Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

القضاء اللبناني يتخبط وبوادر سلبية تستبق وصول الوفود الأوروبية

جريمة المرفأ وقضايا الانهيار المالي تضعان لبنان تحت المجهر الدولي في ظل شلل داخلي

رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود مشاركاً في حفل قسم اليمين القانونية لقضاة جدد في قصر العدل ببيروت، في 18 نوفمبر 2021 (مواقع التواصل)

في مدينة أم الشرائع، بيروت، وجامعة القانون، كما اشتهرت منذ العهد الروماني، يزداد الخوف يوماً بعد يوم على نظام الحكم، انطلاقاً من خوف على القضاء، الذي هو اليوم موضع تساؤل في أكثر الملفات إلحاحاً وخطورة في تاريخ لبنان. وقد لا يمر يوم لا يشهد فيه "قصر العدل"، مقر المحكمة العليا اللبنانية، احتجاجات داخلية وخارجية، بلغت حدها في انتفاضة عدد من القضاة على رئيسهم الأعلى، وفي دخول محققين دوليين من ثلاث دول أوروبية على خط التحقيقات في ملفات فساد وتبييض أموال، في نتيجة طبيعية لعدالة غير محققة ومحاولات دائمة للفلفة القضايا، ببصمات واضحة لتدخل السياسيين في عمل القضاء. ووصف عدد من القضاة المتقاعدين ما يحصل بأنه "فصل من فصول تحلل الدولة في ظل قضاء ينازع بعد أن بات عاجزاً عن مواجهة الجريمة، أياً كان نوعها، واللائحة طويلة".

سابقة يسجلها وزير وقضاة

وشكلت دعوة أربعة قضاة من أصل سبعة، المجلس الأعلى للقضاء إلى الاجتماع، الخميس، سابقة في لبنان، بأن يدعو إلى الاجتماع أعضاء في المجلس، وليس رئيس مجلس القضاء الأعلى، الذي وجهت له دعوة لحضور الاجتماع قبل أن يتهم بالمقاطعة، علماً أن دعوة مماثلة كان أطلقها وزير العدل هنري خوري، المقرب من "التيار الوطني الحر" (يرأسه النائب جبران باسيل) الذي أسهم في تعيين القضاة الأربعة، منذ نحو الأشهر الثلاثة. وتفرد خوري حينها في دعوة مجلس القضاء الأعلى إلى الاجتماع للهدف نفسه، وهو تعيين محقق رديف لقاضي التحقيق الأول طارق البيطار، المكلف ملف انفجار الرابع من أغسطس (آب) 2020 المعلقة منذ يوليو (تموز) الماضي نتيجة دعاوى الرد المقدمة ضده.
ولم تنجح الدعوتان في جمع مجلس القضاء الأعلى لعدم توفر النصاب القانوني لعقد الاجتماع، بعد تغيب رئيس المجلس سهيل عبود ورفض القاضي عفيف الحكيم، المقرب من رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، الحضور، إضافة إلى عدم إمكانية مشاركة نائب رئيس المجلس، المدعي العام التمييزي القاضي غسان عويدات المتنحي عن القضية انطلاقاً من صلة قربى تجمعه بالمدعى عليه الوزير السابق غازي زعيتر. وفيما اتهم القضاة الأربعة بأنهم رضخوا للسياسيين الذين يعملون على عرقلة التحقيقات في المرفأ، أكد مصدر قضائي لـ"اندبندنت عربية" أن لا صفة للقضاة الأربعة بتوجيه دعوة إلى رئيس مجلس القضاء الأعلى حتى يتهم بالمقاطعة، وأن القاضي عبود هو الذي يدعو، وهو الذي يحدد الاجتماعات. وشرح المصدر القضائي أن المادة 6 من قانون 150/ 83 المتعلق بتنظيم القضاء العدلي، تنص على أنه يحق لأربعة أعضاء من المجلس الأعلى للقضاء طلب تعيين جلسة للبحث بأمر معين، لكن قرار تحديد الاجتماع والدعوة إليه تعود إلى رئيس المجلس أي للقاضي سهيل عبود فقط.
وكان القضاة الأربعة، حبيب مزهر وداني شبلي وميراي حداد وإلياس ريشا قد حددوا في الدعوة "أنه بعد المداولة وحفاظاً على حسن سير العدالة، وانتظاماً لعمل المرفق العام القضائي، وحرصاً على الحقوق كافة، وسنداً لأحكام المادة 6 من قانون القضاء العدلي، قررنا دعوة مجلس القضاء الأعلى للاجتماع وعلى جدول الأعمال بند وحيد هو البحث في مقتضيات سير التحقيق العدلي في قضية انفجار مرفأ بيروت". وتوعد القضاة الأربعة بأن لديهم "كثيراً ليقولوه، وبصوت عالٍ"، علماً أنه لا يسمح لأي قاضٍ بالادلاء بأي تصريح من دون موافقة رئيسه.

