشر مديري مشتريات القطاع الصناعي الألماني PMI إلى 49.7 (المستوى المعياري لهذا المؤشر هو 50. أعلى منه يعني أن القطاع يشهد توسعاً، وأدنى منه يعني أن القطاع يشهد انكماشاً).

منذ فبراير (شباط) من هذا العام أداء القطاع الصناعي الألماني هو الأسوأ، مقارنةً بفرنسا وإيطاليا وإسبانيا، وتراجع مؤشر الـPMI الألماني في شهر يونيو (حزيران) 2019 إلى 45، وهو الشهر السادس على التوالي الذي يستمر القطاع الصناعي الألماني منكمشاً (لم يسجل هذا المؤشر قراءة فوق الـ50 خلال 2019)، لنقترب أكثر من حجم التراجع في القطاع الصناعي الألماني. نفس هذا المؤشر PMI كان عند مستوى 63.3 في شهر ديسمبر (كانون الأول) 2017.

تأثر الاقتصاد الألماني بالتوترات التجارية، إذ تمثّل الصادرات 47٪ للاقتصاد الأكبر في منطقة اليورو، بالفصل الثالث من 2018 انكمش الاقتصاد الألماني للمرة الأولى خلال ثلاث سنوات، ما دفع الحكومة الألمانية إلى خفض توقعاتها لنمو الاقتصاد في العام 2018 إلى 1.5 - 1.6٪، وبالفعل انخفض النمو إلى 1.5٪ في 2018 مقارنة بنمو 2017، الذي كان 2.2٪. خلال الـ12 شهراً حتى مارس (آذار) 2019 سجَّل الاقتصاد الألماني نمواً بلغ +0.7٪، مقارنة مع نمو الاقتصاد البريطاني، الذي سجَّل نمواً بـ1.8٪ خلال الفترة نفسها على الرغم من مخاطر البريكست.

هذا التباطؤ الواضح في النمو للاقتصاد الأكبر في منطقة اليورو، الذي يستحوذ على 35٪ من النشاط الاقتصادي دفع فايدمان محافظ الـBundesbank (المركزي الألماني) إلى موافقة الاتجاه الأخير للمركزي الأوروبي بشأن تيسير السياسة النقدية وتحفيز الاقتصاد في منطقة اليورو، بينما كان رافضاً ذلك في 2016. هذا سوف يساعد كريستين لاغارد في تحفيز اقتصاد منطقة اليورو بدعم من ألمانيا.

أزمة الديون في إيطاليا
التوتر مستمر بين الحكومة الإيطالية والمفوضية الأوروبية التي تطالب إيطاليا بالالتزام بمعايير المفوضية بشأن عجز الموازنة، الذي يجب المحافظة عليه تحت الـ3٪، وأن لا يتجاوز حجم الدين 60٪ من الناتج المحلي الإجمالي (GDP). كثيرٌ من الدول الأوروبية لا يلتزم بهذه المعايير، لكن الوضع في إيطاليا أسوأ، مثلاً في 2018 حجم الدين بلغ 132٪ من الـGDP، ومتوقع أن يرتفع حجمه إلى 135٪ لـGDP في 2020.

 

المستوى الحالي من الدين العام هو الأعلى منذ الحرب العالمية الثانية، ويبلغ حجمه 2.7 تريليون دولار مقارنة مع حجم الدين في اليونان، الذي أدخل منطقة اليورو في أزمة ديون سيادية في العام 2012، حجم الدين الإيطالي تقريباً 9 أضعاف دين اليونان، وهذا يشكل تهديداً بمخاطر كبيرة للنظام المالي في منطقة اليورو.

يبلغ نصيب الفرد الإيطالي نحو 48.000 دولار من الدين العام للدولة، بلغ ما دفعته الحكومة الإيطالية كفوائد لهذا الدين 81.7 مليار دولار في 2018، ما يشير إلى صعوبة تحمّل خدمة هذا الدين الضخم. على صعيد انكشاف البنوك الإيطالية على الدين السيادي هناك 10 بنوك تحتفظ بما يعادل بـ262 مليار دولار من هذه الديون، ويبلغ إجمالي انكشاف البنوك الإيطالية نحو 400 مليار دولار، ما قد ينذر بأزمة في القطاع المصرفي الإيطالي، مع العلم أن 7 بنوك إيطالية طلبت مساعدات خلال السنوات الثلاث الماضية. أزمة الديون الإيطالية أكثر خطراً على اقتصاد منطقة اليورو من البريكست، وتحفيز الاقتصاد وطرح خطط الإقراض وشراء الأصول ستستفيد منه البنوك الإيطالية.

