الجانب المظلم من مدينة البندقية: الموت والفساد والإذلال

نظرة متعمقة في الأفلام: على الشاشة، يتم تصوير مدينة الأقنية الخلابة على أنها مدينة غريبة ومتحللة

ديرك بوجارد في فيلم "الموت في البندقية" لوتشينو فيسكونتي من عام  1971 (وارنر برذرز)

قد تكون مدينة جميلة، يملؤها السياح، وتنضح بالفن ومدرجة كموقع للتراث العالمي من قبل يونسكو، ولكن بالنسبة إلى المخرجين، كانت البندقية تتمتع دائماً بجاذبية مرضية للغاية. في فيلم تلو الآخر، ترتبط المدينة بالموت أو الفساد أو الخيانة العاطفية أو الإهانة الجنسية. إنها مدينة تغرق وتتحلل، حيث يضيع فيها الزوار مجازياً و بالمعنى الحرفي للكلمة.

إن إعادة إصدار تحفة نيك روغ  في الخامس من يوليو/ تموز لفيلم ’لا تنظر الآن‘ الذي أُنتج عام 1973، هي تذكير بمدى الاضطهاد الذي تُصوَر به المدينة على الشاشة. بينما كان الآخرون يؤلفون الملاحم الشعرية عن الكنائس واللوحات الفنية في البندقية، كان روغ يتحدث في اللقاءات عن الرائحة النتنة التي تفوح فوق مياه البندقية. لقد قام بتصوير الفيلم عمداً في الفصل السيء.  يتذكر المخرج لاحقاً: "الشتاء قاتم للغاية في البندقية. هناك شعور بالعزلة وبانفصال المدينة." وتحدث عن "وحشية المدينة، غرابتها، والإحساس بالموت فيها."

على الرغم من أن روغ يُظهر معالم مألوفة ويصوّر في الكنائس والقنوات،  يظل فيلم ’لا تنظر الآن‘ بعيداً جداً عن الصورة التي يقدمها كتاب الرحلات ’دليل بيدكر’ للبندقية. أبطال الفيلم، الزوجان المفجوعان (جولي كريستي ودونالد ساذرلاند) اللذان يتجاوزان غرق ابنتهما، يتحملان سلسلة من التجارب الغريبة والمزعجة في البندقية (المكان الذي أتى إليه الزوج من أجل العمل). يعتقد الرجل باستمرار أنه يرى ابنته مرتدية معطفها الأحمر المألوف وهي تختفي في الأزقة. السبب وراء إمكانية تمييز المعطف الأحمر بشدة هو أن الألوان ما عدا ذلك كانت مهمشة. وهناك قاتل متسلسل يتجول في الخفاء. و تدعي وسيطة روحية عمياء أنها على اتصال بالطفلة الميتة.

إنه فيلم مخيف وغريب للغاية  يمشي بمحاذاة الخط الفاصل بين الإثارة المروعة والدراما النفسية عن الحزن. إن مشاهدته لا تقدم أي شيء على الإطلاق يجعلك ترغب في زياة  المدينة التي يصوّرها.

هناك العديد من الأفلام الأخرى من أنواع مختلفة تُقدّم فيها مناظر البندقية بنفس الجو المسموم (من بينها الأفلام المستمدة من الأعمال الأدبية، أفلام الجريمة والإثارة، وأفلام السيرة الذاتية).

"انعطفا ثم سيرا يميناً، وانعطفا بعدها وسيرا يميناً"، هذا ما يقوله بواب الفندق للزوجين البريطانيين كولين وماري (روبرت إيفريت وناتاشا ريتشاردسون)، في بداية فيلم بول شريدر ’راحة الغرباء‘ عام 1990. يلخص هذا القول بشكل مثالي الطبيعة المحببة للمدينة التي تشبه المتاهة. يحاول الزوجان اتباع تعليمات البواب ولكنهما يتوهان بشكل يائس في نهاية المطاف. عندما كانا متعبين وضعيفين، فإن روبرت (كريستوفر والكن)، الساكن المحلي الرقيق ولكن الحاقد في نفس الوقت، والذي يرتدي بدلة بيضاء من تصميم ’أرماني‘، يُقحم نفسه في حياتهما مع يترتب على ذلك من عواقب مميتة يمكن التنبؤ بها.

