أثر مشاركة المرأة السودانية في الحراك الشعبي على نظرة المجتمع لها

فتيات تعرضن للعنف والتحرش يواجهن العادات

على مدى عقود طويلة عنوانها الصمت خشية العار عاشت الفتيات ضحايا التحرش في مجتمعنا داخل سجن الخوف المحاط بإحساس العار من أمر ليس لديهن فيه يد.

بيد أن ثورة السودانيين الموسومة بثورة "الوعي"، أعادت تعريف مفهوم العيب والعار ودور النساء في الحياة العامة، في ظل مشاركتهن اللافتة وتقدمهن الصفوف في شجاعة وثبات. فولدت أهازيج ثورية، منها "هوي يا بنات ابقوا الثبات ثورتنا دي ثورة بنات".

طبيبات ومعلمات وإعلاميات وغيرهن، اخترن اعتصام القيادة العامة منزلاً لهن، ونقلن أنشطتهن إلى هناك، وشاركن ودافعن عن الثورة. وجدن كل الاحترام من الشاب السوداني. ووسط هذه الأجواء فُتح النقاش في شأن قضية المساواة بين الرجل والمرأة ووضعها ضمن أجندة الثورة التي تهدف إلى الارتقاء بالمستوى الفكري بحسب الثوار.

صبيحة الثالث من يونيو

يبدو أن المنحى التصاعدي في مسار ثورة السودانيين أرعب النظام القديم في بلد لم يعرف خلال 6 عقود، هي عمر استقلاله، الاستقرار، وظلت تتجاذبه الحروب والانقلابات العسكرية.

استيقظ السودانيون صباح الثالث من يونيو (حزيران) على ما لم يكن في البال، ضرب بالسياط وصراخ متواصل طلباً للمساعدة عبر مقاطع فيديو أغرقت منصات التواصل الاجتماعي تظهر فتيات تعرضن للعنف والتحرش الجنسي خلال عملية فض الاعتصام بمحيط القيادة العامة للجيش.

وأظهرت الفيديوات قوات ترتدي الزي النظامي تعتدي على فتيات بالقوة المفرطة، وفي خضم اعتصام القيادة العامة تعرضت سيدة حامل لطلق ناري أدى إلى وفاتها هي وجنينها. ووجدت جُثة لبائعة شاي ملقية في نهر النيل بالقرب من الاعتصام بعد تعرضها هي الأخرى لطلق ناري أثناء فض اعتصام القيادة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

العنف الذي تعرضت له المرأة السودانية تحول إلى وقود جديد أعاد الغضب إلى الشارع، واشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي، وطالب ناشطون بضرورة القصاص العادل.

تقول تهاني عباس، عضو في مبادرة "لا لقهر النساء"، "المبادرة ظلت على الدوام تقدم الدعم النفسي والاجتماعي والقانوني للنساء الناجيات من العنف، وعبر مكتبها تم التواصل مع عدد من الناجيات من الضرب والاعتداء الجنسي والسرقات والترهيب، الناجيات من العنف الجنسي تعرضن لصدمة قاسية جداً، صدمة شرخت نفسية كل الشعب السوداني، لكن بمساعدة الأطباء النفسيين والمختصين سيتجاوزنها وبدعم الناس لهن وبالاقتصاص من المجرمين، الناجيات من الاغتصاب لسن مجرمات وإنما ضحايا يجب على المجتمع أن يعي هذا وينظر إليهن باحترام ويعظم دورهن".

هاشتاغ تضامن مع الناجيات

أطلق الناشطون المتضامنون مع الضحايا في موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" هاشتاغ iam_Esra#، وذلك تضامناً مع إسراء التي ظهرت في مقطع فيديو تتعرض للتعنيف بواسطة جهة نظامية. وكتبت إسراء في مواقع التواصل أنها "بدعم المجتمع وتفاعل الناس مع قضيتها خرجت من الصدمة أكثر قوة، خصوصاً أن والدتها تضامنت معها ولم تلمها كما فعل البعض، وأنها كانت في ميدان الاعتصام تؤدي رسالتها وتشارك في تشكيل مستقبل بلادها". إسراء وجدت تضامناً كبيراً. ونشر خطيبها تعليقاً على موقع فيسبوك، فيه أنه "فخور بها وسيظل متمسكاً بها لأنها شجاعة، وما حدث لها وسام شرف وليس تقليلاً من شأنها كما يظن البعض".

ويعلق أحمد طارق لـ"اندبندنت عربية"، "نظرة المجتمع السوداني للفتاة قائمة على جسد يجب صونه بعيداً من متناول الشارع، لم تستطع العقلية السودانية البسيطة فهم الأنثى كفكرة فأصبحت ضحية العادات والتقاليد والمقاييس الشمولية والقبلية، لذلك نجد أن الفتاة السودانية تعاني من المجتمع بصورة كبيرة في نواحٍ عدة، فهي مكبلة ولو نالت حريتها فأنها تقع تحت مسمى متمردة".

استنكار

في الوقت نفسه يستنكر عدد من الناس مشاركة الفتيات في اعتصام القيادة العامة، ولسان حالهم هو أن جلوسهن حتى ساعات متأخرة من الليل سبب في ما حدث لهن من "تحرش وعنف". آراء عكست الوجه الآخر للمجتمع الذي يلوم الفتاة ويوبخها حتى إذا كانت ضحية. هذا الهجوم المجتمعي قاد ثلاث فتيات للانتحار بعد تعرضهن للاعتداء الجنسي، بعدما رفض أهاليهم تقبلهم.

تقول الطبيبة النفسية سارة أبّو لـ"اندبندنت عربية"، إن "الصدمة النفسية التي تصيب الفتاة التي تتعرض للتحرش قاسية وغير هينة، التحرش والاغتصاب جريمة يرفضها المجتمع، لذلك يضع لها أقسى العقوبات ويتعامل معها بحذر، على الفئات الواعية عدم استغلال مثل تلك الحوادث للتصعيد أو المزايدة السياسية، ودور المجتمع هو رفع معنويات الناجية والمساعدة في علاجها، ومعاقبة المجرم مهمة جداً كي تشعر الناجية بأنها استردت حقها". وتضيف أبّو "اختراق الخصوصية في المحاكم وعدم معاقبة الجاني والوعي السطحي كلها أسباب تجعل الضحية محبطة وغير واثقة في نفسها وفي المجتمع".

المزيد من العالم العربي