تطويق رئيس مجلس القضاء

وبعيداً من أحقية دعوة القضاة الأربعة إلى اجتماع للمجلس الأعلى للقضاء أو قانونيتها، كان لافتاً حجم الانتقادات التي رافقتها استناداً إلى الأبعاد المتحكمة بهذه الدعوة، والتي لخصها عضو لجنة الإدارة والعدل البرلمانية النائب جورج عقيص بأنها "تطويق لرئيس مجلس القضاء الأعلى المعروف بنزاهته وصلابته". واعتبر عقيص في تصريح لـ"اندبندنت عربية" أن هذه الدعوة هي محاولة جديدة لتعيين قاضٍ رديف. وقال، "بالأمس وزير العدل في حكومة تصريف الأعمال، واليوم أعضاء المجلس يدعون إلى عقد جلسات مجلس القضاء الأعلى، في ظل رئيس يعمل ويحضر ويداوم". وأضاف أن "الرسالة واضحة تطويق القاضيين سهيل عبود وطارق بيطار، تعيين قاضٍ رديف لتوقيع إخلاءات سبيل الموقوفين، وتفخيخ التحقيق بطلبات الرد، ومن ثم تمييعه". وأكد النائب عقيص أن "طلبات إخلاء السبيل أصبحت حق لأكثر الموقوفين، لكن يجب أن يوقعها القاضي الأصيل، وليس الرديف".
وكشف مصدر قضائي مقرب من عبود عن أن رئيس مجلس القضاء الأعلى مستمر في البحث عن حل لهذه القضية، وهو لم ينجح في جمع الأعضاء الأصيلين والمنتدبين في الهيئة العليا للتمييز بسبب الاختلاف بينهم، لكنه أحال كل طلبات إخلاء السبيل إلى المحقق العدلي لإجراء ما يراه مناسباً في ضوء المعاهدات الدولية وحقوق الإنسان عله يجد منفذاً لهذه المعضلة.

دعوة القضاة الأربعة مجلس القضاء الأعلى إلى الاجتماع، أعادت تحريك غضب أهالي ضحايا انفجار المرفأ الذين نفذوا احتجاجاً أمام قصر العدل تزامناً مع الموعد الذي كان مقرراً للاجتماع، ورفعوا صور ضحايا الانفجار ولافتات طالبت باستقلالية القضاء وجددوا رفضهم لتعيين قاضٍ رديف عن بيطار. وتزامن كل ذلك مع التقرير السنوي لمنظمة العفو الدولية التي اتهمت فيه السلطات اللبنانية بعرقلة التحقيق في تفجير مرفأ بيروت، واعتبرت أنه من غير المنطقي عدم تقديم أي شخص للمساءلة بعد مرور أكثر من سنتين على التفجير.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