النسخة التي قدمها لوتشينو فيسكونتي لرواية ’موت في البندقية‘ للكاتب توماس مان عام 1971 قد تقدم تصميماً إنتاجياً رائعاً، لكنها تُظهر المدينة وهي في قبضة المرض. الشخصية الرئيسية في العمل، الملحن غوستاف فون أشنباخ (ديرك بوغارد) ، مهووس بشكل لا يصدق بصبي في سن المراهقة. لقد دُهشت ’وارنر براذرز‘ من الفيلم. كما كتب بوغارد في رسالة (تم اقتباسها في السيرة الذاتية للممثل التي كتبها جون كولدستريم)، فلم يكن لدى الشركة الهوليودية المنتجة أدنى فكرة عن "كيفية بيع فيلم عن ’هذا الرجل الهرم الذي يتحرش بالأطفال‘. على الأقل، يبدو تادزيو، المراهق الوسيم، في صحة جيدة. هذا أكثر مما يمكن أن يقال عن أهالي البندقية الذين ظهروا في الفيلم وهم يعانون من الكوليرا - والذين تعاني السلطات أثناء محاولاتها اليائسة لإخفائهم عن أعين السياح.

في فيلم كازانوفا عام 1976 من بطولة دونالد ساذرلاند  يقدم المخرج فيدريكو فيليني في ثاني أفلامه الرئيسية في مدينة البندقية رؤيا متناقضة بنفس قدر تناقض المدينة المبنية على الماء. يتم هنا إلقاء القبض على كازانوفا وسجنه بتهمة الفجور بعد مشهد جنسي مثير للغاية تظهر في امرأة  مرتدية ملابس راهبة. إن المهرجانات المقنعة للبندقية، كما يصورها فيليني، تشبه الطقوس الشيطانية الرائعة في روايات دينيس ويتلي. العربدة خبيثة ومنمقة بشكل غريب.

تستضيف مدينة البندقية أقدم وأروع مهرجان سينمائي في العالم، تم استحداثه تحت قيادة موسوليني في عام 1932. يُقدّم مهرجان البندقية في فيلم ’إيفا’ للمخرج جوزيف لوسي (1962)، وهو فيلم عن الغيرة والإذلال الجنسي يتم فيه تحويل كاتب ويلزي ضخم (ستانلي بيكر) إلى شخص محطم وخائف ومذعور من قبل إيفا المغوية (جان مورو).

 حتى الأعمال التي قُدمت في التسعينيات والمقتبسة من كتابات هنري جيمس ذات اللغة المهذبة، مثل فيلم ’جناحا يمامة‘ الذي أخرجه إيان سوفتلي عام 1997، تربط بين البندقية والخيانة الرومانسية والأمراض المميتة. يلعب كل من هيلينا بونهام كارتر ولينوس روش دور عاشقين بريطانيين يواجهان ضائقة مالية ويخططان لسلب وريثة أميركية جميلة تعاني مرضا غير محدد. إنها دراما تستعرض حقبة زمنية معينة أكثر كآبة وإثارة للقلق مما تبدو في البداية من خلال مواقع تصويرها الجميلة.

إن مختلف الاقتباسات لأعمال شكسبير التي تدور أحداثها في المدينة أو تم تصويرها فيها، على سبيل المثال عطيل لأورسون ويلز في عام 1951، أو ’تاجر البندقية’ لـمايكل رادفورد عام 2004، من بطولة آل باتشينو في دور شايلوك، تتناول أيضاً قضايا مَرَضية.

ليس غريباً أن ينتهي المطاف بـتوم ريبلي المختل عقلياً (قام بدوره مات ديمون) في البندقية بعد أن انتحل هوية "صديقه"’ديكي’ (الممثل جود لو) الذي سيقتل علي يديه في فيلم ’مستر ريبلي الموهوب‘ للمخرج أنتوني مينغيلا عام 1999. إنها المدينة المثالية بالنسبة له. في فيلم ’لعبة ريبلي’ الذي قدمته ليليانا كافاني عام (2002)، الذي لعب فيه جون مالكوفيتش دور ريبلي، اتخذ القاتل من منطقة البندقية مكاناً لإقامته. كان من الصعب أن تتخيله يعيش في مكان آخر.