اتجاهات السياسة النقدية للمركزي الأوروبي
بعد الأزمة الماليَّة العالميَّة في 2008 تبنَّت دول الاتحاد الأوروبي إجراءات تقشفيَّة حادة تسببت في كثيرٍ من الضغوط الاجتماعية، ودفعت نسبة البطالة في منطقة اليورو إلى الارتفاع فوق الـ10٪، ثم غيَّر البنك المركزي الأوروبي سياسته النقدية من التشديد (رفع سعر الفائدة) إلى التيسير (خفض سعر الفائدة)، وأتبع ذلك ببرنامج لشراء السندات السيادية وسندات الشركات ضمن سياسة التيسير الكمي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بعد اندلاع أزمة الديون السيادية في 2012 قال دراغي قولته المشهورة: "whatever it takes"، ويعني أن البنك المركزي سيفعل كل شيء لحماية النظام المالي في منطقة اليورو، وخفَّض أسعار الفائدة إلى مستوى قريب من الصفر، وخفَّض أيضاً الفائدة على الودائع إلى مستوى أدنى من الصفر في صيف 2014، ولا تزال عند - 0.40٪، ثم طرح المركزي الأوروبي برنامج إقراض طويل الأجل للبنوك يسمى الـLTRO اختصاراً لـLong Term Refinancing Operation بلغت القيمة الإجمالية لهذا البرامج بجميع مراحله 810 مليارات دولار في 2016 - 2017 بأجل أربع سنوات، 56٪ من هذه القروض أخذتها البنوك في إيطاليا وإسبانيا.

من المتوقع أن يفصح المركزي الأوروبي خلال اجتماع شهر يوليو (تموز) 2019 عن الضوابط الجديدة لعمليات الإقراض. في اجتماع المركزي الأوروبي لشهر مارس (آذار) 2019 خفَّض البنك توقعاته للتضخم هذا العام إلى 1.2٪ من 1.6٪، على الرغم من ذلك صرَّح رئيس البنك بأن سعر الفائدة سيبقى على ما هو عليه حتى نهاية هذا العام، ثم غيَّر السيد دراغي من لهجته وفتح الطريق أمام تيسير قادم لسعر الفائدة في مايو (أيار)، وبدأ بعض البنوك تبني هذه السياسة.

هذا الوضع شبيه بالعام 2015، ونتيجة لتبني البنوك المركزية مجتمعة سياسات تيسيرية وخفضاً للفائدة نتج عن ذلك حرب عملات في ذلك الوقت، وتتخوَّف الأسواق من تكرار هذا السيناريو، وتصريحات الرئيس الأميركي ترمب، التي انتقد فيها الصين ومنطقة اليورو تشير إلى ذلك واستفادتهما من تنافسيَّة العملة.

أظهر محضر اجتماع البنك المركزي الأوروبي لشهر يونيو (حزيران) 2019 أن البنك في طريقه إلى تيسير السياسة النقدية بخفض سعر الفائدة أو زيادة حجم برنامجه لشراء الأصول، الذي يبلغ حجمه الآن 2.9 تريليون دولار، ويتبقى للبنك المركزي الأوروبي أربعة اجتماعات هذا العام، اجتماع هذا الشهر سيكون في 25 يوليو (تموز) 2019، وآخر في 12 سبتمبر (أيلول) 2019، والاجتماع قبل الأخير سيكون في 24 أكتوبر (تشرين الأول) 2019، وآخر سيكون في 12 ديسمبر (كانون الأول) 2019، التوقعات تشير إلى خفض سعر الفائدة على الودائع وتدشين برنامج الإقراض طويل الأجل، هذا الشهر ربما يهيئ المركزي السوق بتغيير موجهات السياسة النقدية forward Guidance، وعندها ستبدأ الأسواق بتسعير قرارات الفائدة مستقبلاً.

المزيد من رأي خبير