محققون أوروبيون في قصر العدل

في السياق، علق مصدر قضائي رفيع لـ"اندبندنت عربية"، على قرب بدء عدد من المحققين الأوروبيين من فرنسا وألمانيا ولوكسمبورغ، مهمة التحقيق في الملف المالي العائد لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة وما يتفرع عنه، بالقول، "وكأننا بإرادتنا نستجلب الوصاية القضائية والأمنية إلى بلدنا".
وفيما علم أن جلسات التحقيق ستمتد من الإثنين 16 يناير (كانون الثاني)، حتى الجمعة المصادف في الـ20 منه، لم يطلب أي من الوفود الاستماع إلى حاكم مصرف لبنان، في حين ستشمل التحقيقات في المرحلة الأولى مديري مصارف وكبار موظفي شركة تدقيق دولية وموظفين كباراً في "مصرف لبنان".
وستتحول القاعة العامة لمحكمة التمييز، يوم الإثنين، إلى خلية نحل أبطالها محققون أوروبيون، بعد أن أخفق المحليون في تحريك أو متابعة أي ملف فساد أو تبييض أموال، وللمفارقة فإن ملف سلامة المجمد أمام النيابة العامة الاستئنافية منذ يوليو الماضي، وبالأسلوب نفسه المتبع في تجميد تحقيقات انفجار المرفأ، نتيجة طلب رد تقدم به سلامة ضد النائب العام الاستئنافي زياد أبو حيدر، جرى الإفراج عنه تزامناً مع بدء الوفد الألماني مهمته في قصر العدل، بحيث أصدرت محكمة الاستئناف في بيروت قراراً قضى بالموافقة على طلب سلامة، بالتالي ردت المحكمة القاضي أبو حيدر كونه كان سبق وأبدى رأياً مسبقاً في الملف باعتباره أن الجهة الصالحة للادعاء فيه هي النيابة العامة المالية، وليس الاستئنافية. وبالعودة إلى المحققين الأوروبيين، فقد ذكرت مصادر قضائية أن بحوزتهم وثائق صادرة عن محكمة سويسرية يشتبه المحققون من خلالها قيام حاكم مصرف لبنان وشقيقه رجا سلامة باستخدام أكثر من 300 مليون دولار من المصرف المركزي بين عامي 2002 و2015 بشكل غير قانوني، وأنهما متورطان في غسل هذه الأموال في سويسرا، علماً أن حاكم مصرف لبنان سبق ونفى ارتكابه أي مخالفة ووضع الحملة المنسقة ضده في إطار تحميله مسؤولية انهيار البلد. وفيما يسعى المحققون الفرنسيون إلى معرفة ما إذا كان الأخوان سلامة قد استخدما بعض هذه الأموال لشراء عقارات في فرنسا، كشف مصدر قضائي لـ"اندبندنت عربية" عن أن المحققين الألمان مهتمين بمعرفة ما إذا كانت الأموال التي تحدثت عنها السلطات السويسرية قد استخدمت في شراء عقارات في ألمانيا، لا سيما في ميونيخ.

القضاء اللبناني تحت المجهر

ومن المتوقع أن يجتمع المدعي العام التمييزي القاضي غسان عويدات، الإثنين، بالوفود القضائية الأوروبية للتنسيق حول ظروف المهمة التي أتوا من أجلها، علماً أن التحقيقات ستجرى بإشراف المحاميين العامين التمييزيين، القاضيين عماد قبلان وميرنا كلاس، بما يضمن تنفيذ الاستنابات القضائية الأوروبية من دون تجاوز صلاحيات القضاء اللبناني، لكن الاختبار الأول لم يخلُ من بعض التشنجات، لا سيما مع الوفد الألماني الذي استبق الوفود الأخرى، وطلب الأربعاء الاطلاع على كامل ملف سلامة قبل أن يغادر قصر العدل خالي الوفاض، بعد أن اصطدم بموقف المحامي العام الاستئنافي في بيروت القاضي رجا حاموش الذي عارض حصول الوفد الألماني على نسخة من الملف أو تصويره سامحاً بالاطلاع عليه فقط، وبعد أن رفض أيضاً دخول الأمنيين الألمان القاعة والسماح للمحققين فقط، لكن زيارة السفير الألماني في لبنان أندرياس كيندل للقاضي عويدات، بعد تدخل من قبل وزير العدل، أسهمت في تبديد التشنج واستأنف المحققون الألمان مهمتهم، يومي الخميس والجمعة، في جلسات طويلة اطلعوا خلالها على ملف سلامة من دون السماح لهم بتصوير المستندات والوثائق. وفيما أكد القاضي عويدات أن حاموش اتبع الأصول القانونية، وأنه حال دون استباحة ملف محاط بالسرية، توقع كثيرون في لبنان أن تعمل السلطة السياسية على عرقلة عمل القضائيين الأوروبيين منعاً لتكشف الحقائق في الجرائم المالية المرتكبة بحق المال العام عملاً بالأسلوب المعتمد منذ سنوات في طمس الحقائق ولفلفة الملفات، لكن في المقابل يؤكد مصدر قضائي في النيابة العامة التمييزية لـ"اندبندنت عربية" أن "القضاء اللبناني سيتعاون مع الوفود الأوروبية بالحدود التي يسمح بها القانون، والأسلوب الذي اعتمد مع الألمان سيعتمد مع وفدي فرنسا ولوكسمبورغ".

المزيد من متابعات