ليس كل فيلم تجري أحداثه في البندقية غارقاً في الموت والمرض والانحلال. ومع ذلك، فإن الأفلام التي تقدم الصورة الوردية للمدينة تميل إلى أن تكون أقل قوة بكثير من تلك التي تستكشف جانبها المظلم. لا يؤثر غناء جدافي الجندول على الأقزام القبيحين الذين يلوحون بسكاكين اللحم. نادراً ما يتم في يومنا هذا إحياء فيلم وودي آلن الغنائي ’الجميع يقولون أحبك‘ الذي قدمه عام (1996) ويدور جزء من أحداثه في المدينة.

قدمت كاثرين هيبورن واحداً من أشهر مشاهدها الكوميدية في المدينة، حيث تسير إلى الخلف في القناة كسيدة أميريكية في منتصف العمر في فيلم ’فصل الصيف‘ لديفيد لين (1955)، ولكن عندما قام المخرج الألماني فلوريان هينكل فون دونيرسمارك بتصوير جزء من فيلمه الرومانسي ‘السائح‘ عام (2010) من بطولة جوني ديب و أنجلينا جولي في البندقية، تذمر جميع المشاهدين من أن الفيلم كان سطحياً للغاية وحلواً للغاية.

"فكرت بيني وبين نفسي في الفيلم كمجموعة من النقاد يحضرون إلى مطعم. ظنوا أنهم قد طلبوا طبقاً رئيسياً وقدمت أنا لهم الحلوى. ومع ذلك، كنت قد وضعت الكثير من الحب في هذه الحلوى، كان (رد الفعل) هو أن الطعام كان طبقاً رئيسياً رهيباً،" كما تحدث المخرج الألماني المُنتقَد بصورة لاذعة في وقت لاحق عن فشل الفيلم في تحقيق نجاح جماهيري. 

 

من المفيد مقارنة اثنين من أفلام جيمس بوند التي صوّرت في البندقية. في فيلم مونراكر عام (1979) هناك مشهد مطاردة يظهر فيه روجر مور في جندول يعمل بمحرك تطارده زوارق سريعة. لقد كان المشهد ممتعاً بأسلوبه لكنه كان سمجاً للغاية - ويقدم تسلسلاً غبياً للأحداث حيث ينفصل الجندول عن الماء ويندفع بين حشود السياح في ميدان سان مارك. التصوير الأكثر قتامة والأكثر ميلودرامية في نهاية فيلم كازينو رويال (2006) كان أفضل بكثير، عندما غرقت فيسبر ليند (إيفا غرين) أمام جيمس بوند (دانييل كريغ) عندما انهار مبنى على القناة الكبرى.

ظهور شون كونري بشخصية جيمس بوند في البندقية كان في الوقت المناسب  مع عرض الأسماء في نهاية فيلم "من روسيا مع الحب" (عام 1963)، وهو يقبل تاتيانا رومانوفا (بدور دانييلا بيانكي) في جندول في القناة الكبرى - ولكن كانت هذه مجرد زيارة رمزية. يمكننا أن نقول نفس الشيء عن إنديانا جونز في فيلم ’إنديانا جونز والحملة الصليبية الأخيرة ’ (عام 1989).

من الواضح أن التمثيلات الشنيعة للمدينة التي تظهر على الشاشة لا تُبعد السياح. مازال حوالي 30 مليوناً منهم يزورون المدينة كل عام. عندما تنزل جحافلهم في مطار ماركو بولو، لا يفكرون في تفشي وباء الكوليرا أو القتلة المتسلسلين أو القلق من أن البندقية قد تغرق قريباً. بعد العديد من الأفلام، السؤال الآن هو كيف يمكن لصانعي الأفلام أن يعرضوا البندقية بصورتها الأصلية.  النوع الوحيد من الأفلام الذي لم نشاهده بعد هو صورة كارثية على نمط أعمال إيروين ألين - ولكن إذا استمرت سفن الرحلات البحرية وعابرات المحيطات في الوصول إلى المدينة، فالاحتمال الأكبر أننا سنرى فيلماً عما قريب.

سيبدأ عرض النسخة المستعادة من  فيلم "لا تنظر الآن" بدقة عالية في دور السينما من قبل ’ستوديو كانال’ في الخامس من يوليو (تموز)، وستُطرح على أقراص دفي في دي و بلو راي وقنوات الاشتراك وفي إصدار خاص في 29 يوليو (تموز).

© The Independent

المزيد من سينما